»هذا أيضا شوكولاته«. كانت صورة »برج العرب« ماثلة على الشاشة المضيئة، والمسؤول التسويقي الرفيع في شركة »أل جي« الالكترونية الكورية، في إحدى الصالات داخل المبنى الرئيسي للشركة في سيئول.. يشير اليها وسط دهشة الحضور. شعر بتلك الدهشة، فسارع إلى التأكيد:« نعم، نعتبر برج العرب بمثابة الشكوكولاته«.
استخدم اوه هانبوم، وهو المدير العالمي لماركة »أل جي«، المسؤول عن علاقة العلامة بالمستهلك، صورة »برج العرب«، فندق دبي الشهير، لكي يقارن بين الايحاءات النفسية لذلك الصرح الفخم في عالم الضيافة، وبين أحد طرز الهواتف النقالة التي تسعى الشركة إلى تسويقها في المنطقة باسم »هاتف الشوكولاته«.
يوضح:« الشوكولاته قد تكون مفهوما نفسيا، وليس بالضرورة تلك الدلالات المادية التي تعني مادة الكاكاو والطعم السكري. الشوكولاته تعني الشغف، الرغبة بالتماهي مع صور نفسية رومانسية وفخمة، المهاداة والضيافة الراقية. هي كلها معاني توافر في (برج العرب) وهي ذاتها المعاني التي استلهمت منها في محاضرتي التي قدمتها للمسؤولين في الشركة، حول تسويق هاتفنا الجديد في الشرق الأوسط. فكرت برموز كثيرة، ولم أجد غير (برج العرب) في المنطقة يخدم فكرتي«.
يكمل هانبوم، الذي يدير السياسات الرئيسية وراء بيع أكثر من سبعة ملايين هاتف تحمل علامة »أل جي« (اختصارا للتعبير الأجنبي لايف از جود) شهريا في أسواق العالم، توضيحه:« بالطبع، الهاتف هو أمر تستطيع الحصول عليه بسهولة هو في متناول الأيدي. أما برج العرب، فليس بسهولة الحصول على هاتف«.
مرحلة جديدة
في مطلق الأحوال، فإن استخدام واحدة من أهم شركات الالكترونيات في العالم، وتطمح لأن تكون الثالثة عالميا، بحلول العام 2010، لبرح العرب، كأحد الرموز التسويقية الأيقونية، من أجل خدمة استراتيجيتها التسويقية في المنطقة، يعبر مرة أخرى عن عملية »البراندينغ« القوية التي باتت تتمتع بها دبي، ليس فقط المدينة بحد ذاتها، وانما تحوّل شوارع ومبان في الإمارة إلى علامات تجارية عالمية قائمة بحد ذاتها.
ولم تكن »أل جي« الشركة العالمية الوحيدة التي لجأت إلى »برج العرب« من أجل إقران منتجاتها بطبيعة الفخامة والنخبة، ففي الأسبوع الماضي قامت »شوتايم« بالربط الإيحائي بين حزمة برامجها الجديدة (بريميوم) وصورة »برج العرب« عبر الهيلوكوبتر التي هبطت بها، تحمل الصحافيين، على مدرج البرج، قبل أن تعقد مؤتمرها الصحافي.
وبالعودة إلى »أل جي«، فإن الشركة تبدو في مرحلة دقيقة من تاريخها، الذي يمتد إلى أكثر من نصف قرن. وهي مرحلة صياغة القاموس التسويقي الخاص بالشركة، متضمنا أسماء وصورا وابتكارات ومفاهيم قامت »أل جي« بتوليدها، بما يتلاءم مع خططها في التوسّع في مجالات مختلفة، أهمها الهواتف النقالة الذي دخلته منذ خمس سنوات فقط، وفي مقارعة المنافسين الأشداء، وفي مقدمتهم ابنة جلدتها الكورية »سامسونغ«.
