ظهرت شخصية الأديب والشاعر الراحل محمد الماغوط في دراما اجتماعية ساخرة بثها التلفزيون السوري بعنوان (حكايا الليل والنهار) من أفكار الشاعر الراحل، وقد ارتأت الكاتبة كوليت بهنا تكريم الماغوط في حلقة من حلقات العمل الذي عرض بعيد رحيله بقليل على شاشة التلفزيون السوري فقط، وكانت من اللوحات المكتوبة بحب، بأبعادها السياسية والاجتماعية.

وعلى الرغم من أن بطل العمل اسمه أحمد الشخصية أداها الفنان عبد الهادي الصباغ ، إلا أن أقل العارفين بطباع الشاعر الراحل وصفاته يدرك أنه هو المقصود آخذين بعين الاعتبار المقاربات الضيقة والمحدودة التي تشبه بها الممثل ليقلد حال الشاعر بدءا من قبعته وانتهاء بسيجارته التي رحل الماغوط وهي بين يديه، وبطبيعة الحال كانت بعض أشعاره التي قرأت في العمل توحي إليه علانية.

وهذه الحلقة تأتي بمثابة أسرع ظهور درامي له، في حلقة من حلقات مسلسله وآخر انتاجاته التي قدمها قبل رحيله، ولا شك أن ذلك يُعد لفتة تكريمية من صناع المسلسل لصاحب أفكاره.وكان الراحل متلهفا جدا من أجل متابعة حلقات مسلسله التي لم تكن قد أنجزت كاملة،

وأذكر في آخر زيارة له الى دبي قبيل وفاته بأسابيع قليلة أنه طلب أن نروج للمسلسل في «البيان» بعد ان أعطانا «بروشور العمل» وكل ما نحتاج من معلومات، وبدا من طريقة كلامه أن لديه حالة من الترقب الشديد لهذا المسلسل آملا أن يحدث النجاح الذي يستحقه، لأنه هو من اختار المخرج، وأسوة بالجزء الأول الذي قدمه بعنوان «حكايا الليل» وعرض قبل ثلاثين عاما من الآن أيام الأبيض والأسود.

وكتب الماغوط عشرين قصة قصيرة ترصد الواقع المعاصر، وأطلق عليها صفة «الحكايات» ليعيد تجربته مع الدراما التلفزيونية بعدما قدّم سابقاً حكايات مشابهة ترصد الواقع الاجتماعي بكل جوانبه. وأكد الماغوط قبل الرحيل انتماء مسلسله الجديد إلى المسلسل القديم الذي قدّمه للدراما قبل ما يقارب الثلاثين سنة، من خلال العنوان المتشابه «حكايا الليل».

وفي العملين كان يحرص على توافق بين أفكاره ووجهات نظره وآرائه الثابتة والنهائية وهو يلتقط تفاصيل الحياة ويحوّلها إلى دراما تتميز بسخريتها الشديدة وتهكمها على الأحلام الضائعة والرغبات الإنسانية المتنامية. وتمنى حسب ما صرح لنا سابقا أن يكون العمل الجديد بحجم الذاكرة والحب الذي يختزنه العمل القديم.

«حكايا الليل والنهار» أخذ صيغة الحلقات المنفصلة، وتبدل فيها العديد من الممثلين باستثناء بعض الشخصيات المحورية وعلى رأسها البقال أبو غازي «أداها الفنان أسعد فضة بحرفية»، وهو بهذا يتيح المجال لأكبر كم من القضايا الشائكة أن تأخذ طريقها إلى العرض والتي قدمها الماغوط على طريقة القصص القصيرة التي لم يحمل معظمها الجديد له أو لهذه الدراما، التي حرص المخرج علاء الدين كوكش أن يقدمها بطريقة كلاسيكية للغاية،

وغاب عنها ما يجعلها ذات تأثير ووقع جمالي أو فني خاص بها، حتى شارة المقدمة والخاتمة لا تخلو من الحيادية، بل إنها أثارت الضجر برتابتها، وبتواتر لحنها..الأمر الذي يدعونا للتساؤل أما كان بالإمكان استخلاص كلمات أغنية تشير إلى المضامين الإنسانية لهذه الحلقات...؟!

والذين توقعوا ان يتألق الجزء الثاني من حكايا الليل بعد خمسة وعشرين عاما أخطأوا أو لم يحالفهم الحظ كثيرا لأن الزمان غير الزمان، والناس غير الناس، وقبل كل شيء الماغوط ليس بالمزاج الذي يسرد فيه أفكارا طازجة كما فعل في السابق، بعد ان صارت الكآبة هي العنوان الابرز لأيامه الأخيرة..!

وحسب معلوماتنا فإن التلفزيون السوري «الجهة المنتجة للعمل» قد كرم الماغوط بمبلغ مادي سخي لقاء تقديمه الأفكار التي صاغتها كوليت بهنا وعماد ياسين، وأخرجها كوكش، الاسم المهم في الدراما السورية ولكن هل حقق العودة التي كان ينتظرها منه الجميع بعد هذا الغياب..؟

ولا بد أن ننوه :أن الماغوط شكل ثنائياً خاصاً جدا في الدراما العربية بلقائه الفنان دريد لحام في عدد من المسرحيات والأفلام السينمائية وفي مسلسل وحيد ومسلسل يتيم هو(وادي المسك )، وأخفق كل من الطرفين أن ينجح لوحده بمعزل عن الآخر، الأمر الذي يفسره بعض النقاد بأنهما يكملان بعضهما البعض رغم خلافهما ،ويفهمان ماذا يكتبان وكيف يعرضان، وأخفق الماغوط ككاتب في مسرحية جهاد سعد «خارج السرب» ومسرحيته الأخرى «قيام جلوس سكوت» التي قدمها زهير عبد الكريم، بينما لم يبرز اسم دريد لحام في كل المسلسلات والبرامج التي قدمها تباعا..

ولعل النكتة السياسية أو الاجتماعية تكمن في دراما الماغوط، وليس في شعره، وهي لم تتطور كثيرا مع دوران عجلات الزمن، وتغير الكثير من المعطيات السياسية والتاريخية، وعلى الرغم من اجتهاد كوليت وعماد في رسم صورة درامية معاصرة ومتقنة، إلا أن جملة الماغوط كانت تبرز من خلال تلك المعالجة، وإن كانت هذه مشكلة في جانب ما، إلا أنها ميزة لكتابات الماغوط ميزته عن سواه.

رحل الماغوط ولا يعلم أن الناس ستذكره مطولا في «حكايا الليل»، النسخة الأصلية، والتي لم تأبه لصورة البطل، أو لتقنيات الإخراج، ولا لمعادلات اللون والضوء.

دبي ـ جمال آدم