قررت مقاطعة »هيس« الألمانية سد العجز في موازنتها، ببيع 400 ألف متر مربع أو 98 فداناً، من العقارات الأميرية، حيث جمعت عن طريق ذلك 1.27 مليار دولار أو مليار يورو. إلى ذراع إدارة الممتلكات التابعة لكوميرتز بانك.
وقد جاءت الصفقة كجزء من اتجاه يعم أنحاء أوروبا، حيث راح المستثمرون التجاريون يستغلون الأصول التي تعرض للبيع من قبل الحكومات التي ارتأت أن إدارة العقارات باهظة الكلفة، ولا ضرورة لها.
وكانت مدينة درسون الألمانية الشرقية، شطبت في شهر فبراير، جميع ديونها، عندما باعت ملكيتها الكاملة المكونة من 48 ألف شقة إلى مجموعة الاستثمار الأميركية فور ترس، بمبلغ 1.75 مليار يورو أو 2.3 مليار دولار.
وفيما يتواصل ذلك الاتجاه، يقول الخبراء إن كثيراً من الصفقات ستتم في ألمانيا وفي غيرها. ويرجع ذلك بصورة جزئية إلى الكم الهائل من العقارات المملوكة للحكومة، ووجود عدد كبير من الأشخاص الذين يملكون رساميل ضخمة، وخصوصاً من الولايات المتحدة وبريطانيا والذين يجدون في العقارات مصدر جذب كبير، لا سيما إذا ما قورنت باستثمارات أخرى مثل الأسهم أو السندات.
وهناك علاوة أخرى للمستثمرين، فجمع الأموال من صفقات كتلك، يمتاز برخصه النسبي، نظراً لأن دخل الإيجارات تدعمه الحكومات، وبالتالي فإن الصفقات تكون موضع ثقة وصدقية.
وفي السياق، قال »نيك اكسفورد« رئيس دائرة الدراسات الأوروبية في سي بي ريتشارد ايليس، وكالة العقارات في لندن، إن هناك زيادة كبيرة في أعداد الأشخاص الباحثين عن الاستثمار في العقارات في أرجاء أوروبا، وفي ظل تلك الظروف، بدأت الحكومات في التفكير بالعقارات التي تملكها غير أن وجود إحصائيات حول هذا الاتجاه، صعب من حيث الواقع نظراً لأن الحكومات تستخدم تسميات مختلفة للعقارات والصفقات.
وربما لكونها شخصياً لا تمتلك سجلات مناسبة، وفقاً لبيير بوتزي من دي تجازد، شركة الاستشارات العقارية العالمية. غير أن بوتزي، الذي يحاضر حول المبيعات الأوروبية، واتجاهات إعادة التأجير، في كلية تجارة »سولفي« في بروكسل يقول إن المستثمرين التجاريين، قد تسنح لهم الفرصة خلال السنوات الثلاث أو الخمس المقبلة للمشاركة في صفقات خصخصة بقيمة 30 ـــ 50 مليار دولار في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وحدها.
ومن جهته قدر »آلان سوندرسون« من مجلة »بروبريتي فاينانسو يوروب« التي تتخذ من فرانكفورت مقراً لها، بأن المستثمرين في أكبر الصفقات السكنية في ألمانيا، دفعوا قرابة 30 مليار يورو ثمناً لمساكن مملوكة للدولة منذ عام 1997 وثمة تقارير الآن بأن مدناً مثل لا ينبرغ وبرلين وكولونيا وهمبورغ، ستحذو في القريب حذو »درسدن« في بيع بعض المساكن. كما تقوم بعض الشركات الحكومية السابقة المخصصة لبيع بعض مساكنها العمالية وثمة مؤشرات بأن »هيس« بعد صفقة العام الماضي قد تعرض المزيد من ممتلكاتها المكتبية في السوق، وقد تلحق بها »بادن ـ فيرنمبورغ« في وقت قريب.
وإلى ذلك قال »سوندرسون« إن السلطات الألمانية لجأت للبيع لأسباب تتعلق بصورة رئيس بالميزانية لكنه أضاف، أن المسألة أصبحت لعبة كرة سياسية، حيث أبدت الاتحادات العمالية وتحالفات المستأجرين معارضة شديدة لعمليات البيع كما أطلق النقاد صيحة تحذير من عدم السماح »لجراد« الأجانب بالاستيلاء على أصول الدولة، وطرد الفقراء أو إلغاء الوظائف.
