تتلبد أجواء آفاق الدولار بالغيوم التي تتكالب عليه لتجعل إمكانية التوقع مسألة محفوفة بالمخاطر، ويواجه في هذا المعترك قوتين تدفعان توقعات الفائدة إلى مسارين متضاربين، أولهما: تتمثل في ظهور بوادر تدل على تباطؤ وتيرة نمو الاقتصاد الأميركي، وهو ما يغذي توقعات بأن يقوم بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي بوقف دورة رفع الفائدة، وثانيهما : تتمثل في صدور تقارير تفيد بتصاعد الضغوط التضخمية وتجاوزها الرقم المستهدف، وهو ما يشجع على التكهن بتواصل الزيادات في معدل الفائدة.

وتتسع دائرة الضغوط التي تثقل على الدولار في اتجاه التراجع، لتشمل تزايد التوقعات بقيام كل من البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان برفع أسعار الفائدة وهو الأمر الذي يقلل من جاذبية الأصول المقومة بعملة الدولار، وفي التوقيت ذاته، يمثل اقتراب موعد انعقاد اجتماع وزراء مالية دول مجموعة الثماني عاملا ضاغطا على سعر صرف العملة الأميركية، بالنظر إلى تناول مثل هذه الاجتماعات موضوع الاختلالات العالمية، وما يتفرع عنها من مطالبات للدول الآسيوية برفع قيمة عملاتها.

وقد تراجعت العملة الأميركية بنسبة 1.4 % خلال الأسبوع المنتهي في 2 يونيو ليصل سعرها إلى 1.2918 دولار لليورو، كما هبطت خلال الفترة ذاتها في مواجهة الين بنسبة 0.8 % ليصل سعرها إلى 111.71 ينا، وهبط الدولار في مواجهة اليورو في 30 مايو بنسبة 0.9 % وهو أكبر انخفاض في ستة أسابيع، ومنذ 21 إبريل الماضي، هبط الدولار بنسبة 3.7 % في مواجهة اليورو و3.3 % في مواجهة الين، وفقد العملة الأميركية حوالي ربع قيمتها منذ تولي بوش السلطة في يناير 2001، وذلك على الرغم من تأكيد الإدارة الأميركية بأنها تفضل الدولار القوي.

وشكل هذا التراجع نهاية للصعود الذي شهده سعر صرف الدولار، إثر كشف تقرير لجنة السوق المفتوحة عن أن بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي ربما يقوم برفع الفائدة خلال هذا الشهر، وورد في التقرير تنويه إلى صعود مخاطر التضخم لدرجة معينة منذ اجتماعها في 10 مايو الماضي.

وأظهرت تداولات عقود الفائدة الآجلة أن التجار يقدرون أن هناك فرصة نسبتها 48 % لأن يقوم بنك الاتحاد الفيدرالي برفع الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية إلى 5.25 % في شهر يونيو الجاري . مقابل 68 % قبل صدور تقرير وزارة العمل الأميركية.

كما تبين أسعار عقود الفائدة الآجلة في 2 يونيو ان التجار يسعرون بناء على توقع وجود فرصة نسبتها 76 % لأن يقوم بنك الاحتياط الفيدرالي برفع الفائدة إلى 5.25 % خلال اجتماعه المقرر في 28 يونيو، في حين بلغت هذه النسبة 58 % في 31 مايو الماضي.

علامات التباطؤ

وجاء تراجع الدولار نتيجة لظهور علامات تدل على تباطؤ وتيرة نمو الاقتصاد الأميركي، الأمر الذي أدى إلى تغذية توقعات بأن يقوم بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي برفع أسعار الفائدة في وقت لاحق من الشهر الجاري، وعليه تراجعت مراهنات التجار على قيام بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي برفع تكاليف الاقتراض بمقدار ربع نقطة مئوية للمرة السابعة عشرة على التوالي.

وتجلت علامات تباطؤ الاقتصاد الأميركي في تقرير التوظيف لوزارة العمل الأميركية الذي أظهر أن الاقتصاد وفر حجما من الوظائف الجديدة يعتبر الأدنى منذ شهر أكتوبر الماضي، بتوفيره 75 ألف وظيفة في شهر مايو الماضي، وهو ما يقل عن توقعات الاقتصاديين، إذ أنه قبل صدور التقرير، توقع استطلاع للرأي أجرته مؤسسة بلومبيرج للأنباء وشمل 80 اقتصاديا أن يوفر الاقتصاد 170 ألف وظيفة وأن تتراجع البطالة من معدلها الحالي البالغ 4.7 % لتبلغ 4.6 %.

وساهم التقرير المذكور على حد تقدير جيفيري يونج رئيس بحوث العملات في مؤسسة »سيتي بنك« ومقرها نيويورك في خلق انطباع لدى المتعاملين في السوق بأن بنك الاحتياط الفيدرالي ربما لن يمضي قدما في رفع أسعار الفائدة بالمعدلات التي يتوقعها السوق، وهو الأمر الذي أثر سلبا على الدولار.

