عرفت كوريا في الماضي بأنها واحدة من أكثر المجتمعات الزراعية فقرا وبالرغم من ذلك عملت على تنفيذ مخطط يسعى لإرساء التنمية الاقتصادية فيها منذ أوائل عام 1962، وفي أقل من أربعة عقود استطاعت تحقيق ما يسمى »بالمعجزة الاقتصادية على نهرــ الهان كانغ« وهو نهر يشق وسط العاصمة سيئول، تلك المعجزة وما تبعها من خطوات شاقة كانت بمثابة نقطة تحول في التاريخ والاقتصاد الكوري.
وساهمت استراتيجية » التنمية الاقتصادية الشرقية المتجهة للخارج« والتي تعتبر الصادرات بمثابة الباعث الرئيس للنمو إلى حد كبير في التحول الكبير الذي طرأ على الاقتصاد الكوري اعتمادا على تلك الاستراتيجية.
ونظرا لتاريخ اقتصادها المعروف بكونه واحدا من أسرع الاقتصادات في العالم نموا تسعى كوريا لأن تصبح مركزا ومحط أنظار التكتل الاقتصادي الآسيوي القومي خلال القرن الحادي والعشرين وخاصة أن إقليم شمال شرق آسيا لديه القدرة على توفير المصادر الضرورية للتنمية الاقتصادية حيث تعداد السكان في هذا الإقليم يبلغ 1،5 مليار نسمة بالإضافة إلى توفر المصادر الطبيعية وأسواق الاستهلاك الكبيرة.
واعتمد النمو الاقتصادي الكوري مبدئيا على الصناعات الخفيفة ذات الكثافة العمالية كصناعة النسيج على وجه الخصوص كما تم تغيير الصناعات تلك بصورة منتظمة لتحل محلها الصناعات الثقيلة والكيماوية والتي تمثل أكثر من نصف إجمالي الإنتاج الصناعي فعلى سبيل المثال أصبحت كوريا من أهم المنتجين للصلب في العالم في عام 1990، كما تنتج كوريا أنواعا مختلفة من المعدات والماكينات، السفن والسيارات في الوقت الذي أصبحت فيه الصناعات الإلكترونية رائدا أساسيا في النمو وأهم عامل لتوفير النقد الأجنبي.
كما صنفت كوريا في المرتبة السادسة من بين أكبر مصنعي السيارات في العالم حيث تنتج أكثر من 3 ملايين سيارة. كذلك فإنها نجحت في تطوير مجمعات بتروكيماوية ضخمة لمجابهة الطلب المتزايد على الوقود، كما عملت على تدعيم الكثير من المصافي البترولية الكبيرة على طول المدن الساحلية للبلاد بالإضافة إلى صناعات أساسية أخرى مثل: الإسمنت، الأطعمة، الأسمدة الكيماوية، الملابس، السيراميك والمعادن غير الحديدية.
وفي سبيل تطوير البناء الصناعي فيها خلال السنوات القليلة الماضية واصلت كوريا مساعيها لزيادة حجم استثماراتها في قطاع التصنيع وخاصة زيادة حجم استثمار الحكومة والشركات الكبرى في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، فيما شهد النشاط الاستثماري فيها نموا كبيرا وخاصة في قطاع البناء مع توفير الدعم الحكومي المتمثل في توسيع مشاريع البنية التحتية مثل مشاريع خطوط السكك الحديدية، الطرق، الموانئ البحرية والمطارات فيها.
وأيضا من خلال توجهها نحو زيادة حجم الاستثمارات التي تقودها الحكومة والقطاع الخاص. وفي أعقاب الحرب الباردة ظهر مؤشر قوي للميل نحو الإقليمية، وواجهت دول مثل جمهورية كوريا والتي تنتهج سياسة اقتصادية تصديرية بيئة اقتصادية عالية مختلفة عما كان عليه الوضع في الماضي.
حيث كان أغلب النشاط التجاري الكوري يتم مع الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وقد أحدث ذلك اختلافات في موازين التجارة التي كانت تعاني الخلل، وعندما بدأت كوريا وبشكل تدريجي في زيادة تعاملها التجاري مع الدول النامية انخفض نصيبها التجاري مع الدول المتقدمة بشكل منتظم.
وتسعى كوريا الجنوبية لمواصلة رفع حجم تبادلها التجاري مع الدول النامية ودول أوروبا الشرقية طالما استمر النمو التجاري والاقتصادي فيها، كما استمر تركيز البناء الصناعي الكوري على النشاطات التكنولوجية المكثفة، وما أن تكمل كوريا برنامج إعادة هيكلة بنائها الصناعي، فسوف تصبح قوة قادرة على زيادة مساهمتها لتطوير الاقتصاد الدولي عن طريق دفع عجلة التعاون مع الدول النامية على أساس المزايا المتبادلة والمكملة لبعضها البعض.
وبما أن الدول المتقدمة لا تزال الشريك التجاري لكوريا في مجال العلوم والتكنولوجيا, لذلك فكوريا تسعى جاهدة لخفض الخلل في ميزانها التجاري عن طريق فتح أسواقها بالقدر ذاته الذي تفتح به الدول المتقدمة أسواقها وعليها أن تبدأ بالمنتجات الصناعية والزراعية بما في ذلك قطاع الخدمات.
وغالبا ما تواجه الدول النامية مشاكل خطيرة بسبب قلة خبراتها في إعداد الخطط الاقتصادية، وتوفير رؤوس الأموال للاستثمار وتنفيذ السياسات الاقتصادية اللازمة للنمو الاقتصادي، وبالتالي فإن تجربة جمهورية كوريا للتنمية الاقتصادية يمكن اعتبارها نموذجا يحتذى به لمثل هذه الدول.
وقالت وزارة المالية والاقتصاد الكورية في كتابها المصدر »الكتاب الأخضر« والذي يكشف عن الاتجاهات الاقتصادية الأخيرة إنه من المتوقع أن يسجل الاقتصاد الكوري معدل نمو بنسبة 5 % هذا العام بالرغم من ارتفاع قيمة (الوون) وأسعار النفط العالية.
حيث أن ميزان البلاد التجاري تجاوز 1 مليار دولار في الشهرين المتتاليين لشهر إبريل المنصرم على الرغم من الشروط الخارجية المتدهورة كما ارتفع حجم الصادرات الكورية في أبريل الماضي بنسبة 12.7 % بمقدار 25.7 مليار دولار،علما بأنه نسبة الزيادة بلغت الضعفين منذ فبراير الماضي.
وفي أثناء الشهور الأربعة الأولى من هذا العام، بلغ حجم الصادرات 99.7 مليار دولار، بزيادة 10.1 مليارات دولار مقارنة ب 89.6 مليار دولار في الفترة ذاتها من العام الماضي.
وفي حين شهد الميزان التجاري انخفاضا في أبريل الماضي من 4.3 مليارات دولار قبل عام إلى 3.4 مليارات دولار، وذلك نتيجة التأثر بأسعار النفط العالية وزيادة الواردات التي تسير على تحسن الاستهلاك المحلي. كما توقعت الوزارة بأن نسبة زيادة التصدير ستستمر وسط الاقتصاد العالمي، مما جعل اقتصاد البلاد يسجل النمو بنسبة 5 % هذه العام.
وفي المجال الزراعي تضاعف معدل الإنتاج الزراعي الكلي في كوريا خلال 15 عاما الماضية بالرغم من انخفاض النمو الزراعي فيها، حيث روعي الهدف الحكومي المتعلق بتحقيق الاكتفاء الذاتي من الأرز، وخاصة أن الإنتاج الزراعي في كوريا من الأغذية والأطعمة بلغ حوالي 49 مليون طن طبقا لإحصائيات 2002.
فيما عمدت الخطة الحكومية للتركيز على مضاعفة الإنتاج في أراضي البلاد الخصبة المحدودة والتي تقدر نسبتها بحوالي 19 % من إجمالي المساحة الكلية للبلاد. وفي حين أن نسبة 10 % من سكان كوريا هم من المزارعين، في حين تمثل عائدات الأرز الدخل الأول للمزارعين أي 70-60 % من دخل القرويين.
في حين يشعر المزارعون الكوريون بالغضب من جراء اقتراب استيراد كوريا الأرز طبقا لاتفاقيات التجارة الحرة من دول كالصين والولايات المتحدة والذي من شأنه الإضرار بمصالحهم الزراعية وخفض أسعار بيعهم للأرز. وفيما تحتل زراعة الفلفل الأحمر المرتبة الثانية على قائمة الزراعة الكورية.
