رسم صندوق النقد الدولي صورة متفائلة لمستقبل الاقتصاد الإماراتي مؤكداً على أن الدولة مقبلة على مرحلة انتعاش كبيرة ستمتد لسنوات قادمة كاشفا عن أن أحدث التقديرات تشير إلى أن الإمارات ستحقق نموا حقيقيا في اقتصادها مقداره 10.5% خلال عام 2006.

وذلك استنادا إلى احدث البيانات التي رصدها الصندوق من نتائج آخر زيارة قامت بها بعثة الصندوق للدولة منذ فترة وجيزة وذلك مقابل نمو اقتصادي حقيقي حققته الدولة بلغ 8.5% عام 2005 و9.7% عام 2004 و12% عام 2003.

وجاءت هذه التوقعات التي أعلن عنها أمس في مؤتمر صحافي عقده محسن خان مدير دائرة الشرق الأوسط واسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي في مقر المصرف المركزي بأبوظبي بمناسبة الإعلان عن تقرير أفاق الاقتصاد الإقليمي في الشرق الأوسط واسيا الوسطى الصادر عن الصندوق جاءت هذه التوقعات أكثر تفاؤلا من توقعات سابقة لصندوق النقد الدولي ولمؤسسات عربية أخرى أشارت إلى أن اقتصاد الإمارات سيحقق نموا حقيقيا لعام 2006 في حدود 6.5% فقط.

لكن المسؤول بصندوق النقد الدولي رغم هذه التوقعات المتفائلة أعرب عن قلق الصندوق لارتفاع مستوى التضخم حيث من المتوقع ان يرتفع الرقم القياسي لأسعار المستهلك لعام 2006 بنسبة 8% مقابل نسبة ارتفاع مماثلة خلال عام 2005 وقال إن هذا الارتفاع يقلق الصندوق وانه على الجهات الحكومية المختصة في الدولة ان تكون متيقظة من هذا الارتفاع الكبير في معدل التضخم.

وكشف محسن خان عن ان الصندوق ابلغ الجهات المختصة بالدولة بهذا القلق مؤكداً على أن مؤشر الرقم القياسي لأسعار المستهلك الذي يتم الاعتماد عليه لقياس معدل التضخم في الإمارات غير دقيق ولا يعطي صورة حقيقية لمعدل التضخم لذلك فان صندوق النقد الدولي اوصى بإعادة النظر في مكونات الرقم القياسي لأسعار المستهلك حتى يكون أكثر تعبيرا عن الواقع الفعلي وعرض الصندوق تقديم المساعدة للحكومة في هذا المجال لتطوير نظام احتساب معدل التضخم بالدولة.

وقال خان ان كل المؤشرات تؤكد أن الاقتصاد الإماراتي يمر بحالة انتعاش كبيرة يتوقع أن تستمر لسنوات قادمة مشيرا إلى أن التوقعات السابقة بان تحقق الإمارات نموا اقتصاديا حقيقيا يتراوح بين 6 و7% تقل عما يجب في ظل المؤشرات الحالية التي تظهر انتعاشا كبيرا في الاقتصاد الإماراتي.

مشيرا إلى أنه على سبيل المثال فان قطاع النفط فقط يتوقع ان يحقق نموا في إنتاجه خلال عام 2006 تصل إلى 11% مقارنة بعام 2005 مرجعا ذلك إلى أن هناك العديد من المشاريع التوسعية والجديدة النفطية الهامة استكملت وستبدأ الإنتاج الفعلي.

وأعرب عن ارتياحه للانتعاش الكبير في القطاع المصرفي الإماراتي الا انه أشار إلى الارتفاع الكبير والتوسع الهائل في الائتمان المصرفي الممنوح في الدولة والذي نما خلال عام 2005 بما نسبته 45% مقارنة بعام 2004 ومن المتوقع ان يستمر في الارتفاع خلال عام 2006 موضحا انه تم إبلاغ المصرف المركزي بالانتباه لهذا التوسع الكبير للغاية..

وأكد ان التوقعات المتفائلة بتحقيق نمو اقتصادي كبير في دولة الإمارات في عام 2006 تم وضعها رغم الحركات التصحيحية الكبيرة التي حدثت في أسواق الأسهم المحلية خلال الشهور الستة أو التسعة الأخيرة مؤكداً على أن صندوق النقد الدولي ليس لديه أية مخاوف من حدوث تأثيرات سلبية لهذه الحركات التصحيحية على الاقتصاد الوطني بشكل عام الذي يشهد طفرة غير مسبوقة.

