تقوم شركات اسمنت من أميركا الجنوبية بهجمة شرسة على قطاع الاسمنت الأميركي، وتساهم موجة من الخيارات والاندماجات آتية من الحدود الجنوبية لأميركا في إعادة تشكيل صناعة البناء التي توفر المواد الأساسية لعملية الإنشاء والتشييد خاصة الاسمنت.

والتسوية التي تمت مؤخراً لشكوى الإغراق المستمرة فترة طويلة ضد مصانع إنتاج الاسمنت المكسيكية هي أحد العوامل العديدة التي تدفع صفقات الاندماج والحيازة في هذا المجال حيث تسعى شركات إنتاج الاسمنت إلى إحكام قبضتها على السوق الأميركية اعتماداً على القدرة على تجاوز عنق زجاجة النقل ورغبة الشركات الأميركية في بيع حصص للحصول على مكاسب كبيرة.

وفي الوقت الذي أدت فيه أرباح سياسية عاتية إلى وقف بعض الاستثمارات الأجنبية في أميركا خاصة من دبي والصين، فإن الأموال القادمة من أميركا تلقى أكثر من الترحيب.

تسيطر شركات كبرى على قطاع الاسمنت في أميركا، مثل لافارج الفرنسية هولسيم السويسرية وسيمكس المكسيكية، وهناك لاعبين أجانب أصغر يتسربون إلى السوق المحلية بشراء شركات اسمنت تعتبر صغيرة جداً، فلا تجذب اهتمام اللاعبين الكبار متعددي الجنسيات، وقد يكون لاقتحام اللاعبين الأجانب للسوق الأميركية للاسمنت تأثير على تكلفة كل شيء من المنازل إلى مشروعات الأشغال العامة.

وبالإضافة إلى ارتفاع صادرات الاسمنت فإن شركات مثل فوتورانتيم سيمنتوس البرازيلية الكولومبية يشترون أيضاً أصولاً أميركية في هذا القطاع خاصة شركات الصبات الجاهزة الذين توصل أساطيل خلاطات الاسمنت التي يملكونها الخرسانة الرطبة إلى مواقع الإنشاء.

وبدأت بمجموعة سيمنتوس المكسيكية في أول مايو بناء مصنع اسمنت بتكلفة 220 دولار في مقاطعة كولو في شركة يويبلو إحدى أربع شركات اشترتها المجموعة المكسيكية في الأشهر الستة الأخيرة.

وأعلنت سيمنتوس المكسيكية قبل أيام شراء شركات في أولاهوما مقابل 271 مليون دولار تشمل أصولها أسطول من 250 خلاط اسمنت و30 مصنع خرسانة، وتبع ذلك شراء الشركة المكسيكية شركات خرسانة في مينسوتا وساوث داكوتا، كما اشترت أيضاً منجماً للفحم في ديورانجو بمقاطعة كولو لتغذية مصانع الاسمنت التي تملكها في أميركا.

وتمكنت الشركة المكسيكية من التميز على شركات أخرى والانتقال إلى قطاع الخرسانة الجاهزة بفعل إنتاجها الرخيص من الاسمنت في المكسيك. وقال مانويل ميلان رئيس تنفيذي الشركة انهم الأقل تكلفة في المنطقة وتوقع ان تشتري الشركة مصانع أخرى في العام الجاري.

وهناك عدة عوامل لاندفاع أميركا اللاتينية إلى السيطرة على سوق البناء في أميركا، أولها ارتفاع الطلب، وحاجة المشروعات العديدة الجديدة التي تنفذ في أميركا إلى طرق وجود ومراكز تسوق قريبة منها، وقد ارتفع استهلاك أميركا من الاسمنت إلى 130 مليون طن عام 2005 مقابل 110 ملايين طن في 2000، وبلغت الواردات 20ــ25% من هذه الكمية، وارتفعت أسعار الاسمنت إلى 90 دولاراً للطن مقابل 78.50 دولار خلال الفترة المذكورة.

وقال هندريك فان أوس الاقتصادي الجيولوجي في هيئة الجيولوجيا الأميركية ان سوق الاسمنت الآن تميل لصالح البائع. كما تلعب الصين أيضاً دوراً ليس كمنافس في الاسمنت، فهي تستورد حاجتها من جنوب شرق آسيا، لكنها تلعب دورها في أساطيل الشحن، فالطلب الصيني على كل شيء من النحاس إلى الأسماك إلى فول الصويا يرتبط بطاقة الشحن للمسافات الطويلة، وسبب ذلك فتح الطريق أمام مصانع أميركا اللاتينية لتدخل بأساطيلها، مثل سيمنتوس أرجوس الكولومبية التي شحنت 206 ملايين من الأسمنت عبر الكاريبي إلى أميركا الشمالية عام 2005.

وقال أندريه لوندونو المتحدث باسم أرجوس إن لديهم شبكتهم اللوجستية من الموانئ والأساطيل ويمكنهم جلب الأسمنت من أماكن مثل كولومبيا وفنزويلاً، وبينما هذه المرونة تمكن الشركة من تجنّب عنق زجاجة الشحن والوفاء بالطلب في المواعيد المحددة.

وقررت الشركة في نوفمبر الماضي أن تكثف وجودها في أميركا، ودفعت 245 مليون دولار لشراء شركة سوثرن ستار كونكريت و12.5 مليون دولار لشراء كونكريت إكسبريس، ودخلت شركة راليغ للأسمنت جاهز الخلط الشهر الماضي في مجموعة أرجوس في أميركا في صفقة قيمتها 435 مليون دولار.

واستثمرت الشركة 410 ملايين في أميركا، مما جعلها أكبر مستثمر من كولومبيا في الولايات المتحدة.

وتعتبر تحركات شركات أميركا الجنوبية تكرار لما فعلته شركة سيمكس المكسيكية من عقد منذ عقد من الزمان، وتأتي تحركات سيمكس الأخيرة عقب قرار صدر في مارس للفصل في النزاع المستمر من 16 سنة بين شركات الأسمنت الأميركية والمكسيكية، بشأن اتهامات للمكسيك بإغراق سوق الأسمنت الأميركية، وأصبحت الشركة الآن أكبر منتج للأسمنت في أميركا، وتسيطر على نحو 15% من السوق الأميركية للأسمنت. ونص هذا القرار على إعفاء الشركة المكسيكية من رسوم 3 دولارات على طن الأسمنت الذي تنتجه.

ووافقت المكسيك بناء على ذلك على تحديد حصة صادرات من الأسمنت لأميركا، لكن القواعد سوف تظل هكذا حتى عام 2009، حيث تنتهي هذه المهلة، وتقضي الصفقة بأن تدفع الشركة المكسيكية 40 مليون دولار مقابل رسوم جمارك على صادراتها إلى أميركا خلال فترة نظر الصراع، ووافقت الشركة المكسيكية بالطبع لأنها ستربح أضعاف ذلك من حصة التصدير والإنتاج داخل أميركا بدون رسوم.