يقوم نمو مدينة على عدة عمليات - عمليات بناء مبانٍ جديدة، المنافسات الهندسية، مطورون يحاولون جني عيشهم، أناس يضيفون إلى بيوتهم، الإنتاج الصناعي، التعديلات في الطرقات، عمليات التنظيف، والصيانة، وهلم جرا.

عندما ننظر إلى الممارسة العصرية للتطور المدني في مدننا العربية، حيثما يُبالَغ في التشديد على أشياء، فيما يقلل التشديد على أشياء أخرى، إذا بنا نحتار من تعدد الأهداف.فما من حوافز واضحة ترشد مجمل النمو والبناء إنما خليط من مختلف الحوافز.

والمشكلة هي أنه، ضمن هذا الرأي، لا يتوفر حس من التوازن، ولا تتوفر طريقة منطقية لأخذ القرار بشأن مقدار الأهمية التي يجب إعطاؤها إلى مختلف الأهداف في ذلك الخليط.ففي أي حديث قد تجريه مع معظم مطوري العقارات، يُطرح هذا السؤال، ويكون له رد، إنما بتعابير اقتصادية بشكل حصري تقريباً. ما هو ما يدفع ثمن ذاته هنا؟ وما هو ما ينتج المال هناك؟

وجواباً عن السؤال المطروح أعلاه، وبعد إجراء ما يلزم من استطلاعات لرأي المستهلك، تكون بالطبع المنتجات التي يتم بناؤها أشبه بالميكانيكية، مجردة، خالية من الحياة.وغالباً ما تخلق شركاتٌ تلك المنتجات التي يتم بناؤها، شركاتٌ تتلاعب بالأسهم بهدف الربح على المدى القصير؛ أو تأخذ لجانٌ تُعنى بالرفاه الاجتماعي المجرد قراراتٍ بشأنها.

فأي حديث قد تجريه مع معظم مطوري العقارات يدعك، بأسفٍ وقسوةٍ، تدرك كم أنهم غير منسجمين مع رغبة المستهلك وكم أنهم بعيدون عن بناء مدن عربية عصرية بحق.ويصل حتى بك الأمر إلى حد شعورك بتباطؤ فكري فتسأل، إذا ما كان المطورون المسؤولون عن بناء بيئتنا لم يتأتوا نتيجة عملية لرسم مجسم.

فلا يُعقَل أن يكون حقيقيا إنتاج مدن صحية أساسها حوافز أنانية، محاكاة زائفة، وادعاء دائم بأن الأمر على ما يرام والمستهلك سعيد.والأسوأ أنه لا يُعقل أن يكون حقيقياً إنتاج مدن صحية بِصِيَغ من الأفكار: غريبة، أنانية، عجيبة، والادعاء الدائم بأن الأمر على ما يرام فنحن نعرف أن المستهلك يطير فرحاً.

خلال حديث مع مطور عقاري بشأن الوضع المدني الحالي لمدننا العربية، تذكرت جملة من قصة «ساحر أوز العظيم» (The Wonderful Wizard of Oz) للكاتب ل. فرانك بوم (L. Frank Baum): «جل ما أردتُ تسلية نفسي وإشغال الناس الصالحين، فأمرتُهم ببناء هذه المدينة وقصري: وعن طيب خاطر، بنوهما وأجادوا البناء. وكان البلد أخضر اللون رائع الجمال، فخطر لي أن أدعوه مدينة الزمرد».

وفي ذلك الكتاب، ساحر أوز العظيم، لم تكن مدينة الزمرد أكثر اخضراراً من أي مدينة أخرى. ولكنها بدت خضراء لسبب وحيد وهو أن ساحر أوز تمكن من إقناع مواطنيها بأن يضعوا دائماً نظاراتٍ عدساتها خضراء اللون.

لذلك، خلال ذلك الحديث، ومن أجل المحافظة على رجاحة عقلي، وتحاشياً من أن يُصاب عقلي بكآبة متشائمة، افترضتُ أن ذلك المطور يضع بالتأكيد تلك النظارات نفسها، نظارات بعدسات خضراء اللون. وافترضتُ أنه لا بد أن يكون أحد مواطني مدينة الزمرد، وافترضت أيضاً أنه لا يعي أن ساحر أوز مجرد قصة خرافي.

وحتى اليوم، لا يزال سؤال يقرع رأسي: هل أخبره الحقيقة؟

Zena@arabianconcept.com