الإذمارات أكبر مصدر للنفط
تعد دولة الإمارات ثاني أكبر مصدر للنفط بالنسبة لكوريا، فيما ترى كوريا في دولة الإمارات شريكا تجاريا مهما بالنسبة لها، وقد عبرت زيارة الرئيس الكوري روه مو هيون على رأس وفد رفيع لدولة الإمارات مؤخرا عن مدى حرص كوريا على تعميق العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الإمارات، ومنذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين كوريا الجنوبية والإمارات عام 1980 فإن الرئيس مو هيون يعد أول رئيس كوري جنوبي يزور دول الخليج.
وكان حجم التبادل التجاري ما بين البلدين قد سجل 12.7 مليار دولارخلال العام الماضي بزيادة بلغت نسبتها 10 % مقارنة بعام 2004. وقد أثمرت تلك الزيارة عن توقيع كل من الإمارات وكوريا الجنوبية على اتفاقية التعاون الاقتصادي التجاري والتقني.
كما أن هناك مباحثات نهائية خاصة بمذكرات للتفاهم ما بين البلدين في مجالات : النفط، الغاز ومشروع الاحتياطي العالمي للنفط الخام، الاستثمار، الشركات الصغيرة والمتوسطة، التشييد، التصنيع وتقنية المعلومات.
وترى كوريا في الإمارات نموذجا تجاريا واستثماريا مثاليا فهي تتمتع ببيئة استثمارية ملائمة لمختلف أنواع الاستثمارات وخاصة الاستثمار في قطاع المنشآت الاقتصادية والتي لها جدوى اقتصادية كبيرة، أيضا وجود المناطق الحرة الصناعية ووضعية دولة الإمارات جغرافيا.
حيث أنها تعد بوابة لربط الشرق بالغرب ناهيك عن الموانئ البحرية الكبيرة، والإعفاءات الضريبية والتسهيلات الخدمية التي تتوفر للمنشآت الصناعية والتي تقلل من كلفة الإنتاج والتي تعد من المزايا المغرية للشركات الكورية الكبيرة والصغيرة لإقامة فروع لها في دولة الإمارات.
وتتفق الدولتين على أهمية الدور الذي يجب أن تلعبه كل من كوريا والإمارات كونهما يمثلان قطبين اقتصاديين مهمين في منطقة شمال شرق آسيا ومنطقة الشرق الأوسط.
أميركا الشريك التجاري الأكبر
تعد الولايات المتحدة الشريك التجاري الرئيسي لكوريا وتمتلك السوق الكبرى في العالم. ولذلك فإن اتفاقية التجارة الحرة المبرمة مع الولايات المتحدة ستؤثر على كوريا بشكل ملحوظ وأكثر من غيرها من اتفاقيات التجارة الحرة التي وقعت عليها مع البلدان الأخرى.
ويرى كيم يونغ مسؤول في وزارة التجارة والصناعة الكورية أن التوقع الأكبر المتعلق باتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة سيمنح الفرص للصادرات الكورية بتوجهها إلى أكبر أسواق العالم وقد بلغ حجم سوق الاستيراد الأمريكية ما مقداره 1.7 تريليون دولار في السنة الماضية، وهذا الحجم المالي هو أكبر من مجاميع حجم المبالغ الخاصة بأسواق الصين واليابان واتحاد بلدان جنوب شرق آسيا.
فيما وصل حجم تجارة البلاد مع الولايات المتحدة أيضا ما مقداره 71.9 بليون دولار، وبزيادة نسبة مقدارها 13 % من الحجم الكلي للتجارة الكورية، وأضاف أن كوريا بلد يعتمد بنسبة 70 % على حجم تجارته الخارجية وبنسبة 70 %.
وبدون متابعة نشيطة لاتفاقية التجارة الحرة وبخاصة مع الاقتصادات الهائلة للولايات المتحدة، فإنه من الواضح أن الشركات الكورية ستتخلف عن السوق الخاص لما وراء البحار، كما إنه من المحتمل جدا أن الشركات الكورية ستفقد تفوقها التنافسي أمام المنافسات الخارجية مع شركات البلدان التي وقعت معها على اتفاقيات التجارة الحرة.
