تسعى آسيا إلى إيجاد مجال لاستثمار احتياطياتها بالعملة الأجنبية محلياً من خلال تطوير أسواق سندات محلية. ومن المفارقات الساخرة في العولمة انه في الوقت الذي تنقل فيه الدول المتقدمة مصارفها ومراكز الخدمة بالهاتف إلى الشرق، عهدت آسيا منذ فترة طويلة بمواردها وأسواقها المالية إلى الغرب.

فقد راكمت الدول الآسيوية 2.73 تريليون دولار من الاحتياطي بالعملة الأجنبية، وبدلاً من استثمارها في المنطقة وضعتها في الخارج، خاصة في سندات الخزانة الأميركية، ثم وجدت هذه الأموال طريقها إلى آسيا مرة أخرى عبر التدفقات الاستثمارية من خلال الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

ويتساءل السياسيون في آسيا إذا كانت هذه الحركة الدائرية مجزية، وقال وزير مالية كوريا الجنوبية في مؤتمر عقد مؤخراً في لندن ان استثمار الاحتياطات الأجنبية الآسيوية في وول ستريت قد لا يكون الوسيلة المثلى لاستغلال هذه الموارد ولا يحتمل أن يستمعوا إلى نصيحة لاري سومرز وزير الخزانة الأميركي الأسبق الذي قال في مومباي في مارس الماضي ان هذه الدول لابد أن تترك للبنك وصندوق النقد الدوليين تقرير مكان استغلال احتياطاتها النقدية لكنهم قد يتفقون معه في الرأي على أن الدول النامية لابد أن تستفيد من توسيع دائرة استثمار هذه الأموال.

ويفكر بعض الخبراء في أماكن بديلة، فهم يدافعون عن تطوير أسواق سندات آسيوية، وهي أكثر المجالات المهملة بين أسواق المال في المنطقة التي تعتمد تقليدياً على التمويل البنكي، حتى حدوث الاهتزازات الأخيرة في البورصات بعد الوقوع في غرام الاستثمار في الأسهم، رغم ان التحول الفجائي في رؤوس الأموال سوف يدفع الدولار الأميركي إلى الانخفاض.

وأسواق السندات في غالبية الدول الآسيوية بالعملة المحلية صغيرة جداً وغير متقدمة، وقيمة السندات الآسيوية بالعملة المحلية تقل عن تريليوني دولار حتى نهاية 2005، وفق بنك التسويات الدولي وبنك التنمية الآسيوي.

وفضلاً عن ذلك استعادت الحكومات والشركات الآسيوية 135 مليار دولار من خلال سندات بالدولار، وقد يبدو هذا المبلغ كبيراً من حيث القيمة المطلقة، لكنه لا يذكر مقارنة بمبلغ 7 تريليونات دولار حجم السندات اليابانية و22 تريليون دولار حجم السندات الأميركية.

ويسوق المؤيدون بضعة أسباب لتوسيع أسواق السندات الآسيوية المحلية لضخ مزيد من الاحتياطات بالعملة الأجنبية في الأسواق المحلية، فهم يرون ان هذا تأمين ضد وقوع أزمة مالية أخرى مثل أزمة 1997، عندما عانت تايلاند وكوريا الجنوبية وغيرهما من فرط الاعتماد على الاقتراض قصير الأجل بالعملة الصعبة وهروب المستثمرين الدوليين.

ويقول روبرت مكولي ممثل نيك يو بي. إس في آسيا الباسفيكي عند مستوى معين تتوسط الصناديق الأجنبية في عودة أموالنا إلينا، أو عندما نتعصب تتحول الأموال إلى دولارات وعلينا أن نعيش مع هذا الخطر.

والفائدة الثانية هي تخليص الشركات الآسيوية من الاعتماد على القروض المصرفية لإقناع المدخرين من القطاع الخاص بتحويل المال من الودائع البنكية إلى السندات. كما أن الطريق الطويلة التي تقطعها الأموال الآسيوية لها تكلفة، وستنخفض هذه التكلفة اذا تم استثمار هذه الأموال في المنطقة وقد تكون الأسواق المالية الآسيوية الجائعة أكثر ربحية من الاستثمار في السندات الأميركية.

ويعتقد مساهيرو كواي رئيس مكتب التكامل الاقتصادي الاقليمي في بنك التنمية الاسيوي أن مشروعات البنية التحتية والاجتماعية في آسيا من الطرق للسدود للمدارس قد تحقق عائدات أعلى من الاستثمار في الأسواق الغربية.

وحققت الدول الآسيوية تقدماً منذ أزمة 1997 بفعل هذا الجدل. ويقول تقرير التنمية المالية العالمي عن البنك الدولي ان شرق آسيا قادت اتجاها نحو الأسواق الصاعدة لإصدار سندات دين بالعملة المحلية.

وساعدت بنوك التنمية الآسيوية والتسوية الدولي والبنوك المركزية المحلية في ذلك بإنشاء صندوقين للسندات الآسيوية. ويقوم بنك التنمية الآسيوي بدوره لجمع سندات بالعملة المحلية في الصين والفلبين وتايلاند وماليزيا. وذهبت بعض مشروعات البنية التحتية، خاصة في الصين الى السوق مباشرة.

غير أن هناك الكثير يجب على الدول الآسيوية ان تفعله فالذي يثير القلق أكثر من الحجم الصغير لأسواق السندات الآسيوية هو افتقارها إلى السيولة والشفافية السعرية، وعقلية الشراء للاحتفاظ بالسندات السائدة في المنطقة تقلل من العائد.

وستفتح شهية المستثمرين الأجانب عندما يمثلون 1ــ3% من السندات الآسيوية بالعملة المحلية، وهناك أيضاً وكالات تصنيف محلية قليلة جداً تغطي قطاعاً واسعاً من الشركات المحلية، وسياسات ضريبية عديدة مختلفة.

إن فكرة تطوير سوق سندات أعمق وأكثر سيولة في آسيا فكرة سليمة، لكن على الدول الآسيوية أن تراها على أنها ليست تجربة للوطنية بل وسيلة استثمارية. فإذا استطاعت سوق السندات الآسيوية جذب الودائع المحلية من القطاع الخاص بدلاً من مجرد استثمار وتدوير الاحتياطيات بالعملة الأجنبية تكون بذلك قد نجحت.

ترجمة: أشرف رفيق