وأيضا اليابانية »سوني اريكسون«، وقبلهما الفنلندية »نوكيا« التي تسيطر على أسواق المنطقة العربية بحصص سوقية تتجاوز 80% في السوق السعودي، أكبر سوق استهلاكي كميا في المنطقة، و70% في السوق الإماراتي، أهم سوق استهلاكي نوعي في المنطقة.
وبعد سنوات من محاولة السير على خطى المنافسين، طورت »ال جي« قاموسها التسويقي الخاص، وخلال زيارة قامت بها »البيان« إلى مكاتب الشركة في عاصمة كوريا الجنوبية سيئول، تمكنا من استخلاص بعض تلك المفاهيم التسويقية، ويمكن تلخيصها بما يلي..
سياسة »المحيط الأزرق«
أعلنت »أل جي« عن سياستها التسويقية الجديدة المسماة »المحيط الأزرق« (بلو أوشين)، لأول مرة في المنطقة، الشهر الماضي من دبي، في زيارة قام بها الرئيس التنفيذي للشركة أس أس كيم. تتلخص الفكرة بخلق بيئة تسويقية لا تتغيّر بتغيّر الموضة، وإنما تتطوّر بحتمية تغير موضة المنتج نفسه.
معنى ذلك أنّ الشركة تريد أن تخلق بقعة من الاستقرار »الصافي«، تماما كما مياه المحيط الزرقاء الصافية، وسط بيئة متغيرة باستمرار، تماما كما البحر. وبكلام آخر، فإن »أل جي« تريد أن تجعل المستهلك يبحر في »محيطها الأزرق« حصريا، ومن دون أن يضطر إلى الانتقال إلى »سفن المنافسين«، كلما تعكّر صفو الماء، ما يعني احتدام المنافسة:« نريد أن نضمن نشوء بيئة تسويقية آمنة تأسر المستهلكين الذين يغيرون هواتفهم النقالة باستمرار.
في هذه الحالة سينتقلون من طراز »ال جي« إلى طراز آخر لـ »أل جي« أيضا، من دون أن يكون هناك احتمال لانتقالهم إلى طراز من شركة أخرى«، يشرح هانبوم. والحال، فإن سياسة »المحيط الأزرق« تعني خلق فسحة تسويقية آمنة في خضم التغيرات المتسارعة التي تطرأ على قرارات المستهلكين، في ظل التأثير الكبير لثقافة الموضة على الشباب:« نريد أن نخلق بيئة متغيرة من الموضة، وليس منتجا تنتهي صلاحيته بانتهاء موضة معينة«.
مفهوم »البلاك ليبل«
باعت »أل جي« ما قيمته 10 مليارات دولار من الهواتف النقالة في العام الماضي. وهي تخطط لرفع تلك القيمة إلى 12 مليار بانتهاء العام الحالي 2006.
سياسة »المحيط الأزرق« التي أطلقتها هذا العام ستساعدها، من دون شك، في تحقيق هذا الهدف. لكنها سياسة عامة تنطبق على كافة منتجات الشركة الالكترونية وليس الهواتف النقالة فقط. لذلك كان لا بد من ابتكار مفهوم تسويقي خاص بكل نوع من المنتجات، على حدة.
في مكتب التصميمات في الفرع الرئيسي للشركة في سيئول، يجتمع عدد من الشباب العالمين بأمور »الديزاين« وتطورات الموضة، والمتابعون بدقة لكل ما تقوم بها الشركات الأخرى من خطوات إدخال مواد جديدة في تصنيع الهواتف النقالة، واعتماد تكنولوجيا جديدة.
الشباب يجمعون على فكرة واحدة:« لا يجب التضحية بالتصميم على حساب التكنولوجيا«. فريق من بينهم ابتكر تسمية »بلاك ليبيل« إشارة إلى سلسلة من طرز الهواتف التي كان أولها طراز »هاتف الشوكولاته«. وفكرة »البلاك« هي فكرة تسويقية قديمة ومستخدمة من قبل، وخاصة من قبل دور الأزياء الفخمة مثل أرماني وغيرها، وتشير إلى »موديلات« تتميز بالفخامة والنخبوية، وهي عادة المعاني التي يوحي بها اللون الأسود.