فضلا عن أنه أثار التساؤلات حول مقدار النمو الذي يمكن أن يحققه الاقتصاد الأميركي في المستقبل، مما أثقل على العملة الأميركية في اتجاه التراجع.

كما تجلت علامات تراجع نمو الاقتصاد الأميركي في التقرير الخاص بالنمو الصناعي في 1 يونيو، حيث بين التقرير أن طلبات المصانع الأميركية هبطت بنسبة 1.8 % خلال شهر إبريل كما صار المصنعون في شهر مايو يدفعون أكثر مقابل مشترياتهم، وذلك للشهر الثالث على التوالي وهو ما يضيف إلى زيادات أكبر في معدلات الفائدة لكبح الضغوط التضخمية.

كذلك أعلنت مؤسسة »سابلاي مانيجمينت« في 21 يونيو أن مؤشرها الخاص بالنشاط التصنيعي قد هبط إلى 54.4 % في شهر مايو من 57.4 % في الشهر السابق عليه، وهو أدنى مستوى له خلال ثمانية أشهر، كما قفز المؤشر الخاص بالأسعار التي يدفعها المصنعون قفز إلى 77 نقطة في شهر مايو من 71.5 نقطة في شهر ابريل مع ارتفاع أسعار النحاس والحديد والسلع الأخرى.

وقد توقعت وكالة بلومبيرج ان يقفز المؤشر إلى 74.6 نقطة، وقال نوربيرت رئيس المؤسسة ان تباطؤ النمو في قطاع التصنيع يتضح في فقدان قدر من الزخم خلال الأشهر الأربعة الأخيرة مع تراجع في مؤشر الطلبات الجديدة من 61.9 % في شهر فبراير إلى 53.7 % خلال شهر مايو.

وفي هذا السياق، بدأت أسعار الفائدة في تبريد سخونة قطاع العقارات، حيث تراجعت طلبات الرهن العقاري في شهر إبريل إلى ادنى مستوى لها في أربع سنوات، ووفقا لجمعية الرهن العقاري والتي تتابع مشتروات المنازل وإعادة التمويل، فإن مبيعات التجزئة ارتفعت بأقل مما كان متوقعا.

وفي نفس التوقيت، أعلنت جامعة ميتشيجان أن مؤشر ثقة المستهلك قد هبط بشدة في شهر مايو إلى 79.1 نقطة من 87.4 نقطة في شهر إبريل، ويعد هذا الهبوط هو الأدنى على مدار عقد كامل باستثناء الأشهر القليلة السابقة على نشوب الحرب ضد العراق.

وفي الإطار ذاته، توقع استطلاع للرأي أجرته مؤسسة بلومبيرج يبلغ معدل النمو الاقتصادي على أساس سنوي خلال الربع الثاني 3.5 % بالمقارنة مع معدل نمو في الربع الاول5.3 %، أي بانخفاض يبلغ حوالي النصف تقريبا، وقد عدلت مؤسسة »ماكرو إيكونوميك آدفيسورز« توقعات النمو لهذا الربع من العام إلى 2.4 %، وهو اقل بمقدار النصف عن معدل النمو خلال الربع الأول الذي بلغ 5.3 %.

وقد أفضت هذه العلامات على حد قول مكال شارما محلل عملات في بنك أوف أميركا بلندن إلى تغذية توقعات تتعلق أساسا باتجاه معدل النمو إلى التراجع خلال النصف الثاني من العام الجاري وهو الأمر الذي سيدفع سعر صرف الدولار نحو التراجع، وعليه، قدر شارما بأن الدولار قد يتراجع إلى 1.33 دولار لليورو 105 ينات خلال الأشهر الستة المقبلة.

وقال مايك موران محلل العملات في بنك ستاندرد آند تشارترد أن المخاطر التي تحف النمو تعقد الصورة الفورية لبنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي، ولهذا نحن نرى الآن أن الدولار صار أكثر ضعفا من الآن، واعتبر آلام كاباني محلل العملات في مؤسسة »واكوفيا كورب« هذه الأرقام بأنها سيئة بالنسبة للاقتصاد الأميركي، حيث أنه صار لدينا تضخم عال وتباطؤ في النمو، وهو ما سيجعل الناس يمتنعون عن وضع أموالهم في الأصول المقومة بالدولار.

صعود القوي التضخمية

وفي الوقت ذاته، وعلى الوجه الآخر النقيض، تلوح أيضا علامات تدل على صعود الضغوط التضخمية، وهي أحدى أبرز القضايا إلى جانب البيانات الخاصة بالإنتاجية والتكاليف والتي تكون موضع اهتمام صانعي السياسة النقدية في بلورتهم للخيارات السياسية التي سوف يتبنونها عندما يلتقون في وقت لاحق من الشهر الجاري.

وظهر قلق صانعي السياسة النقدية من صعود مخاطر التضخم في التقرير الذي نشر في 31 مايو الماضي والذي يحوي ما دار من مناقشات خلال اجتماع في 10 مايو، وورد في التقرير ان المسؤولين في بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي قد عبروا في الاجتماع المذكور عن قلقهم من صعود الضغوط التضخمية، وكان أحد مصادر قلقهم هو نمو الاقتصاد بقوة شديدة والارتفاع الحاد في مستويات توظيف الموارد، حيث بدا غير واضح بالنسبة لهم ما إذا كان النمو الاقتصادي ستهدأ وتيرة نموه.

فمن جانب، تثور توقعات بأن يبلغ متوسط معدل التضخم 2.68 %، وتظهر بيانات الإنتاج قوة معدلات استخدام المنشآت في مصانع الدولة ومناجمها و ومرافقها، حيث قفز الاستخدام إلى 81.9 %، وهو المستوى الأعلى منذ يوليو 2000، كما ذكرت وزارة التجارة في 26 مايو بأن إنفاق الاستهلاك الشخصي قد قفز في شهر إبريل بنسبة 0.1 % وذلك للشهر التالي على التوالي.

وعليه تبرز توقعات بأن بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي سوف يقوم برفع سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية خلال الاجتماع المقرر في 28 يونيو لتبلغ 5.25 %، فيما يعد الرفع السابع عشر للفائدة منذ يونيو 2004.

ويضيف اجتماع وزراء مالية دول مجموعة الثماني في 9 يونيو الجاري ثقلا آخر على الدولار ليدفعه نحو التراجع، حيث تبرز توقعات بأن ينخفض سعر صرف الدولار نتيجة لهذا الاجتماع، بسبب تناوله لموضوع الاختلالات العالمية، وعبر عن ذلك توري إموتو المحلل في مؤسسة »باركليز كابيتال« بقوله ان الأسواق تتطلع إلى محادثات مجموعة الثماني وأنه طالما تعلق الأمر بالاختلالات العالمية، فإن هذا سيعني المزيد من الضعف للدولار، حيث تبرز المطالب الخاصة برفع قيمة العملات الآسيوية خاصة اليوان الصيني للتخفيف من هذه الاختلالات.

ويجدر التنويه إلى أن الدولار تعرض للانخفاض خلال الاجتماع السابق لوزراء مالية المجموعة في 21 ابريل، وقد دعا ساداكازي تانيجاكي وزير المالية الياباني إلى الا يكون علاج الاختلالات العالمية عن طريق معدلات الصرف فقط، كما أعلن البنك المركزي الأوروبي إن الاختلالات العالمية الحادة كمشكلة ميزان الحساب الجاري الأميركي يمكن أن يمارس ضغوطا في اتجاه الهبوط بالنسبة للعملة الأميركية.

وقد قفز العجز في ميزان الحساب الجاري الأميركي إلى 800 مليار دولار في العام الماضي ،وقفز عجز الميزان التجاري إلى مستوى قياسي في العام الماضي ليبلغ 726 مليار دولار. وقفز العجز التجاري الأميركي مع الصين إلى 201.6 مليار دولار، ويلقي الأميركيون اللوم على الصين لزيادة العجز في الميزان التجاري، نتيجة لتقويم اليوان بأقل من قيمته.

وفي ظل هذه الصورة الزاخرة بالتعقيدات والتناقضات بالنسبة للدولار، يرى بعض المحللين أن بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي يحاول البحث عن مخرج لوقف الزيادات المتتالية في أسعار الفائدة، ولكن البيانات الاقتصادية لا تقدم لهم المبرر للقيام بهذه الخطوة، إذ أن تجاوز التضخم المعدل المستهدف، يجعل رفع الفائدة أمرا محتملا، ولكن بوادر التباطؤ تدفع إلى مسار آخر.

وتثور توقعات بأن وزير الخزانة المعين هنري بولسون قد لا يحاول وقف تراجع العملة الأميركية وقد حل بولسون الرئيس التنفيذي لمؤسسة جولدمان ساكس محل جون سنو والذي تولى مسؤولية الوزارة في فبراير 2003.

وأعرب ميج براون محلل عملات في شركة »براون برازرز هاريمان« عن اعتقاده بأن تعيين بولسون لن يغير من الأمر شيئا فهو ليس لديه توجهات مختلفة بشكل جذري عن التوجهات الحالية للإدارة.

وهكذا ومع اقتراب موعد اجتماع لجنة السوق المفتوحة، تتبلد الرؤيا ـ من وجهة نظر البعض ـ بشأن الخيارات التي يمكن لمسؤولي السياسة النقدية تبنيها والقرارات التي يمكن لهم أن يتخذوها.

متابعة - مجدي عبيد: