اجتذبت دبي الأنظار ورؤوس الأموال بإطلاقها مشاريع ضخمة قد لا تتناسب – في نظر الكثير من المراقبين- مع حجمها كمدينة ناشئة، نجحت في خلق مناخ اقتصادي استثماري آمن وسط منطقة اشتهرت بالقلاقل والحروب، لكن دبي قلبت الآية بإطلاقها مشاريع عقارية وفي الوقت ذاته أطلقت في النفوس أيضا كما هائلا من التساؤلات لدى كل من يقيم فيها أو يزورها أو يسمع ويقرأ عنها في صحيفة أو يشاهدها على الشاشة في تقارير إخبارية اقتصادية ساخنة تتحدث عن تجربتها الخاصة في عالم غارق بالمشاكل الاقتصادية،

ولم يعد غريبا أن تجد مشاريع بدبي مكانا ومساحة كبيرة في أحاديث القاصي والداني وقاسما مشتركا لتساؤلاتهم المتشابهة...هل هي طفرة حقيقية أم فقاعة؟ هل أشتري أم لا أشتري؟ وأين أشتري؟ وبكم ؟ وممن؟ أم أنتظر ؟ هناك مشاريع أخرى على الطريق؟ لا الأمر برمته فقاعة؟ لمن كل هذه المشاريع ؟ هل السوق مقبلة على كساد أو ربما ركود غير ظاهر؟

..... وهكذا تكثر الأسئلة في ظل غياب بيانات وأرقام شاملة تضع النقاط فوق الحروف، ولتعطي أجوبة على أسئلة مشروعة... وفي هذا التحقيق تحاول »البيان« وضع الأجوبة مقرونة بمعطيات بعض المدن العالمية مقارنة بدبي، فعلى الجهة الأخرى المقابلة يتحدث المراقبون عن »فقاعة« ربما تبتلع أسواق العقار العالمية المعروفة في الغرب، ليتحول السؤال من »هل تعيش دبي فقاعة ؟« إلى »هل أشتري بيتا في دبي بدلا من لندن؟«.

تزامن النمو

يرد خلف الحبتور على سؤال الفقاعة بطريقة أخرى ويستعين بالأرقام ويقول لو أن هناك فقاعة ما كنا على مستوى مجموعة الحبتور لنوظف اليوم كفاءات وخبرات متمرسة من أكثر من 45 بلداً مختلفاً. وهذا واضح جداً من خلال نمو قدرة القوى العاملة لديها من 5.577 إلى 22.397 بين عامي 1995 و2005 ويصل هذا العدد حاليا إلى 25.000 .

ويشير الحبتور هذه إجابة بليغة وهناك إجابات أخرى ابلغ منها أن نجاح أي مجموعة استثمارية في الإمارات عموما ودبي على وجه الخصوص إنما يعكس حكاية نجاح وطني حيث سجلت دبي لوحدها ارتفاعاً بارزاً في العائدات بنسبة 284% مع ربح صافٍ ارتفع بنسبة 737% في العقد الماضي.

السوق نشيطة

ويرى رجل الأعمال احمد العطار احد ابرز المطورين العقاريين في القطاع الخاص أن السوق العقارية بدبي لا تلوح في افقه لا من قريب ولا من بعيد مؤشرات تفيد بوجود » فقاعة« وأكد العطار على أن شركته تطور حاليا 15 مشروعا عقاريا ضخما ولم تواجه أية مشكلات في التسويق لأنها اعتمدت أولا على رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي ومن ثم على الدراسات الميدانية التي تقوم بها الشركة عبر شركات متخصصة بدراسة الجدوى .

ولفت إلى أن نشاط وحيوية السوق العقارية التي تستقبل هذا العام المئات من الوحدات السكنية والتجارية، وبالرغم من ذلك فإنها لا تلبي الطلب على هذه الأنواع من السلع العقارية.

للطفرة شروط و»للفقاعة« أسباب

محمد العبار الذي يترأس »إعمار« أحد اللاعبين العقاريين الكبار في دبي، يعتقد بأن الطفرة العقارية في دبي بعيدة كل البعد عن تسمية »فقاعة« ويقول العبار بأن للطفرة شروطا وللفقاعة أسبابا، ونظرة واحدة إلى دبي سنجد أنها تتحلى بأقوى شروط الطفرة، ولا تعاني أيا من أسباب »الفقاعة«.

وأشار إلى أن مدنا مثل لوس أنجلوس وشانغهاي ولندن شهدت في الحقبة مابين 1980 و1990 انكسارات في أسعار عقاراتها مابين 40 % إلى 60 % وهو ما لم يحصل في سوق العقارات بدبي، ومن المستبعد أن يحصل.

وأوضح العبار بأن للفقاعة العقارية صورا وإشارات ودلالات تلقي بظلالها على السوق الذي تسيطر عليه، ومن تلك الصور والإشارات التي لا يمكن التغاضي عنها، محدودية عدد المشاريع المطروحة كما ونوعا، بالإضافة إلى غياب قوي في الطلب وزيادة كبيرة في كفة العرض بشكل يسبب خسائر للمطور أو للمستثمر في التطوير العقاري،

وغير ذلك من الصور التي تساءل العبار إن كانت السوق العقارية في دبي تعاني منها، ويرد العبار العكس هو الصحيح، هناك مشاريع تطرح باستمرار وشركات المقاولات تعمل ليل نهار، وقوائم الانتظار بالعشرات إن لم نقل بالمئات.

ولفت العبار إلى أن الفقاعة تشترط حصول خسائر كارثية في استثمارات الشركات المطورة، وهو ما لم يحدث مع الشركات العقارية المطورة الرئيسية في دبي والتي تشهد أسهما صعودا في القيمة السعرية، وزيادة في الأرباح وزيادة في النمو وارتفاعا في معدلات التوسعات.

وشدد العبار على أن المستقبل سيحمل بين طياته حقائق أكثر نصاعة عن أن السوق العقارية بدبي قادرة على مواجهة كل الاحتمالات كما كانت دبي وما زالت قادرة على مواجهة أسوأ الظروف الاقتصادية والسياسية والأمنية التي ضربت المنطقة والعالم.

الآية تنقلب!!

الآية تنقلب تماما عند الحديث عن الإيجارات بين دبي وبعض المدن العالمية، فمعدلاتها المرتفعة في دبي تكوي بنيرانها جميع الشرائح الباحثة عن مسكن في دبي ولا فرق بين أصحاب الدخول المتوسطة أو المرتفعة عندما يتعلق الأمر بالإيجار، والسبب في ذلك أن دبي تمثل في الزمن الراهن ارض الأحلام لكثير من الباحثين عن فرصة عمل،

إلى جانب أنها تمثل المكان الأكثر أمنا للمستثمرين الباحثين عن مجالات ترفع من حجم استثماراتهم وهو ما تقدمه دبي على طبق يخلو من الضرائب ويمتلئ بالتسهيلات، بهذه العبارات المباشرة أجاب سلطان بن سليم الرئيس التنفيذي لنخيل العقارية عندما سألناه عن رؤيته بين إيجارات دبي وباقي مدن العالم.

وأضاف بن سليم »لا أود الحديث عن فقاعة أو ما شابه لان الإقبال على مشاريعنا من المستثمرين يغلق الباب بوجه هذا النوع من النقاش«. ولفت بن سليم طبعا هذا غير ما أصبحت دبي تمثله من مدينة نموذجية ساحرة تجذب السياح وطالبي العلاج وطالبي العلم،

وكل هذه الأمور كفيلة بأن تجعل الطلب على السكن مرتفعا، ولم تعد مسألة فصل الصيف وما يرافقها من انخفاض في الإيجارات نتيجة سفر الكثيرين، أمرا واردا بعد الآن، لذلك كان من الطبيعي أن ترتفع أسعار الإيجارات، ولكن غير الطبيعي أن يرافق ذلك الارتفاع جشع بعض الوسطاء الذين جعلوا من أرقام الإيجارات، لا تخطر ببال أحد المستفيدين من غياب الجهات الرقابية على هذا النوع من الأنشطة الاقتصادية، والطلب المتنامي على السكن،

وعلى أية حال توضح الأرقام المستقاة من مكاتب تأجير العقار في كل من لندن ودبي بأن الاستئجار في لندن أرخص كثيرا من دبي، حيث يمكنك استئجار منزل للعائلة جنوب غرب لندن بمبلغ 12492 درهما شهريا بينما يكلف استئجار شقة بغرفتين وصالة في دبي حوالي 40 ألف درهم شهريا. ولذلك أصبح عائد الاستثمار الإيجاري في عقارات دبي أقوى من لندن، حيث يبلغ عائد الإيجار بلندن 2.5% بينما يصل في دبي إلى 12%.

دورة السوق

فرحان فريدوني الرئيس التنفيذي لشركة سما دبي العضو في دبي القابضة كان له تحليلاته التي تتركز على أمرين هامين الأول الجهة التي تقف وراء إطلاق مثل تلك التقارير والثاني دورة السوق وفيما يتعلق بالنقطة الأولى رأى فريدوني أن هناك جهات أو أفرادا يحاولون التأثير على ما وصفه »مزاجية السوق« بحيث يعرقلون عمليات تسويق المشاريع النوعية والتي ما تلبث أن تتغير بسرعة كبيرة ليكتشف المستثمر بأنه وقع ضحية لأقاويل وشائعات.

وفيما يتعلق بالنقطة الثانية قال فريدوني الذي حققت شركته نجاحا باهرا ببيعها 20% من مشروع الخيران في غضون أيام »هناك دورات للسوق ففي أوروبا هناك دورات تحكم السوق العقاري وأيضا في أميركا هناك دورات يمر بها السوق وعادة ما يتراوح السقف الزمني بين كل سوق وآخر مابين 5 و 7 سنوات

ولفت إلى أن الذي يراقب سوق دبي على مدى الخمس عشرة سنة الماضية سيكتشف بان السوق مر بعدة دورات منها ما نسميه الطفرة والثانية ما يصطلح عليه بالحركة التصحيحية وهذه الدورة لا تتحقق إلا عندما يكون اقتصاد البلد مستقرا والمناخ آمنا لذا يصبح من الطبيعي والجيد أن تعيش السوق حركة تصحيحية وهو ما لا يحدث الآن في دبي .

وأوضح فريدوني في اتصال هاتفي أجراه »البيان الاقتصادي« معه من تركيا حيث يشارك في أحد المؤتمرات أن السوق العقارية في دبي حاليا لا تعاني من أي تضخم أو آثار جانبية نتيجة »فقاعة« يتحدث عنها البعض دون علم أو دراية، لكن فريدوني قال أيضا بأن من الطبيعي أن تمر السوق بأيام حلوة ومرة،

فكما نشهد طرحا جريئا كما ونوعا على صعيد المشاريع العقارية فهذا لايعني أن الأمر سيدوم إلى ما لا نهاية بل بالتأكيد هناك دراسات جدوى على المديين القريب والبعيد تحدد الموعد الذي ستتوقف فيه عملية إطلاق المشاريع تبعا لحاجة الإمارة واقتصادها ولمتطلبات السوق، ونوه فريدوني إلى أن السوق العقارية في دبي لا تزال في بدايتها والحديث مبكر جدا عن حدوث إشباع أو حدوث فقاعة.

غير موضوعية

يؤمن سعيد احمد سعيد رئيس شركة ليمتلس العضو في دبي العالمية القابضة بأن دبي تعيش طفرة عمرانية وعقارية حقيقية، أما الآراء والتعليقات المتواترة حول تسمية الطفرة العقارية بـ »الفقاعة« نابعة من نواح عدة، فبعض تلك الآراء يستند إلى أرقام وإحصاءات رغم عدم توافرها بشكل دقيق وكامل ومتكامل ما يجعل تلك الآراء – برغبة صاحبها أم من دونها – عرضة للابتعاد عن الموضوعية، بينما هناك آراء تنطلق بدوافع شخصية دون أدنى رجوع إلى أرقام أو معطيات أو قراءات للسوق على أرض الواقع وربما من الأنسب عدم التعليق عليها.

ونوه سعيد بالمشاريع العقارية الضخمة في دبي لاند ودبي فستيفال ستي ومرسى دبي وبحيرات الجميرا ومشروع برج دبي ومشاريع الواجهات البحرية والخليج التجاري وغيرها من المشاريع التي تصل تكاليف الاستثمار فيها إلى مئات المليارات من الدراهم، معتبرا إياها دليلا ماديا على الحيوية والنشاط التي يتمتع بها القطاع العمراني والعقاري بدبي.مؤكدا لو ان السوق وصل إلى مرحلة الإشباع أو الفقاعة ما كنا في ليمتلس لنخطط إطلاق 10 مشاريع عقارية.

أقل من الأسواق العالمية

حسين سجواني رئيس مجموعة »داماك« القابضة لا ينصت كثيرا لمثل تلك التقارير ويصفها بالتقارير التي يقرأ أصحابها السوق العقارية في دبي بالمقلوب..وينصح سجواني بمغادرة المكاتب إلى أرض الواقع عند كتابة »تحليلات« عن السوق العقارية بدبي كما ينصح باستطلاع أهل السوق ولاعبيه الكبار والوسطاء والمستثمرين حتى يتمكن المحلل من نقل صورة طبق الأصل وعند ذاك يكتشف بنفسه إن كان ما يحدث في دبي » فقاعة« أو »طفرة«.

وأضاف: دبي في قلب منطقة يدخلها سنويا 360 مليار دولار من النفط فقط، لذلك فهي ذكية جدا في الطريقة التي اتبعتها لجذب الاستثمارات وسبقت دول المنطقة إلى هذه الإستراتيجية الاقتصادية الباهرة.

وأكد سجواني أن أسعار البيع في السوق العقارية بدبي منافس للأسعار في الأسواق العقارية العالمية بحيث تقل أسعار العقار في دبي عنها في أسواق سدني وسنغافور وهونغ كونغ وكاليفورنيا بنسب تتراوح مابين 30 إلى 50% ، مما يجعل سوق دبي متميزة ومتفوقة على كل الأسواق العالمية فيما يتعلق بعوائد الاستثمار فيها حيث تصل عوائد الاستثمار إلى 20 إلى 30 % بدبي، أي ضعف العوائد الاستثمارية في العديد من الأسواق العقارية العالمية.

مشاريع في الطريق

محمد القاضي العضو المنتدب في »رأس الخيمة العقارية« عبر عن استغرابه من التقارير والأخبار التي تخرج بين الحين والآخر لتقول إن »السوق العقاري في الإمارات بات يعاني من ركود أو فقاعة« وما إلى ذلك من مصطلحات لم نلمس حقيقتها ولا أي مظهر من مظاهرها.

وأوضح القاضي أن »الشركة وبدعم من حكومة رأس الخيمة ما كانت لتطلق مشاريع عقارية ضخمة كان آخرها مشروع مدينة العرب باستثمارات أولية تصل إلى 10 مليارات درهم، وتخطط لإطلاق المزيد من المشاريع في المدينة التي تعد منطقة جذب نموذجية للاستثمارات.

واستبعد القاضي أن تكون الطفرة العقارية في الإمارات قريبة إلى أي شكل من أشكال الفقاعة بمفهومها الواسع، وقال إن المطورين العقاريين هم الأقرب إلى إطلاق مثل هذه الأحكام وأقدر من الآخرين على توصيف السوق لأنهم يتعاملون باستثمارات بمئات الملايين من الدراهم في السوق، ولكن الإقبال من قبل المستثمرين على المشاريع العقارية المطروحة، تجعل من الصعب الإقرار بحدوث العكس لنصف الطفرة بـ »الفقاعة«.

وقال القاضي هناك دراسات وملفات لمشاريع لعشرات المشاريع لم تطلق بعد، والشركات العقارية المطورة التي قامت بدراسة جدواها قامت منذ زمن بتحديد مواعيد لإطلاقها بل إن بعض المطورين باتوا لا يعلنون عن مشاريعهم، لأنهم لم يعودوا بحاجة إلى الإعلان عنها ما دامت تباع دفعة واحدة وهي على الورق ومن قبل مستثمرين محليين أو خليجيين أو أجانب، وكل ذلك نابع من إيمان وثقة الأطراف المتعاقدة على ديمومة الطفرة إلى سنوات مقبلة.

تحقيق: مشرق علي حيدر