تزايد خلال الفترة الأخيرة نشاط الشركات الغربية ومتعددة الجنسيات في الهند وبات من الطبيعي أن ترى الغربيين والشرقيين في كل من مومباي وبنجالور وشيناي برغم حرارة الرياح الموسمية.

وكان الوضع منذ سنوات قليلة غير ذلك، فرغم عدد السكان البالغ 1.1 مليار نسمة الذي يمثل سوقاً هائلاً، ورغم ارتفاع عدد المتحدثين بالإنجليزية والمؤسسات الديمقراطية والإصلاحات التي بدأت منذ 15 سنة لم تكن الهند تلفت أنظار الشركات الدولية أو حتى المحلية لأداء الأعمال، وكان رجال الأعمال مكبلين بالبيروقراطية والبنية التحتية المنحطة والأفكار الاقتصادية الرثة.

لكن الدراسة التي أجرتها مجلة الإيكونومست مؤخراً توضح أن قطاع الأعمال الهندي أمن مكاناً على الخريطة العالمية الاقتصادية ويزداد هذا المكان أهمية. والسؤال ليس إذا كانت الهند تستطيع أن تطير وترتفع، بل إلى أي ارتفاع ستصل وإذا كان نجاح قطاع أعمالها يتمكن أن ينتشر في أنحاء البلاد.

ومن الأسباب التي ساعدت على نجاح قطاع الأعمال الهندي الحملة الإعلامية الجيدة، التنظيم الذي قامت به الحكومة وضجر الشركات الأجنبية من السوق الصينية. غير أن هناك عنصرين أكثر ديمومة؛ أولاً النمو الاقتصادي السريع في الهند حالياً فقد أوضحت الأرقام المنشودة مؤخراً أن الهند سجلت معدل نمو في إجمالي الناتج المحلي بنسبة 8.1% في المتوسط خلال السنوات الثلاث الماضية،

وحتى أكثر المتشائمين يقدرون متوسط النمو السنوي للهند بنسبة 6%، وهو المعدل الذي تسجله منذ 1991 عندما ـــ ألغى مانموان سنغ ـــ وزير المالية آنذاك، رئيس الوزراء حالياً القيود الاقتصادية، وبالتالي لابد أن يتسارع معدل النمو الاقتصادي الهندي إذا استغلت البلاد العنصر السكاني، فهناك 71 مليون شاب وشابة سيدخلون قوة العمل في الهند خلال السنوات الخمس المقبلة، أو نحو ربع العمالة العالمية.

ليس مجرد بنجالور فقط:

وثانياً تظهر في الهند كثير من الشركات على المستوى العالمي أكثر من الصين، وأكثر هذه الشركات شهرة هي في مجال البرمجيات والتعهيد، وتسيطر الشركات الهندية على ثلثي السوق العالمية لتكنولوجيا المعلومات من حيث الخدمات الخارجية ونصف سوق التعهيد العالمية، وبدأت شركات التصنيع تنضم أيضاً إلى القائمة، ومرة أخرى على عكس الصين، لا يمكن تبرير هذه الطفرة بالعمالة الرخيصة فقط. بل بكفاءة استغلال التكنولوجيا، وقد ارتفعت صادرات الهند من السلع بنسبة الربع العام الماضي.

وتتوسع الشركات الهندية في الخارج حالياً بفعل التدفق النقدي من الأرباح وارتفاع قيمة الأسهم، وبدأت تشتري شركات بلجيكية لإنتاج الآلات، وألمانية لصناعة الدواء. والحقيقة أن هناك موجة غزو هندية لأوروبا، فقد كانت شركة ميتال ستيل الهندية للصلب تتنافس على شراء ارسيلور الفرنسية، لكن سيفرستال الروسية فازت في السباق.

ويرأس لاكشمي ميتال شركة ميتال ستيل التي لا تنتج الصلب داخل الهند، بل خارجها، وسببت أيضاً محاولة شركة يونايتد برويري للبيرة لشراء علامة تاتينجر التجارية جدلاً في أوروبا.إذن المتوقع أن تنتشر توسعات الشركات الهندية في الخارج. لكن هل يجعل نجاح هذه الشركات الهند أكثر ثراء؟ لا تزال الهند فقيرة من الناحية الاقتصادية.

فهي تضم سدس سكان العالم، لكن صادراتها من السلع والخدمات تمثل 1.3% من السلع والخدمات العالمية، وتحصل على 0.8% من الاستثمارات العالمية الخارجية مقابل 6.6% و8.2% على الترتيب بالنسبة للصين. ويصل نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي 428 دولارا، ولا يزال الرقم أقل من نظيره في الصين.

وسينطلق قطاع الأعمال الهندي إذا سجل النمو الاقتصادي نسبة 6% سنوياً، لكن إذا أرادت الهند أن تلحق بالصين خلال فترة عمر جيل واحد لابد أن يزداد هذا المعدل على 6%، وإلا سوف يستمر الفقر لسنوات أطول، وقد تظهر اضطرابات اجتماعية. وللأسف تعاني الهند من الرضا عن الذات على المستوى السياسي، رغم أن إصلاحات سياسية لتسريع النمو الاقتصادي متوقعة.

والمتوقع أن يؤدي العامل السكاني إلى ارتفاع المدخرات إلى نسبة 29% من إجمالي الناتج المحلي، ويتبع ذلك نمواً في الناتج المحلي بنسبة 8%، حتى لو تأخرت الإصلاحات من جهة الحكومة.

وهناك حاجة ماسة إلى جهود لفك عنق الزجاجة الذي يزداد مع تسارع النمو الاقتصادي، والدليل على ذلك أن الشاحنة تستغرق 32 ساعة للوصول من كلكتا إلى مومباي بسبب التوقف عند نقاط التفتيش ومحطات الرسوم.

وليست المشكلة في البنية التحتية من طرق ومطارات وكهرباء فقط، ويفتقر أطفال الهند إلى التعليم الأساسي، ولن تستطيع المعاهد التقنية في الهند أن تلاحق الطلب على المهندسين الأكفاء المتحدثين بالانجليزية وغيرهم من المتخصصين، وكان التعليم محل جدل سياسي شرس في الفترة الأخيرة، غير أن القضية لم تكن رفع مستوى التعليم بل حول الحصص في الكليات التي تعطي المقاعد لأعضاء الطبقات المحرومة.

وتحرير التجارة جزئي وبطيء جداً، وتخصص البنوك القروض للجهات الخاطئة. وقوانين العمل لا تساعد على تخفيف معدل البطالة والخصخصة متعثرة، ولا يزال العجز المالي يستنزف الموارد من الاستثمار الإنتاجي في البنية التحتية والتعليم والصحة، وتواجه الاستثمارات الأجنبية عقبات في كثير من القطاعات الصناعية.

ولا غبار على محاولات سنغ رئيس الوزراء للإصلاح، لكن حكومته، التي تعتمد على أصوات الأحزاب الشيوعية، تخشى الإصلاحات وتخضع للرغبات الشعبية. وبما أن الهند قد انطلقت، فإلى أي ارتفاع ستصل بكل هذه القيود؟.

ترجمة أشرف رفيق