تحت هذا العنوان جاء اليوم الخليجي الأول لحماية المستهلك في الأول من مارس 2006، وفي نفس الحقبة أعلنت وزارة الاقتصاد أنها بصدد تبني قانون لحماية المستهلك. وفي تقديرنا ان الخطوة وبكل المعايير مباركة والجميع بانتظارها لا سيما وان دولة الإمارات العربية المتحدة قادت الطفرة التجارية والصناعية والخدمية الأمر الذي أهلها لتكون الأنموذج الذي يحتذى به في المنطقة العربية والشرق أوسطية، وبنظرة تاريخية نلاحظ ان أجهزة الدولة ومنذ زمن بعيد كانت قد تبنت حزمة من الوسائل التي توفر الحماية للمستهلك.

فقد درجت ادارة الرقابة والحماية التجارية بدائرة التنمية الاقتصادية على القيام بحملات تفتيش ومداهمة لكل الوسائل غير المشروعة المتبعة في التجارة والصناعة، وقد كشفت تلك الحملات مجموعة كبيرة من الأطعمة الفاسدة والمنتجات الاستهلاكية الضارة أو قطع الغيار أو نحوها من السلع والخدمات الأساسية المستعملة في حياة الإنسان.

ولعل واحدة من الأسباب التي تجعل من الضروري تبني مثل هذه التشريعات ان دولة الإمارات تأرجحت صعوداً وهبوطاً في قائمة الدول التي تنشط فيها أعمال القرصنة، ولعل السبب في ذلك كونها مركزا تجاريا ومقرا صناعيا مهما.

ولتيسير تناول هذا الموضوع، أود الإشارة إلى أن مفهوم حماية المستهلك يسعى في خاتمة المطاف إلى تحقيق القدر المطلوب من الحماية لكل فرد من الاستغلال، كما ان الغرض من حماية المستهلك هو مكافحة الغش لتأمين سلامة المعاملات عند شراء السلع أو الخدمات منعا لأي ضرر.

أي ان المستهلك يجب ان يجد كل المعينات لتحقيق رغبته في الحصول على الخدمة أو السلعة بحرية كاملة كأن يحصل على السلعة أو الخدمة الممتازة التي يستطيع دفع مقابلها أو تلك الأقل جودة وهو عالم بأنها بالفعل تكفي لحاجته وفي كل الأحوال يكون على علم ودراية بحالها، وتحقيقا لذلك، أوجد المهتمون بحماية المستهلك مجموعة من القوانين التي تكفل تحقيق هذا الغرض.

وما لم توجد تلك التشريعات التي تدعم بعضها البعض فإنه لا مجال للقول بتوفير حماية للمستهلك. وبشكل عام لخص الخبراء حقوق المستهلك في ثمانية حقوق هي: حق الأمان، حق المعرفة، حق الاختيار، حق الاستماع لآرائه، حق إشباع حاجاته الأساسية، حق التعويض، حق التثقيف بالإضافة إلى الحق في الحياة في بيئة سعيدة، وفي المقابل نجد ان تلك الحقوق تلقي على عاتق المستهلك واجب الانتباه والحذر والوعي والاحتياط عند شراء السلع الاستهلاكية، والسلوك الإيجابي المطلوب من المستهلك أو المتوقع من المستهلك الواعي يتمثل في:

التأكد من مصدر البضاعة، القيام بجولة في السوق قبل الشراء، طلب فاتورة الشراء، التأكد من صحة الإعلان والدعاية، التأكد من الضمان ومدته، فحص السلعة والتأكد من المواصفات الملائمة، التأكد من فترة الصلاحية، التعاون مع جهات الحماية والتبليغ الفوري عن المخالفات.

المفهوم الأول: شمولية مبدأ حماية المستهلك:

درجت كثير من دوائر الحماية على تبني مفاهيم عادية لحماية المستهلك. فجاءت بعض التشريعات إما قاصرة على حالات أو تصرفات معينة بوصفها حالات واضحة لغش المستهلك أو لأفعال أخرى يترك تقديرها للموظف المناط به توفير الحماية.

غير أن القواعد الصحيحة لحماية المستهلك يجب أن تنتظم كل التشريعات التي ترتبط بالحياة اليومية للمستهلك، وهو بصدد التعامل مع أي سلعة و/أو أي خدمة. والمقصود بذلك أن توجد تشريعات صريحة تجعل حماية المستهلك من خلال منظومة قانونية متكاملة.

ولعل هذه المرحلة المتطورة يمكن بلوغها عبر توسيع دائرة الحماية لتشمل المؤسسات التي يتعامل معها أصحاب المتاجر، والمصانع والشركات والأسماء والعلامات التجارية الذين يخاطبون بخدماتهم وبضائعهم المستهلك. ولكي يبرز المنتج للمستهلك فإنه يجد الوجود القانوني من خلال الدولة وأنظمتها سواء كانت مباشرة كإدارات الترخيص التجاري من جهات تسجيل الشركات والمؤسسات الفردية والجماعية أو الغير مباشرة كمكاتب تسجيل العلامات والبيانات التجارية التي بالضرورة هي من الأصول المملوكة للشركات أو المؤسسات أو الأفراد.

فالمستهلك البسيط أول مرحلة يتعامل معها هي المؤسسة أو الاسم التجاري أو الصناعي لأي شركة أو مؤسسة فردية أو عامة. فصاحب الاسم التجاري أو العلامة التجارية هدفه المستهلك. فكما من حق المستهلك أن يتعامل مع الجهة التي يقصدها، فمن حق الجهة الأخيرة أن يبلغها المستهلك.

فالاسم التجاري للشركة أو العلامة التجارية للتاجر أو المؤسسة، ليست مسألة وليدة الصدفة، وإنما هناك جهد فكري في اختيار أو ابتكار الاسم التجاري والصناعي، الأمر الذي يتطلب ليس فقط حماية المولود الفكري، وإنما تبصير المستهلك الذي يرغب في التعامل مع جهة بعينها بأنه بالفعل قد صح اختياره ولم يكن فريسة للتضليل.

ولعل منبع هذا التفكير ليس بحديث، إذ أن هذا النظام تم تبنيه منذ 20 مارس 1883م بموجب عهد دولي اشتهر باسم اتفاقية باريس لحماية الملكية الصناعية. هذه الاتفاقية في المادة الأولى منها نصت على ان تشمل حماية الملكية الصناعية براءات الاختراع ونماذج المنفعة والرسوم والنماذج الصناعية والعلامات الصناعية والتجارية وعلامات الخدمة والاسم التجاري وبيانات المصدر وتسميات المنشأ وكذلك قمع المنافسة غير المشروعة.

المفهوم الثاني: توحيد التشريعات وجهات التطبيق

وهذا المفهوم مرتبط بالمفهوم الأولي أو بالأصح نتيجة طبيعية لتوسيع مفهوم الحماية للمستهلك. فما ان وجدت التشريعات في المجالات والوحدات التي يجب ان يتم التنسيق فيما بينها. فالقوانين المنظمة لحقوق وحماية المستهلك وفي معظم التشريعات تتخذ الطابع الاتحادي وتنطبق على كل إمارات وولايات الدولة.

ففي كل الدول هناك سجل واحد ينظم تسجيل الشركات والمؤسسات الفردية. كما ان هناك سجلاً واحداً للعلامات التجارية. وحتى في الدول التي تسمح بنظام التسجيل الولائي للشركات أو المؤسسات الفردية أو شركات المناطق الحرة فإنها تتضمن نظام بحث فيدرالي بحيث لا تتطابق الأسماء التجارية مع أسماء الشركات و/أو العلامات التجارية.

وضمن تلك التشريعات التي تراعي حقوق المستهلك لا يجوز التطابق والتشابه في الأسماء التجارية و/أو العلامات التجارية التي تؤدي نفس الخدمة. فعلى سبيل المثال، لا تسمح معظم التشريعات المتطورة بتسجيل اسم تجاري لمجموعة مطاعم تحت الاسم «مطاعم مريديان» أو «مطاعم كنتاكي» إذ ان هذه الأسماء التجارية تنتهك حقوق علامات تجارية مشهورة ومعروفة عالمياً.

والسماح لمسجل الأسماء التجارية أو مسجل الشركات ولغير ملاكها بتسجيلها يؤدي وبالضرورة الى تضليل جمهور المستهلكين. ولمنع تلك التصرفات، وقبل الحصول على التسجيل فإن هناك عملية من التنسيق بين جهات التسجيل التجارية بحيث لا يسمح، عن قصد أو بدونه، بانتهاء حقوق أصحاب العلامات والأسماء التجارية.

ونرى ان تبنى هذا المعيار في دولة الإمارات العربية بات مسألة ضرورية بالذات في الدوائر الاقتصادية المختلفة التي تنظم كل إمارات الدولة.

المفهوم الثالث: التعريف بالتشريعات:

من المبادئ الأساسية لمفهوم حماية المستهلك وجود تشريعات تنظم وتحمي المستهلك.

ولا يعد ذلك كافياً ما لم يتم التثقيف والتعريف بتلك التشريعات ووسائل الحماية المتاحة للمستهلك. وفي تصوري ان وزارة الاقتصاد بات من الضروري أن تشجع الصحافة الاقتصادية. فالإعلام هو الوسيلة الفعالة للارتقاء بالفهم الاقتصادي وصولاً للوعي المطلوب. وما إن وجدت صحافة متخصصة إلا وكان المردود سريعاً وفعالاً. فالصحافة المقروءة والمرئية والمسموعة تتفاعل مع المجتمع وتحاصر ذوي النفوس الضعيفة.

فتطور المستهلك يعني بالضرورة زيادة الرقابة الشعبية الأمر الذي يقلل من فرص القرصنة التجارية ويجعل المستهلك يستفيد من البرامج التي تزيد من العجلة الاقتصادية علاوة على كونها مرآة للأحداث اليومية.

وفي تقديري أن وزارة الاقتصاد بمجرد تشجيعها للصحافة الاقتصادية المتخصصة سوف يتحول دورها وتلقائياً إلى الإشراف على التجارب وتطبيق القوانين التي ستتولى إصدارها السلطات التشريعية من فترة إلى أخرى.

المفهوم الرابع: الرقابة القضائية:

إن هناك عديدا من الدول اهتمت بالنظام القضائي وجعلته بمثابة صمام أمان لمسيرة الحياة اليومية. الأمر الذي أهلها لتكون بحق دولة قانون. فدولة الإمارات قطعت شوطاً بعيداً في هذا المضمار الأمر الذي يجعل من وجود العمق القانوني في التشريعات ضماناً أكبر للأفراد.

ولتفعيل أكبر للدور القضائي فإن إتاحة الفرصة للمضرور باللجوء للقضاء من الإجراءات التعسفية مطلوب لمناهضة تلك القرارات التي تصدر في إطار رفض الأسماء و/أو العلامات التجارية أو الحجز أو التفتيش الإداري مما سيجعل كفة الميزان عادلة أمام الجميع، كما يقلل الدور القضائي من فرص إساءة استعمال السلطة.

وكما أشرنا آنفاً، فإن وجود التخصص سيجعل من السوابق التي سترسيها الدوائر المتخصصة منارات للسلطة التنفيذية وهي بصدد اتخاذ التدابير المطلوبة. في ذات الإطار، ان الرقابة القضائية ستحرر المسائل المتداخلة المتعلقة بالمستهلك وتلك المتعلقة بأصحاب الحقوق. أي ان مفهوم حماية المستهلك قد تشوبه في بعض الأحيان بعض التداخل مع أصحاب الحق المطلوب حمايته فتوازن المحاكم المتخصصة بين حقوق المستهلك وصاحب الحق الصناعي أو التجاري.

المفهوم الرابع: السلاسة في الإجراءات:

إن التجربة قد كشفت أن الإجراءات في أجهزة الدولة، وبحمد الله، تسودها السرعة والدقة. غير انني لاحظت ان التدابير الوقائية والرسوم المتعلقة بها تكاد تكون مجافية للفكرة الأساسية لحماية المستهلك. فرسوم تسجيل العلامات التجارية وما تتطلبها من توثيقات في الداخل والخارج يجوز أن توصف بالمبالغ فيها. ففي معظم الدول، نجد ان الرسوم المفروضة على تسجيل العلامات التجارية زهيدة ومعقولة.

ففرض رسوم إضافية مثل توثيق المستندات والرسوم الكبيرة لمتابعة الطلبات قد تجعل أصحاب الحقوق يحجمون عن طلب الحماية لعلاماتهم بالدولة الأمر الذي يفتح الباب أمام ضعاف النفوس من إيداعها أو إيداع أسماء مشابهة لها من ثم الدخول في مساومات مع أصحاب العلامات الحقيقيين.

وربما كان هذا أحد الأسباب التي جعلت الدولة في مصاف الدول التي تكثر فيها القرصنة التجارية، على الرغم من الرقابة واهتمام المسؤولين بمعالجة هذا الأمر. ومما لا شك فيه أن فرض رسوم معقولة بالنسبة لدولة جاذبة للاستثمارات، كالإمارات العربية المتحدة، سيعود بدخل مالي أكبر مقارنة مع الرسوم التي تتحصل عليها الدولة من رسوم التسجيل الباهظة.

محام ومستشار قانوني