هذا لا يعني أن كل طرز المجموعة المسماة »بلاك ليبل« ستكون سوداء اللون، فاللون هنا، ومرة أخرى، يتجاوز المعنى المادي إلى المعنى النفسي. فستطلق الشركة قريبا في المنطقة هاتفا لونه أبيض وآخر لونه زهري، لكن، دائما، ضمن مجموعة »البلاك ليبل«.
»الديزاين« اذا. يجمع المسؤولون في »أل جي« على أنها كلمة السر. وينكب فريق مؤلف من 5600 موظف يعملون في أقسام الأبحاث والتطوير، ومئات غيرهم في كوريا ودلهي وميلانو يعملون في مجال التصميم، على ايجاد الشكل الملائم للمنافسة العالمية.
يقول جي كيم، الذي شارك في تصميم طراز هلاف »الشوكولاته« (أطلقته الشركة منذ أيام في منطقة الشرق الأوسط) أنه الهاتف الأول في العالم الذي تعمل خواصه باللمس:« قمنا بنقل تقنية شاشات أل سي دي من التلفزيونات إلى الهواتف«. في علبة صغيرة سوداء، أنيقة، غلفت الشركة هاتفها كقطة اكسسوار أنيقة تصلح للهدية في أرقى المناسبات.
مأزق »الشوكولاته«.. عند العرب
أطلقت الشركة إذا اسم »بلاك ليبل سيريز« على فئة ذلك الطراز، جعلته في متناول أيدي مشاهير النجوم العالميين في الرياضة والموضة والفن، وربطته بمفاهيم العشق واللذة، كما هو الشوكولاته. يقول تيو بارك، أحد مصممي الهاتف أيضا، انه في الرابع عشر من شباط (فبراير) في كل عام تهدي النساء الكوريات الشكولاته إلى أزواجهن (وليس الورود كما في بلادنا) لذلك صممنا هاتفا يباع في تلك المناسبة.
في الرابع عشر من آذار (مارس) يحتفل الكوريون بعيد يسمى (اليوم الأبيض) ويقوم الرجال باهداء الشوكولاته هذه المرة إلى الرجال، لذلك أطلقنا هاتف »الشوكولاته البيضاء« في تلك المناسبة«.
لكن الدراسات التي سبقت تصدير الهاتف إلى أسواقنا أظهرت نتائج فاجأت مسوقي هواتف »أل جي« واربكتهم قليلا. يقول أوه هانبوم، المدير العالمي للعلامة التجارية، أن »الشوكولاته لدى غالبية العرب، كما أظهرت دراساتنا، عكست معاني الدبق والاتساخ وليس الحب والمهاداة«.
لذلك قامت الشركة بالتركيز على خواص الهاتف التكنولوجية وليس ارتباطه بفكرة »الشوكولاته«، كما أسقطت كلمة »بلاك ليبيل« عن الحملة التسويقية في بعض أسواق الخليج، كونها ترتبط بأحد أصناف الخمور.
»ركزنا اذا على التصميم، حيث الأزرار تعمل باللمس وتكون غير مرئية في حالة انطفائها، بينما تضيء بالأحمر عند التشغيل. جعلنا سمك الهاتف أرفع (15 ملم) للمستهلك العربي، بعكس الكوري الذي يمتلك أكفا صغيرة, لذلك يحتاج إلى هاتف أسمك. جهزناه بخواص أم بي ثري وأم بي جي فور للفيديو، إضافة إلى ميزة 1.3 مليون بيكسيل للكاميرا التي جعلناها غير مرئية«.
الكثير من المفاهيم التسويقية، ابتكرتها »أل جي« خلال الفترة الماضية. المحك ستكون الأيام المقبلة من دون شك، حيث ستبيّن المبيعات نجاح تلك السياسات أو إخفاقها، مع إمكانية تنبؤ مسبقة تقول إن الدفة تسير باتجاه.. النجاح.
سيئول ـــ البيان
