أضحت تركيا أكثر الأسواق الناشئة تضرراً منذ الحادي عشر من مارس الماضي، عندما سارع المستثمرون إلى التخلص من كل فئة استثمارية يستشم من وراءها نذر الخطر. فلقد سعى هؤلاء لجني الأرباح الكبيرة التي جمعوها منذ بداية 2006. غير أن الأمر تغير فالأرباح تلك ذهبت أدراج الرياح إذا انخفضت الأسهم بمقدار عشرين في المئة من حيث القيمة الدولارية.
وبدا أن عيون المستثمرين تقلب في مثالب اقتصاد البلاد، فمنذ زمن غير بعيد، كان في أحسن أطواره، وكانت تركيا أحد نجوم الأداء الأول في طفرة الأسواق الناشئة. ففي ظل أجواء من الاستقرار السياسي غير المسبوق، والانضباط المالي، تحت الإدارة الإسلامية المعتدلة، رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، ارتفع مؤشر سعر بورصة اسطنبول بواقع 400 في المئة بين أكتوبر 2002 وفبراير 2006.
وجاء العام الماضي بأخبار أكثر سروراً فقد حقق الاقتصاد نهضة تنموية أكثر قوة، ودخلت البلاد في مباحثات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. أما التذمر فقد جاء في مجمله من بين الجماهير، فقد اشتكى الأتراك من غلاء الليرة، مع تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى الأسواق المحلية،
غير أن تلك التدفقات مكنت على الأقل من تغطية عجز في الحساب الجاري وصل إلى 6.3 في المئة وهو الأكبر من نوعه في العالم النامي، باعتباره حصة من الناتج الإجمالي المحلي، ويقول محللون إنه في ظل الاضطراب الحالي السائد في الأسواق الناشئة فإن المستثمرين لم يتمكنوا بعد من تحديد الدول الأكثر عرضة للمخاطر بسبب عجوزاتها الحسابية الجارية.
ولقد اتسمت معظم المبيعات بعشوائيتها حيث أصابت بنيرانها الجميع على حد سواء ومع ذلك فإن تركيا عرضة للخطة التي قد يبدأ فيها الاستثماريون بالانتقاء والاختبار. حيث إن العجز في الحساب الجاري البالغ 25 مليار دولار، ومعدل البطالة الذي ارتفع على غير المتوقع بحدود 8.8 في المئة في شهر ابريل يميزها عن الدول المعرضة للحوادث مثل البرازيل.
وفي شهر مايو وحده، انخفضت الليرة بواقع 17 في المئة مقابل الدولار. وكانت التساؤلات حول قدرة »دور موس يلماز« المحافظ الجديد للبنك المركزي على معالجة التضخم، لم تجد نفعاً، بعد أن كان حدد لنفسه هدفاً تضخمياً نهاية العام بحدود 5 في المئة، كما ساهم الوزراء في إثارة المزيد من القلاقل، بالخوض في جدال حول أسعار الفائدة ضد رغبات »يلماز«،
وليس هناك من أحد على الأقل يعتقد أن تركيا من قريب أو بعيد، على حافة الوضع المتقلقل الذي كانت فيه عام 2001، عندما شهدت البلاد انكماشاً بواقع 7 في المئة، وعانت البلاد من الديون المتخلفة. ويعتقد كثير من الأتراك، بمن فيهم السواد الأعظم من المواطنين العاديين، بأن انخفاض الليرة يمكن أن يكون مؤشراً على »حركة تصحيحية طال انتظارها« من شأنها مساعدة الصادرات،
وتقليص الواردات والمساهمة في سد الفجوة في الحساب الجاري وفقاً لــ»تانجو اغوز« المستشار المالي الذي يتخذ من اسطنبول مقراً له، وفي تطور آخر، أعلن البنك الفرنسي البلجيكي »ديكسيا«، اعتزامه شراء 75 في المئة من بنك »دنينر« سادس أكبر البنوك التركية الخاصة، بمبلغ 2.44 مليار دولار.
وإذا ما سارت الأمور حسب الخطة المرسومة، فإنه من المتوقع أن يتجاوز الاستثمار الأجنبي المباشر رقم العام الماضي القياسي المسجل وهو 96 مليار دولار.غير أن صندوق النقد الدولي، الذي قام مسؤولوه بزيارة تركيا الشهر الماضي، لمراجعة عقد قيمته 15 مليار دولار، ومدته ثلاث سنوات، وجه انتقادات عندما بدأت الأسواق في التذبذب.
وقال الصندوق إن الحكومة مطالبة بتقليص الانفاق بحدود ثلاثة مليارات دولار لتعويض عجزها الحالي في الحساب الجاري، وتبني سياسة مالية أكثر حذراً، ودعا الحكومة إلى الالتزام كلياً بسياساتها المالية، وعدم ادخال تخفيضات أخرى في ضريبة القيمة المضافة.
وتتمحور أكبر مخاوف المستثمرين الأجانب في عدم الاستقرار السياسي، الذي يسبق الانتخابات المقرر إجراؤها في العام المقبل. في غضون ذلك، فإن النزاع حول قبرص من شأنه تقويض المحادثات مع الاتحاد الأوروبي. كما يسود بروكسل، مخاوف من أن الإصلاح الاقتصادي بدأ يفقد زخمه، أما المفاجأة فهي محافظة المستثمرين على تفاؤلهم.
ترجمة وائل الخطيب