قال محللون ان البنوك الخاصة دخلت في سباق محموم لإدارة الثروات الخارجية، لأباطرة المال الجدد في الصين، ويؤكدون أن المعركة ستشتعل بقوة خلال الفترة المقبلة، حيث تحتضن الصين نحو 300 ألف مليونير، وفقا لبيانات مكتب التدقيق الوطني الصيني، التي أشارت إلى أن أغنى 5 في المئة من السكان، يسيطرون على نصف الودائع البنكية.

ويرى الاقتصاديون ان هذا النمو في الأصول السائلة، لا يتغذى على ازدهار الاقتصاد الصيني، فحسب، وإنما تدعمه الانعطافة التي أخرجت سوق الأسهم من سباته الطويل. فقد أنهت اللجنة التنظيمية لسوق الأوراق المالية الصينية في التاسع من مايو الماضي، حظر بيع الأسهم، من قبل شركات مسعرة.

وألغت الأسبوع الماضي، حظراً دام سنة على الاكتتابات العامة في سوق الأسهم في أعقاب طفرة جعلت سوق شنغهاي الأفضل أداء في العالم، في الشهر الماضي، فقد ارتفع مؤشر شنغهاي المركب أكثر من 17 في المئة خلال الشهر، وتقدم أكثر من 54% منذ تجاوز الانخفاض الذي دام ثماني سنوات في شهر يوليو.

وتسهم الأرباح الناجمة عن صعود الأسهم التي يتحكم بها الصينيون في هونغ كونغ وتايوان وحتى تايلاند واندونيسيا، في زيادة حجم تلك الأصول، بحسب تقرير حول منطقة الصين العظمى، أصدرته الشهر الماضي »براكتس ووترهاوس كويرز« والذي أشار إلى ان الحجم الوسطي للاكتتاب العام الأولي، من قبل الشركات الصينية هذا العام وأغلبها في هونغ كونغ، تجاوز الحجم الوسطي للاكتتاب في الولايات المتحدة وأوروبا، وكانت مجلة »فوربس« حدثت في شهر مارس قائمتها لأكثر الناس ثراء في العالم، رافعة تعداد المليونيرات الذين يستقرون في البلد الصيني.

وتسلط الأعداد المتنامية والنفوذ المالي لمليونيرات مثل ويليام دينغ، مؤسس بوابة الإنترنت »نت إيز« أو »قو ونجمانو«، شركة التطوير العقاري التي تسيطر على مساحات من الأراضي، أكثر من أي مطور أميركي فرد، الأضواء على سوق واعدة لخدمات الصيرفة الخاصة البرية.

وتتحرك الصين حالياً، بخطى ثابتة لتخفيف القيود على الاستثمار المالي الداخلي، وتحديداً عن طريق إجراءات مثل خطة المستثمر الجماعي الأجنبي المؤهل، التي سمحت منذ 2003 لشركات منتقاة، من شراء كميات محددة من الأوراق المالية الصينية المحلية. غير أن الخطوات في الخارج كانت تتسم بالحذر. كما يجري العمل على رفع القيود عن الاستثمار الشخصي بصورة متدرجة وبطيئة، وبموجب خطة جديدة، حظيت بالموافقة التنظيمية المبدئية في شهر أبريل.

فإن المستثمرين الجماعيين المحليين المؤهلين سيسمح لهم بالقيام باستثمارات محدودة في الأوراق المالية الأجنبية، ومن شأن الخطة رفع سقف الاستثمارات الصينية المقيمة في العملات الأجنبية، والاستثمارات إلى 20 ألف دولار سنوياً من 8 آلاف دولار. وتقدمت مؤسسة واحدة على الأقل، وهو بنك الاتصالات، الذي يمتلك اتش اس بي سي 1.99 في المئة بطلب الحصول على مكانة مؤهلة، غير أن تفاصيل الاقتراح مازالت بانتظار وضع اللمسات النهائية.

وفي سعي منها لتحفيز الإنفاق الاستهلاكي، وسوق الاستثمار المالي الداخلي، فإن الصين قد تلغي ضريبتها البالغة عشرين في المئة، على فوائد عوائد الادخار بحسب ما قاله ينغ لونجيوان كبير الاقتصاديين في بنك التنمية الصيني، ومقره بكين. ومن شأن خطته تلك أن تساهم في ضخ الثروة والتي تقود الآن الطفرة في العقارات والذهب ـــ باتجاه أصول مالية سائلة، حسبما قال مصرفيون.

وسيكون الفاتح من ديسمبر، بالنسبة للبنوك الأجنبية يوماً تاريخياً، عندما سيكون في وسعها للمرة الأولى منذ 1949، عرض الخدمات المصرفية التي يغلب عليها اليوان، إلى عملاء صينيين محليين، وفي خطوة تحضيرية، قال موفيون، ان البنوك المملوكة للأجانب جهزت أكثر من مئة منتج وخدمة مصرفية، تعادل ثلاثة أمثال الخدمات المتوفرة من قبل البنوك التجارية المحلية.

وكانت سيتي غروب افتتحت مطلع ابريل، مكتباً في شنغهاي لتقديم الخدمات الشخصية، وفي الشهر ذاته، صادقت اللجنة التنظيمية للسوق الصينية على خطة أعلن عنها في سبتمبر، يسمح بموجبها لمجموعة UBS المشاركة في إعادة تنظيم الأوراق المالية الصينية،

وهي شركة وساطة غير ربحية تمتلك 27 فرعاً في الصين وسيكون UBS أول مؤسسة مالية أجنبية تستحوذ استحواذاً مباشراً على 20 في المئة وتتولى المسؤولية الإدارية في شركة أوراق صينية للأوراق المالية مرخصة ترخيصاً كاملاً. وفي خطوة مشابهة أعلن CLSA، الذراع البنكي الاستثماري الآسيوي لكريديت أغريكول، في 15 مايو، عن خططه لشراء شركة وساطة في البر الصيني في حال مصادقة اللجنة التنفيذية على ذلك.

وكانت مساعي CLSA العام الماضي للاستحواذ على حصة في الشريك البنكي في شنغهاي »جبانكاي سكورتيز« قد باءت بالفشل في ضوء الاعتراضات التي أبدتها اللجنة التنظيمية وفي ضوء نجاحه هذا العام، فإن البنك يأمل في أن يشرع في نهاية المطاف، الأبواب أمام احتمالات تقديم خدمات إدارة الثروة إلى عملاء الوساطة.

ويشار إلى أن ثمانين في المئة من أرباح البنوك المحلية في الصين، تتأتى من أفراد بارزين محدثي الثروة، وفقاً لإحصائيات الحكومة الصينية التي استقتها بروكنغنز انستيتيوشن، ومن جهتها قدرت اللجنة التنظيمية المصرفية الصينية، بأن الأصول المتراكمة والمستثمرين الأثرياء، الخاضعة لإدارة مؤسسات داخلية سوف ترتفع إلى 1.73 تريليون دولار بحلول 2009، من 910 مليارات عام 2004، 530 مليار دولار منها تملكها مليونيرات.

وهي الغنيمة التي انصبت عليها أنظار البنوك الأجنبية، وفيما يتعلق بالوقت الراهن، فإن الشروط التنظيمية الصارمة، تجعلها تتوخى جانب الحذر، في السعي وراء التجارة وإلى ذلك، قالت »كاثرين شيه« مدير إدارة الثروة في UBSفي منطقة آسيا الباسفيكي، إن المناخ التنظيمي يقيد بصورة مشددة خدمات إدارة الثروة في البر الصيني.

ومن جهتهم، يسعى مديرو الأصول من الأطياف كافة، إلى الضغط لضمان أفضل العلاقات مع المقرضين المحليين، وبيوت الوساطة، عند رفع الحواجز ويعكف كل من كريدين سويس، وUBS على سبيل المثال، على مفاوضة تشاينا ميدشانتس بانك، وهو مقرض صيني كبير، لتطوير منتجات تستهدف الأفراد لاستثمار 250 ألف دولار على الأقل، بحسب يوان دانغ جو من بنك التجزئة CMB ومقره شنغهاي، ومن التحديات الكبيرة التي ستواجهها البنوك الأجنبية التغلب على نقص مديري الثروات المتمكنين.

ومن شأن الشراكات التي يجري إقامتها بين البنوك الأجنبية والمؤسسات الصينية، أن تساعد في تعميق قاعدة إدارة الثروات المحلية، غير أن ثمة حاجة لمزيد من التدريب، خصوصاً في المحاور التي تتطلب مواجهة العملاء، في ضوء ماضي الصين الحديث، وحساسيتها السياسية، فيما يتعلق بالثروة الناشئة. وإلى ذلك، دعا »شيه« من UBS مديري الثروات، إلى ضرورة إقامة توازن دقيق بين الاعتمادية والثقة والصدقية، فيما يمتازون بتحفظاتهم، وتكتمهم.

وليس هناك من مصرفي بعد، يعرف كيف سيكون رد فعل الأثرياء الصينيين الجدد على الفرص الاستثمارية، غير أن كثيرين يعتقدون أنهم سيكونون أقل ابتعاداً عن المخاطرة، من المستثمرين في الأسواق الأكثر نضجاً، وأقل تخوفاً من المخاطر المنظورة للأسهم، أو تبعات ارتفاع أسعار الفائدة على أسعار السندات، وأقل انجذاباً للعوائد الأدنى، والأكثر أماناً، من أسواق المال،

وفي العام المقبل، ستتغلب »مكاو« على لاس فيجاس في مجال الأموال التي تنفق على القمار، وفقاً لأبحاث الصناعة، وهو اتجاه بدأ كثير من مديري الصناديق في سلوكه، لا ليعكس حباً في المقامرة، وإنما سعياً وراء عوائد أعلى من تلك المتاحة في الأسواق الصينية المحلية والمؤكد أن مسلك الصينيين المسافرين إلى الخارج، يشير إلى شغف بالعوائد الأعلى.

والملاحظ أن تنظيم السوق الرأسمالية المحلية، يسير بخطى محسوبة، وفي ضوء العدد المحدود من المنتجات المقررة، فإن البنوك الخاصة ستظل مقيدة، على الأقل في المدى المنظور في جهودها لتطوير خدمات إدارة ثروات محلية تنافسية، غير أن ذلك لن يمنع لعابها من السيلان،

وإلى ذلك قال أحد مديري مجموعات إدارة الصناديق الأوروبيين، إن الوقت لم يحن بعد لشحذ الهمم للفوز بالأصول الصينية، ولكن ذلك آت لا ريب فيه، عندما يجري تخفيف القيود التنظيمية وتابع بأن أحداً لا يريد التخلف عن الركب، أو تطأه الأقدام في التدافع الحتمي.

ترجمة ـ وائل الخطيب