إلا أن عمليات البيع لم تقتصر بأي حال على ألمانيا وحدها. ففي بريطانيا، حيث بدأ الاتجاه في تسعينات القرن الماضي، أعلنت هيئة الطاقة النووية البريطانية الشهر الماضي، أنها تبحث عن مستثمرين لتقديم 1 مليار يورو أو 1.9 مليار دولار، لتطوير 890 فداناً أو 360 هكتاراً.
في »هارويل« في أكسفورد إلى حديقة تجارية غناء وفي صفقات سابقة عام 1997، باعت الحكومة واستأجرت ممتلكات تخص دائرة الضمان الاجتماعي وفي عام 2001، باعت نحو 1.3 مليون متر مربع من المساحات المكتبية في مديرية الإيرادات الداخلية والجمارك والمكوس، غير ان الصفقات تباطأت في بريطانيا في السنوات الأخيرة، بسبب طول وتعقيدات إجراءات المزايدات، التي تتطلبها اللوائح الحكومية، وفقاً »لأندريا كاربنتر« من معهد الأراضي الحفرية، وهي مجموعة تعليمية وبحثية غير ربحية، والتي قالت ان العملية تفرض نفقات جزائية على المتزايدين، والتي هي في نهاية المطاف جائرة بحق الخاسرين.
غير ان الجهات الاستثمارية الخاصة تواصل اغتنام الفرص الصغيرة في بريطانيا، وفقاً لأندرو روثري رئيس العمليات العقارية الأوروبية في ديلويت، مجموعة الاستشارات المالية والضريبية العالمية، والتي تشمل سلطات محلية، تبيع مساكن داخلية متهالكة ومكاتب ومراكز صحية تستخدمها مصلحة الصحة الوطنية وفي إيطاليا، وبسبب الضغوط الموازنية، المرتبطة باليورو، فإن الحكومة أنشأت أدوات قابضة لسلسلة من الأصول الفاخرة والتي تشمل متاحف، وطرقاً وجسوراً تابعة لحصص حكومية في شركات عامة مدرجة.
وقدر »بوكزي« قيمة الأصول المباعة منذ عام 2001، بـ 22 مليار يورو بما في ذلك غراندي ستازيوني، شبكة محطات الطرق الحديدية في البلاد. وقد ضمت قائمة المستثمرين في تلك الصفقة عائلة »بنيتون« التي تسعى لتنويع تجارة الألبسة، بإضافة أصول طرق عامة، وغيرها من البنى التحتية. وفي السياق، قال بوكزي إن الشركات تدفع إلى الدولة حقوق امتياز في حين يتولى القطاع الخاص مسؤولية تجديد المحطة بإضافة مراكز للتسوق بحيث أصبحت محطة روما واحدة من أكبر مراكز التسوق في المدينة.
وفي مكان آخر من أوروبا. فقد باعت بلجيكا كماً هائلاً من الممتلكات العقارية العامة، وبصورة خاصة المباني المكتبية، بالإضافة إلى مخازن وسجون.
وفي السياق ذاته فإن فرنسا خطت خطوات قليلة في ذلك الاتجاه، على الرغم من المشاكل التي تواجه موازنتها، فالملكية مركزية في معظمها، ويقول محللون إن السياسيين غير معنيين باستراتيجية الخصخصة ومن جانب آخر فإن المستثمرين في ألمانيا، جذبتهم المساكن للدولة التي كانت في السابق مملوكة للدولة، لأن خمس الألمان فقط يملكون مساكنهم الخاصة.
وكانت »فور ترس« التي أبرمت صفقة »درسدن« اشترت عام 2004. 80 ألف منزل، معظمها في ألمانيا الغربية من مؤسسة الضمان الاجتماعي والتقاعد الحكومية، وفي عام 2005 اشترت منازل تعود إلى بنك »لوير ساكسوني« الإقليمي، في شمال غرب ألمانيا، وقالت الشركة التي رفضت التعليق على خططها إنها ستدرج محفظة إسكانها الألمانية في سوق الأسهم في وقت لاحق من العام.
وقال محللون وغيرهم من المستثمرين إنهم يتوقعون ارتفاعاً حاداً وحلزونياً في قيمة محافظهم العقارية، نظراً لركود اقتصاداتهم بالنسبة إلى بريطانيا والولايات المتحدة. وكانت »فور ترس« على سبيل المثال رفضت خلال عملياتها الشرائية في ألمانيا عام 2004 ما معدله 45 ألف يورو لكل وحدة سكنية وفقاً لساندر سون من »بروبريتي فاينانس يورووب« ويرى الأميركيون في ذلك رهاناً جيداً على اقتصاد لابد أن يتدارك أمره.
ترجمة:وائل الخطيب
