عندما صوّت الشعب الإنجليزي ضد انضمام بريطانيا إلى العملة الأوروبية الموحدة »اليورو« ورفضها رفضاً باتاً لم تكن أسبابهم في هذا الرفض مبنية على أي أساس اقتصادي أو سياسي، ولكن فقط بسبب ارتباطهم بحضارتهم وتراثهم، فالجنيه الاسترليني لا يمثل فقط عملة يتداولها البريطانيون في قضاء حوائجهم بالبيع والشراء، لكن الارتباط بين الاسترليني والبريطاني ربما يتجاوز ذلك بمراحل كثيرة تصل إلى اعتبارات تربط بين شخصية المواطن البريطاني و»الاسترليني«.
وفي مصر استقبل الشعب المصري بالصدمة والرفض إعلان البنك المركزي عن إلغاء العملة الورقية من الفئات النقدية الصغيرة »25 قرشاً ـــ 50 قرشاً وجنيه«، وهي الأكثر تداولاً وشعبية بين أوساط المصريين واستبدالها بعملة معدنية من الفئات نفسها.
وبين النظرة الاقتصادية في مبررات الحكومة المصرية أو البنك المركزي لسحب العملات الورقية من الفئات الصغيرة التي تتهالك حسب ادعائها« خلال 6 أشهر فقط واستبدال بها عملات معدنية أطول عمراً، وبين رفض الشعب المصري التخلي، أو بمعنى أدق عدم قدرتهم على تخيّل أنه سيأتي اليوم الذي لن يروا فيه »الجنيه« ذا اللون البني المائل للحمرة، فقد تباينت الآراء بين المؤيدين لطرح العملة المعدنية والرافضين.
وأكد الخبراء أن اتجاه الحكومة المصرية لذلك يرجع إلى طول العمر الافتراضي للعملات المعدنية الذي يتجاوز 15 عاماً، بينما لا يزيد العمر الافتراضي للعملات الورقية على 6 أشهر فقط.
وأشاروا إلى أن طرح العملات المعدنية الجديدة سيكون من بداية شهر يونيو الجاري, وستتحدد الكمية المطروحة بمعرفة لجنة سياسات العملة المكونة من محافظ البنك المركزي فاروق العقدة ومصلحة بنك العملة وممثلي وزارة المالية، وقد حددت وزارة المالية المواصفات الفنية للعملة المعدنية فئة الجنيه والخمسين قرشاً، حيث تتكون خامة الجنيه من قرص يحتوي على حلقتين تتضمن الحلقة الخارجية منه سبيكة كوبر نيكل وتركيبها الكيميائي يتوزع على 75% نحاس و25% نيكل.
ويبلغ حجم القطر الخارجي للجنيه 25 ملليمتراً ويصل القطر الداخلي إلى 16 ملليمتراً مدمجاً بالحلقة الخارجية ومكوناً من سبيكة من الألمنيوم والبرونز بتركيب كيميائي 92% نحاس و8% ألمنيوم، وتزن العملة 8.5 غرامات، بينما العملة المعدنية فئة الخمسين قرشاً يتكون التركيب الكيميائي من سبيكة من النحاس بنسبة 92% وأخرى من الألمنيوم بنسبة 8% ويصل قطرها الخارجي إلى 25 ملليمتراً والوزن إلى 6.5 غرامات.
وينقش على الوجه من الجنيه قناع توت عنخ آمون، بينما تحمل وجه عملة الخمسين قرشاً صورة للملكة كليوباترا، وعلى الظهر تنقش فئة الإصدار وتاريخ الإصدار الهجري والميلادي.
رئيس مصلحة سك العملة في مصر المهندس أحمد سعد يقول: إن العمر الافتراضي للعملة الورقية التي تُتداول بكثرة لا يزيد على 6 أشهر بينما العملات المعدنية يصل عمرها الافتراضي إلى أكثر من 15 عاماً ما يجعل التكلفة الاقتصادية للعملة المعدنية أقل بكثير من العملات الورقية، وقد تم مراعاة الفرق بين التكلفة الفعلية للعملة المعدنية الجديدة وبين القيمة الاسمية لها بالإضافة إلى أن العملة المعدنية أقل تلوثاً من العملات الورقية التي تتلوث سريعاً وتتلف سريعاً.
وأشار إلى أن العملات المعدنية الجديدة تفوقت من حيث الشكل على العملات الورقية في الدول الأوروبية (اليورو) وكذلك العملة المعدنية في المملكة المتحدة (الجنيه الاسترليني). وقال إن المصلحة ضخت بالفعل كمية محدودة من العملات الجديدة بالأسواق ولكن التداول الرسمي والكميات الكبيرة سيتم طرحها في شهر يونيو الجاري لتتواكب مع الاحتفال بمرور 52 عاماً على إنشاء مصلحة بنك العملة، وانه سيتم تحديد الكمية بالاتفاق مع البنك المركزي كما سيتم تصغير حجم العملة ذات العشرة قروش لتقليل كلفة سكها.
وأكد عبدالهادي المرصفي المدير العام للإدارة العامة لإصدار النقد أن قرار البنك المركزي المصري بإلغاء العملات الورقية فئة الجنيه والخمسين قرشاً، واستبدالها بعملة معدنية من أفضل القرارات التي اتخذتها الوزارة وذلك لأن العملات الورقية مدة تداولها في السوق قصيرة جداً وتكلف الدولة مبالغ باهظة تُقدّر بالمليارات.
وأضاف ان المصريين يسيئون استخدام العملات الورقية، حيث يقومون بكتابة الأشعار والأغاني عليها، موضحاً أنه يجب إصدار قانون يجرم العبث بالعملة الورقية. ويرى الخبير الاقتصادي في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور مجدي صبحي أن كلفة إصدار عملة معدنية هو أقل بكثير من العملات الورقية، خاصة ان العملات الورقية في مصر غير محترمة من قبل المواطنين وتتعرض للتلف سريعاً.
وأضاف: ان العمر الافتراضي للعملة الورقية أقل بكثير من العملات المعدنية التي تستغرق سنوات عدة في التداول. الطرف الآخر المتمثل في فئات الشعب المختلفة له رأي آخر بخصوص إصدار عملات معدنية بدلاً من الورقية، حيث رأى البعض أنه بهذا الإصدار سوف نعود إلى العصور القديمة حيث كانت العملة تُوضع داخل أكياس من القماش ويتحرك بها الأفراد.
كما رأوا أن تحويل العملة الورقية من فئتي الجنيه والخميس قرشاً سيسبب لهم معاناة عند التحرك بها، كما أن ذلك سيقلل من قيمتها شكلاً وموضوعاً، حيث تداول في الأذهان أن للورق قيمة أكبر، كما أن الورق لا يأخذ مساحة عند الاحتفاظ به.
وأشاروا إلى أن المشكلة تكمن بشكل أكبر عند الرجال، نظراً لأن أغلب ما بداخل جيوب الفئة العظمى من الشعب هو فئات الجنيه والخمسين قرشاً، فكيف بعد تحول تلك الورقيات إلى معدن تستطيع الجيوب المحافظة عليها. أما النساء فإن المشكلة لديهن أقل حدة عند تحويل الورق إلى عملة معدنية حيث عادة ما يحملن كيس نقود أو يضعونها في حقائبهن اليدوية مما يسهل حملها بينما الرجال من الصعب عليهم حملها والتحرك بها.
يقول أمير شبانة »موظف«: تعودت منذ صغري على حمل نقود ورقية أضعها في جيبي أو حافظة نقودي، وكان يسهل حملها مهما كانت كثيرة، ولكن كيف الآن وأنا أحمل مثلاً عشرين جنيهاً معدنية مكونة من الفئات المختلفة فقد أحتاج إلى صندوق في يدي كي لا تضيع مني فضلاً عن أن النقود المعدنية مرهقة في حملها.
وأضاف: ان أغلب تعاملات أفراد الشعب النقدية من الفئات النقدية الصغيرة والجنيه بالذات هو أكثر الفئات النقدية انتشاراً وعند اقتصار هذه الفئة على العملة المعدنية سيكون التالف منها كبيراً، حيث انها عادة ما تضيع لصعوبة حفظها.
وأشار محمد جابر عويس »موظف« إلى أن الحكومة تدعي أن العملة المعدنية أقل تكلفة وهذا عند تطبيقه في الواقع العملي غير صحيح نظراً لأن العملة المعدنية كثيرة الضياع بعكس العملة الورقية، وهو ما يعني أنها ستمثل إهداراً للمال الشخصي حتى لو استمرت في الدورة النقودية في السوق.
واعتبر أن ذلك إهانة »للجنيه« الذي يرتبط بتراث الشعب المصري والمصريين ومنذ عشرات السنين يتم التداول بالجنيه الورقي، ذي اللون المائل للحمرة المميز، فكيف يأتي الوقت الذي لا نتداول فيه بالجنيه الورقي، فهو رمز ليس للاقتصاد فقط، ولكن للحضارة المصرية الحديثة أيضاً، ومثله مثل أبو الهول والأهرامات.
وأشار إلى أن العملة المعدنية مرتبطة لدى الشعب المصري بأن قيمتها السوقية قليلة ومنخفضة مقابل العملة الورقية وهو ما سيعني أن تحويل الجنيه الورقي إلى معدني تمهيد للتقليل من قيمته السوقية وقوته الشرائية في السوق ما يعني أنه ربما يتراجع ليعادل الفئات الأقل من العملة النقدية.
القاهرة ـــ محسن محمود