لا وجه للمقارنة

وقال خان إنه لا يوجد أي وجه للمقارنة بين ما حدث في أسواق الأسهم في دولة الإمارات في الشهور الأخيرة وما حدث في أسواق واقتصادات دول جنوب شرق أسيا عام 1998 والتي واجهت انهيارات وأزمات كبيرة مشيرا إلى أن الفارق الجوهري يكمن في ان النسبة الرئيسية من الاستثمارات في أسواق الأسهم والسوق العقارية في دولة الإمارات مصادرها محلية من الدولة وليس من مصادر خارج الدولة عكس ما حدث في أسواق جنوب شرق أسيا عام 1998.

لذلك فلا توجد مخاوف من سحب السيولة بشكل ضار عند حدوث أزمات لذلك فمن غير المتوقع حدوث أزمات اقتصادية في ظل المؤشرات التي تظهر ان دولة الإمارات أطلقت وستطلق العديد من المبادرات والمشروعات العملاقة والهامة في العديد من المجالات الاقتصادية التي ستحدث نقلة نوعية في اقتصاد الإمارات على المديين المتوسط والبعيد.

أزمة الموانئ الأميركية

وأكد المسؤول الدولي من ناحية ثانية ان الأزمة التي حدثت في الولايات المتحدة الأميركية بشأن صفقة موانئ دبي لشراء الشركة التي تدير الموانئ البحرية الأميركية كانت أسبابها سياسية بدرجة كبيرة وانها ستؤثر سلبا خلال المرحلة المقبلة على تدفق الاستثمارات من المنطقة إلى الولايات المتحدة الأميركية وليس إلى أوروبا.

وحول انطباعاته حول عودة حجم كبير من الأموال العربية المهاجرة من الخارج إلى المنطقة وتأثيرات ذلك على الاقتصادات الأوروبية والأميركية قال خان ان الملاحظ ان الاستثمارات المتجهة مباشرة من المنطقة العربية إلى الولايات المتحدة الأميركية قلت بصورة كبيرة عن الماضي وان كان بعض هذه الاستثمارات يتجه بشكل غير مباشر إلى الولايات المتحدة الأميركية.

فعلى سبيل المثال هناك استثمارات تتجه من أبوظبي إلى بنك لبناني مثلا وهذا البنك يوجه استثماراته إلى مؤسسات مالية واستثمارية في المملكة المتحدة وهذه المؤسسات من جانبها توجه استثماراتها إلى الولايات المتحدة الأميركية وبالتالي فان قسما من هذه الاستثمارات التي تتجه إلى المنطقة العربية ظاهريا تصل إلى الولايات المتحدة الأميركية بشكل مباشر.

وأضاف انه من الواضح ان هناك حجما كبيرا من استثمارات الدول العربية والشرق الأوسط واسيا تستثمر داخل المنطقة وتمثل ذلك في استثمارات إماراتية وخليجية عملاقة أعلن عنها خلال الفترة الماضية تتوجه إلى الإمارات والسعودية وباكستان وغيرها من دول المنطقة التي تشهد انتعاشا واستقرار وأمنا.

وأشار إلى أن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بوجه عام لديها احتياطيات كبيرة تجعلها قادرة على مواجهة أية تطورات أو أزمات لسنوات طويلة قادمة.

وحول رؤية صندوق النقد الدولي فيما يتعلق بارتباط العملات الخليجية بالدولار أو التحول إلى سلة عملات قال مدير دائرة الشرق الأوسط واسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي انه من السابق لأوانه الحديث في هذا الموضوع ومن الأفضل الحديث عنه في عام 2010 العام المحدد لإطلاق العملة الخليجية الموحدة.

مشيرا إلى أنه في هذه المرحلة سيكون أمام دول مجلس التعاون عدة خيارات إما ربط العملة الموحدة بالدولار أو ربطها باليورو أو ربطها بسلة عملات أو تعويمها وكل هذه الخيارات لازالت مطروحة وسيتم الاتفاق على احداها بعد قيام الاتحاد النقدي.

وقال إن دول مجلس التعاون طلبت من صندوق النقد الدولي ومن البنك المركزي الأوروبي وجهات دولية أخرى تقديم المشورة حول سبل الوصول بأمان إلى إطلاق العملة الخليجية الموحدة وحول الأسلوب الأمثل لربط العملة الموحدة أو عدم ربطها ولم يعط الصندوق توصياته بهذا الشأن حتى الآن لأن هناك مزيدا من الوقت للدراسة المتأنية.

وأوضح أن إقدام الكويت على رفع سعر الفائدة على الدينار الكويتي 1% رغم ارتباطه ضمن عملات دول مجلس التعاون بالدولار أمر طبيعي ولا يتعارض مع هذا الربط مشيرا إلى أنه عندما صدر قرار المجلس الأعلى للتعاون قبل عام 2002 لربط جميع عملات دول مجلس التعاون بالدولار اختارت الكويت أن يكون الربط بالدولار مع هامش تقلب 1% بحد أقصى ارتفاعا أو انخفاضا وقد استعملت الكويت هذا الخيار المستحق لها مؤخرا.

آفاق الاقتصاد الإقليمي

وقد اصدر صندوق النقد الدولي عدد مايو 2006 من »تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي في الشرق الأوسط واسيا الوسطي« وقام مدير إدارة الشرق الأوسط واسيا الوسطى في الصندوق بتسليط ا لضوء على أهم النتائج التي اشتمل عليها هذا التقرير.

مشيراً إلى أن أسعار النفط المرتفعة والمناخ الاقتصادي المواتي على الصعيد العالمي يعدان بمثابة الركيزة التي استندت إليها قوة الأداء الاقتصادي الكلي في منطقة الشرق الأوسط واسيا الوسطى خلال عام 2005 فقد تجاوز متوسط النمو الإقليمي 6%، على الرغم من التوترات الجغرافية السياسية (الجيوبولتيكية) الحالية. وفاقت معدلات النمو في المنطقة النمو العالمي، الذي ظل محتفظا بقوته، حيث سجلت معدلات التضخم وأسعار الفائدة مستويات منخفضة قياسية.

فقد أمكن التعامل مع الضغوط التضخمية في المنطقة بالرغم من السياسات النقدية المتجاوبة بوجه عام التي شجعت النمو الائتماني السريع. وقد تحسنت موازين المالية العامة والموازين الخارجية في معظم البلدان، كما ارتفعت الاحتياطيات الرسمية ارتفاعا حادا، في اعقاب سداد قدر هائل من الديون الخارجية.

وذكر أن صانعي السياسات في المنطقة يتصرفون حتى الآن وكان ارتفاع أسعار النفط في معظمه أمر مؤقت فتواصل معظم البلدان المصدرة للنفط سياساتها المتوخية للحذر في إعداد ميزانياتها، مفترضة على ما يبدو هبوط أسعار النفط لاحقا، وتدخر هذه البلدان، في المتوسط، ثلثي الزيادة التي حققتها في الإيرادات النفطية منذ 2002، وتنعكس زيادة مخدراتها تدريجيا في اتساع فجوة الاختلالات العالمية.

فقد أسهمت تدفقات رؤوس الأموال الوافدة من البلدان المنتجة للنفط في مساعدة بعض البلدان المستوردة على تمويل فواتير وارداتها المرتفعة وتأجيل إجراء التصحيحات اللازمة.

وأضاف ان البلدان المنتجة والمستهلكة للنفط أسهمت على السواء في الحد من تمرير زيادة تكاليف الوقود العالمية إلى الأسعار المحلية. فقد بلغ متوسط التمرير في المنطقة 50% فقط من هذه الزيادة منذ عام 2002، في البلدان المصدرة للنفط لا تصل هذه النسبة إلى 20%. وبالرغم من إسهام هذا الأمر في احتواء التضخم والحد من الآثار السلبية على الأنشطة غير النفطية، فقد كانت التكاليف باهظة على المالية العامة في بعض البلدان المستوردة للنفط.

وكانت أسعار النفط المرتفعة قد أعطت قوة للسيولة الإقليمية، متسببة في زيادة الطفرات في أسواق الأسهم والأسواق العقارية المحلية. ومن أسباب حدوث هذه الطفرات في أسواق الأسهم تحسن الأساسيات الاقتصادية وتطبيق برامج حيوية في مجال الخصخصة في بعض البلدان. غير ان كثيرا من أسواق الأسهم في المنطقة ا صبحت على ما يبدو تبالغ في تقدير قيمتها، وقد تم رصد تحولات في الاتجاه منذ أواخر 2005.

تعديل السياسات

وأشار إلى أن الآفاق تبدو مواتية بالنسبة للمنطقة في عام 2006، وان كان سيتعين على الحكومات تعديل سياستها لكي تتواءم على نحو أفضل مع عالم تسود فيه أسعار النفط المرتفعة وتتصدى للمخاطر الناشئة، حيث يتعين على البلدان المنتجة للنفط اغتنام الفرصة المواتية لزيادة استثماراتها في مشروعات البنية التحتية وفي رأس المال البشري.

وسوف تؤدي هذه الزيادة في الإنفاق إلى رفع معدلات النمو، وخفض معدلات البطالة والفقر، والإسهام في الحد من الاختلالات العالمية، ويتعين على البلدان المنتجة والمستهلكة على حد السواء خفض الدعم المقدم لأسعار النفط وتوفير آليات تعويض كافية للفقراء، الأمر الذي سينطوي على تشديد أوضاع المالية العامة بشكل كبير في بعض البلدان المستهلكة.

أبوظبي ــ عبد الفتاح منتصر: