أصبحت إيماءات التصنيفات الائتمانية ورؤاها كلها مخاطر، المصارف تحقق ربحية عالية فهي في مخاطر، الأسهم تنخفض فهي في مخاطر، لاستيفاء متطلبات ملاءة رأس المال في البنوك وذلك طبقا لاتفاقية بازل 2 فهي في مخاطر، ترتفع أسعار النفط وتنخفض مخاطر.

ولكي تتمكن المؤسسات المالية من تسويق الصكوك والسندات فلا بد من الحصول على التصنيف الائتماني من إحدى وكالات التصنيف العالمية حتى لا تقع في مخاطر، ولا ندري لماذا لا يطلق على وكالات التصنيف الائتماني بوكالات بث المخاطر.

طالعنا تقرير مؤسسة موديز للائتمان الأخير الذي صدر في 17/5 بشأن الوضع المصرفي في دول الخليج العربي وحددت فيه ثلاثة مخاطر تهدد النظام المصرفي فيها، وهي هبوط الأسهم ونمو الائتمان والتوسع في القروض العقارية، وأضافت الوكالة أن طفرة النشاط الاقتصادي والمصرفي أدت أيضا إلى تراكم مخاطر جديدة ذات طابع نسقي إلى حد كبير.

وشكك بعض المحللين والمراقبين في صدق نوايا مثل هذه التقارير، وأدرجوها ضمن محاولات تشويشية لخلق أجواء معاكسة تدفع السيولة للخروج من المنطقة، بعد أن أدركت أن أسعار النفط سوف تبقى مرتفعة لفترة من الزمن، وأن على مصدري النفط في دول المنطقة أن يدفعوا جزءا من ثمن هذا الارتفاع من خلال إعادة استثمار أموالهم في الدول الصناعية..

وما هي إلا استكمال لتحذيرات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي التي تهدف في النهاية إلى إخراج السيولة من المنطقة وشل اقتصادات دول الخليج العربي. ولسنا هنا في معرض مناقشته حول مدعياته تلك، إلا أن مؤسسة النقد العربي السعودي هدأت من مخاوف المستثمرين مما ساهم في عودة أسهم قطاع البنوك للارتفاع نهاية الأسبوع.

كما أن كافة المؤشرات المالية للبنوك السعودية التي أعلنت نتائجها في الفصل الأول من العام الجاري 2006 تؤكد تحسن الربحية والعمليات. وقد وصف عدد من المسؤولين في المصارف البحرينية تقرير موديز بأنه (مجرد تكهنات)، ولا يستند إلى أية حقائق، فالاقتصادات المعنية تتوفر لديها إمكانات تمويلية جاذبة للاستثمارات، ولديها فرص استثمارية عديدة بفضل توفر الموارد الاقتصادية والطبيعية في بلدانها.

ويبدو واضحا أن تلتقي الفوائض النقدية مع القاعدة العريضة الجاذبة للاستثمار المتمخضة عن نتائج ايجابية ممكنة، وهذا ما أكدته التجارب الحديثة التي تجذّرت واستقرت في ثنايا السياسات الاقتصادية المنتهجة، وعليه لا يمكن الاستنتاج المنطقي بان اقتصادات دول التعاون غير قادرة على المضي في مهامها الاستثمارية كون الأسهم قد هبطت أو أن المصارف توسعت في منحها القروض العقارية.

إن معالجة الاختلالات المالية ضروري جدا لوضع عمليات اتخاذ القرارات الاستثمارية والإنتاجية والاستهلاكية لكل أطراف العمل الاقتصادي ضمن مناخ وظروف مستقرة نسبياً تسمح لتسهيل تدفق الاستثمارات الجديدة المتوقعة، وكان لبنوك دول التعاون دور ايجابي في تعزيز أداء الأسواق المالية ورفع مستوى كفاءتها وسيولتها من حيث إن غالبية البنوك الوطنية لدولها مدرجة أسهمها في الأسواق، وإن عدد من هذه البنوك أسس صناديق استثمارية جذبت أعداداً كبيرة من المستثمرين الذين يرغبون بالاستثمار في الأسواق المالية من خلالها ليتجنبوا المخاطر الاستثمارية.

وهذا لا ينفي أن هناك بعض البنوك قد ساهمت بشكل سلبي في منح التسهيلات بدون خطة إستراتيجية، فبعضها منحت قروضا للمستثمرين بدون أية دراسة أو معرفة وإلمام وتصور لما قد يحصل في الأسواق، إذ كشف محافظ البنك المركزي الإماراتي في ندوة الخدمات المصرفية وسوق رأس المال التي نظمتها غرفة صناعة وتجارة أبو ظبي والبنك المركزي في الأسبوع الماضي (أن حجم القروض التي قدمتها المصارف الإماراتية للمضاربين بالأسهم بلغ نحو 48 مليار درهم، ما يشكل 11% من إجمالي قروضها البالغ نحو 400 بليون درهم).

كما أكد أن اقتصاد الإمارات نما خلال عامي 2004 و2005 بنسبة 18% ولفت إلى أن أصول المصارف نمت بنسبة 16% لتسجل 740 بليون درهم حتى نهاية مارس الماضي، وأن نسبة الودائع نمت بنسبة 2,8 % لتسجل 443 بليون درهم. وهذا الحال بتقديري لا يختلف كثيرا عن بقية بنوك دول التعاون الأخرى.

بالتأكيد التصنيف الائتماني يعد من العناصر الأساسية، بل هو احد المقاييس الإرشادية العديدة التي يستخدمها المستثمرون لتحديد المخاطر النسبية لمختلف الإصدارات من السندات، ومن ثم العائد الذي يطلبونه. وكما هو الحال بالنسبة للأدوات المالية الأخرى كلما زادت المخاطر زادت المكافأة المتوقعة وبالنسبة للسندات كلما زادت المخاطر ارتفعت معدلات الفائدة، ولا يعتبر التصنيف ضمانا بأي حال من الأحوال.

لقد أصبحت عمليات التصنيف المستقلة تنطوي على أهمية كبيرة وتأثير بالغ وخاصة في ظل النمو المطرد في أسواق المال في العالم والتكامل الذي تشهده هذه الأسواق، إلا أن تستغل وكالة موديز مكانتها وسمعتها وبستطها لإطلاق فقاعات ساخنة الغرض منها إبعاد المستثمرين عن الهدف الحقيقي، وتناست بأن الذي حدث هو تصحيح سعري سببه الارتفاع الكبير في أسعار الأسهم لعام 2005 وكذلك الإصدارات داخل وخارج الدولة والتي كان لها دور كبير في سحب السيولة.

كما أن الدورة التي تمر بها أسواق دول التعاون المالية تمهد لانطلاقة نمو أخرى خاصة بعد تدخل الحكومات الايجابية، والتي تمثل في العديد من الإجراءات من بينها الضوابط الخاصة بشراء الشركات لأسهمها وزيادة رؤوس الأموال وإعداد جدولة للإصدارات الأولية وتكثيف الرقابة على الأسواق بالتعاون مع إدارات الأسواق والوسطاء.

وإذاً فهي في النهاية ابتعدت موديز عن هدفها الرئيس الذي أنشئت من أجله، فوكالة موديز Moodys لصاحبها جون مودي أول من اصدر مؤشرات جدارة ائتمانية في نيويورك عام 1909، وبحلول عام 1929 كانت موديز تقوم بتصنيف حوالي خمسين حكومة مركزية تصدر سندات دولية، وقد توقف سوق السندات العالمية حتى فترة السبعينات حيث عاد السوق للنشاط ولكن ببطء شديد.

باحث اقتصادي

Kutaiba@emirates.net.ae