قد لا يصدق من يشاهد ملصق فيلم رقم الحظ سليفن- Lucky Number Slevin أنه دعاية لفيلم واحد، حيث يبدو الملصق للوهلة الأولى دعاية لعدة أفلام، فالنجم العالمي بروس ويليس يتوسط المشهد بين الرائع مورغان فريمان وأسطورة الأداء بن كينغسلي والنجم الشاب غوس هارتينت وبطلة ملائكة تشارلي القادمة من بلد العملاق الأصفر لوسي لو ،
ولكن الحقيقة هي أنهم اجتمعوا في فيلم حركة وإثارة ربما يُعد الأفضل مما أنتجته هوليوود هذا العام، فالصورة نطقت في هذا الفيلم، وذكاء الحبكة الدرامية يعيد إلى ذاكرة المشاهد أيام الأفلام الرائعة حين كان للسينما إبهارها وحين كان المخرج يحترم ذاته والآخر، وهكذا فعل مخرج هذا الفيلم بول ماكويجن.
تبدأ أحداث الفيلم من نقطة غير تقليدية في إحدى محطات انتظار المترو، ليظهر بروس ويليس على كرسي متحرك وهو يدلي بحكمة الحياة لأحد الأشخاص الجالسين في المحطة التي خلت من الناس، ويروي له -وسط تذمر هذا الشخص وتلهفه للتخلص من الحوار عن حكاية مقامر قتل هو وعائلته على يد إحدى العصابات المنتشرة في هوليوود بعد عجزه عن تسديد ما ترتب بذمته من مال لها، إلى الآن؛ والأحداث عادية والمشاهد يترقب نهاية هذا الحوار الذي كُتب بجمالية السينما الكلاسيكية،
وفجأة ودون سابق إنذار، ينهض بروس من كرسيه المتحرك ليقتل الشخص الذي كان يحاوره ببرودة أعصاب، لا يستطيع أداءها إلا بروس العائد بقوة في هذا الفيلم.تنتقل مشاهد الفيلم بعد ذلك إلى جوهر القصة الأساسية للفيلم، حيث يقع سليفن الذي يلعب دوره النجم الشاب غوس هارتينت بين مطرقة وسندان رجلي عصابة يتقاسمان إحدى مناطق نيويورك، ا
لأول هو الذي يلقبونه الرئيس- مورغان فيرمان الذي تحصن ببناية تحرسها عصابة من الزنوج، أما الثاني فهو الحاخام- بن كينغسلي صاحب أرقى أداء في السينما المعاصرة الذي أدى دور البطولة قبل فترة في رائعة الكاتب العالمي تشارلز ديكنز في فيلم أوليفر تويست ويتذكره الجميع في دوره العالمي غاندي ، لقد ظهر الرئيس والحاخام في صورة تشبه لوحة سريالية من لوحات الاسباني سلفادور دالي واستطاع المخرج أن يستفيد من خبرة هذين النجمين ويسخّر الإمكانيات الفنية لكل منهما بذكاء.
وتستمر دوامة الأحداث في تورط سليفن- غوس هارتينت بين أفراد عصابة كل من الرئيس والحاخام وتحدث أمور غير متوقعة، حيث عالج المخرج القصة بطريقة أغاثا كريستي التي تشد المشاهد مترقباً إلى نهاية الفيلم، وتعود القصة إلى بداية اللقطات الأولى من الفيلم ليفاجأ المشاهد بحقيقة شخوص أبطال الفيلم، ويعتقد كل من شاهد الفيلم أنه بعيد عن أفلام الحركة والإثارة التقليدية، لأنه قُدم بطريقة تمزج بين الغموض والذكاء والصورة البسيطة التي تجعل من المشاهد يتابعه لقطة بلقطة دون ملل.
وحين نتكلم عن تمثيل أبطال الفيلم وأدائهم؛ نتذكر كلمة أحد أبطاله في إجابته عن معنى التمثيل بالنسبة إليه، حين يقول بن كينغسلي: أمثل لكي أكون مرئياً ومسموعاً.. أو عبارة جين مور: التمثيل ليس حرفة على الإطلاق.. بل هو أسلوب حياة، وهذا هو حال نجوم هذا الفيلم، فالتقائية التي ظهرت بها لوسي لو والأداء التعبيري في وجه فريمان وكينغسلي والغموض البارد الذي فرضته القصة على ملامح بروس ويليس المنحدر من جذور ألمانية، وأداء سليفن- غوس هارتينت الذي أظهر بأنه أسقط في يده في ورطته الكبرى بين أفراد العصابات،
كل ذلك مجتمعاً يضع فيلم رقم الحظ سليفن في مقدمة أفلام الحركة والإثارة؛ لا من زاوية المشاهد المثيرة أو زوايا الكاميرا الصعبة في هكذا نوع من الأفلام أو البطولات الخارقة، بل من ناحية الحبكة الدرامية التي ارتقت بالفيلم ليكون سينما حقيقية، وتمارس إدهاشاً عقلياً ونفسياً ضاع وسط إدهاش الصورة المفروض حالياً في السينما المعاصرة.
أبو ظبي ـ محمد الأنصاري

