يختتم مهرجان روتردام للفيلم العربي فعالياته مساء اليوم في مدينة روتردام الهولندية، بإعلان نتائج المسابقات الأربع، الموزعة على الأفلام الروائية والتسجيلية الطويلة والقصيرة، من دون أن يتسرب أي خبر عن أسماء الفائزين، ولا تدور في كواليس المهرجان حالياً سوى التكهنات الناتجة عن ذوق شخصي أو عن آراء قلقة من المتنافسين أنفسهم، أو من خلال الصداقات بين هذا الفنان وذاك.

وعلى أي حال ستعلن النتائج خلال الساعات المقبلة، لتظهر معها حقيقة مصداقية لجان التحكيم، خصوصاً وأن الفيلم القوي من حيث إنتاجه «ظلال الصمت» قد انسحب من مسابقة «الفيلم الروائي الطويل» وترك الفيلم المنافس له القوي أيضاً «عمارة يعقوبيان» يتمتع بتقدم خطوة على الأفلام الثمانية المتبقية في مسابقة الروائي الطويل .وهي «بوسطة» الفيلم اللبناني الجيد، الذي غادر مخرجه فيليب عرقتنجي أمس روتردام متجهاً إلى باريس ثم بيروت، في إشارة واضحة إلى عدم توقع الفوز مع أنه من مستحقيه.

وقال عرقتنجي لـ «البيان»: «المهرجان بحد ذاته هو الفائز الأكبر ومن خلفه السينما العربية التي تعرض في أوروبا اليوم، وهذا شيء ممتاز ويخدم قضية السينما. فأما من يفوز بالجائزة يكون الأفضل وقد لا يكون، وهذا لا يؤثر على السينمائي المؤمن بمشروعه.

ففيلمي المعروض هنا واحد من الأفلام الجيدة، على ما أجمع عليه من شاهده. ولكن هذا لا يعني أن الأفلام الأخرى رديئة، فما شاهدته كان من مستوى متوسط وما فوق، بعض الأفلام تكرر أساليب وروايات مستهلكة تسعى لترسيخ أزمة السينما العربية».

«دوار النساء» فيلم الجزائري محمد شويخ من أفضل الأفلام المعروضة، رأى فيه النقاد في وسائل الإعلام الهولندية المتابعة للمهرجان بأنه يستحق جائزة أفضل عمل. وكذلك رشحوا الفيلم التونسي «خشخاش» من إخراج سلمى بكار التي تخلفت عن حضور فعاليات المهرجان بما فيه عرض فيلمها الذي ختم العروض مساء أمس.

وكتبت نشرة ثقافية فنية هولندية «ان اختيارات أفلام المسابقات جميعها موفقة، وبعضها يضاهي انتاجات أوروبية وأميركية وآسيوية مميزة، وأبدت النشرة استعدادها لمؤازرة النشاطات الثقافية العربية والإسلامية، لأن الثقافة والفن وحدهما يستطيعان مد الجسور بين الحضارات.

واعتبرت النشرة الهولندية فيلم «انتظار» للمخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي بأنه يمزج بين التراجيديا الفلسطينية والاسلوب الكوميدي في الطرح، بقدرة صانعه مشهراوي على أن يطلق العنان لرد فعل سلبي يحرض الذات لأن تعبر بأقوى الأدوات تأثيراً.

«أحلام» الفيلم الأول الذي صور في العراق ما بعد سقوط نظام الرئيس صدام حسين، وهو لا يبتعد كثيراً عن مناخ النتائج للحرب بين النظام وأنظمة عالمية اخرى، أصابت الانسان العراقي بدمار مادي ومعنوي ونفسي خطير، الفيلم مؤثر في قصته لكن الإشارات السينمائية قليلة فيه، بسبب الظروف التي صوّر فيها في داخل العراق حسب ما قال مخرجه الشاب محمد الدراجي.

ويمكن وصف فيلم نضال الدبس المخرج السوري، «تحت السقف» بأنه مرتبك، وبلا هوية، ويسعى للكثير ولا يحقق إصاباته. فيه تأثيرات كبيرة لسينما الروسي أندريه تاركوفسكي، يستبعد أن يفوز.

أو ان حظه قليل، بالمقارنة مع فيلم «يوم جديد في صنعاء القديمة»، من اخراج بدر بن هرسي، صاحب الرؤية المتكاملة بين روحية الحكاية والسيناريو والتقنية المستخدمة ضمن فنيات عالية في صناعة كادرات روائية، تعنى بالتفاصيل وباستخدام كل عناصر الصورة ومنها الرموز من دون اسقاطات معقدة أو مسطحة.

عادل إمام لا يبدّل ولا يضيف

من قرأ رواية «عمارة يعقوبيان» للكاتب علاء الدين الأسواني، وشاهد الفيلم يدرك بسرعة أن شخصية زكي الارستقراطي «ابن الباشا»، ليس هو هنا بأداء عادل امام.

فهذا النجم والممثل المخضرم استكان إلى أدوات تعبيرية في التمثيل يكررها على الدوام في كل الأفلام، وفي كل الشخصيات التي يلعبها، من دون أن يطورها، أو ان يستخدمها في مكانها الصحيح، فما يصح في فيلم «السفارة في العمارة»، لا يمكن أن يتماهى أو يتطابق مع «عمارة يعقوبيان»، ولو كان ما يجمعهما أن الشخصية الذكورية تبحث عن ذاتها في علاقات كثيرة مع النساء.

وهذا يؤشر إلى كسل يقع فيه أحياناً الممثل الذي لا يبدل ويطور من قدراته ولا يضيف إليها شيئاً يذكر. ولا أقصد التقليل من قيمة وموقع عادل إمام في تاريخ السينما العربية، ولكن تجب الإشارة النقدية لأنها قد تكون مرشدة لصاحب الأمر ذاته أو لآخرين.

وبدأ مخرج فيلم «عمارة يعقوبيان» مروان حامد محترفاً بالتعاطي مع رواية تتنشّق من الهواء فيه، الذي تنشق منه ثلاثية الروائي نجيب محفوظ وسيناريو المسلسل التلفزيوني الشهير «ليالي الحلمية» للكاتب أسامة أنور عكاشة، فلم يقع في الدراما التلفزيونية، وحافظ على سياق السرد الروائي بالصورة وبالنص، التزم بالمناخ العام وحدد زوايا اللقطات في كل مشهد باستجابات للرؤى الحديثة لعالم تصنيع الصورة.

وكثيراً ما نرى في الفيلم تصادماً بين كاتب السيناريو وحيد حامد وابنه المخرج مروان. فالأب ينتمي إلى جيل وأفكار صارت كلاسيكية الآن بعد التطورات الهائلة التي شهدتها صناعة السينما في العالم. والابن يعبر عن استقلاله وعن تباين وعيه الفني مع مفاهيم الأب. في كل الأحوال يحتاج فيلم «عمارة يعقوبيان» إلى اختصار نصف ساعة من وقته في أقل تقدير.

روتردام ـ حسين قطايا: