بدأت مسرحية «سفر عميان» جولتها على مسارح الدولة بعرضين أقيما الليلتين الماضيتين على خشبة مسرح مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، بالتعاون مع المؤسسة التي دأبت على احتضان الأعمال المسرحية المحلية، انطلاقاً من رغبة أصيلة في تعميم الفائدة وترسيخ قيم ثقافية نبيلة في المجتمع.
وحضر العرض الأول معالي مريم الرومي وزيرة الشؤون الاجتماعية وبلال البدور وكيل وزارة الثقافة والإعلام، ومحمد المر رئيس مجلس دبي الثقافي، ود. خليفة بخيت رئيس مجلس أمناء مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، وعدد من المسرحيين والمهتمين وحشد من الجمهور.
والمسرحية من تأليف وإخراج ناجي الحاي، وان كانت ثمة إشارة إلى أنها مستوحاة من مسرحية «العميان» للكاتب موريس ميترلنك، فإن الحاي في واقع الحال لم يأخذ من النص الأصلي إلا الفكرة العامة، وهي مجموعة عميان يذهبون في رحلة ويموت مرشدهم، ويبدأون البحث عن سبل للخلاص من هذا التيه ..
فالحاي اشتغل على شخصيات من واقعه، وحاول أن يحيط بأكبر قدر ممكن من النماذج الاجتماعية المتباينة عامة، وانعكاس العمى على دواخلها ومرجعياتها النفسية في لحظة الانكشافات التي تفرضها حالة البحث عن الخلاص خاصة، إذ أن «أبو عفرة» الذي يلعب دوره مرعي الحليان، مغنٍ في الأعراس، يمثل الأعمى المحروم من زوجة تحبه، لا تعجب بصوته وحسب،
والطالب الذي كان يدرس في أميركا وتعرض لحادث أفقده نظره وشوه وجهه، يلعب دوره محسن صالح، والاثنان يمثلان الشريحة المعتدلة في المجتمع، بينما في المقابل ثمة شخصية متشددة دينياً متطرفة يلعب دورها موسى البقيشي، تصطدم مع الأفكار المتحررة متمثلة في «هنادي» الفتاة المتحررة الحالمة بعريس يأتيها على حصان أبيض وتلعب دورها بدور، وأيضاً خاتون العجوز المتصابية التي تبحث عن حياة هادئة فيما تبقى لها من عمر، وتقوم بدورها أشواق، أما عبود الممثل لشريحة «البدون» فيقوم بدوره غانم ناصر.
والمسرحية من فصل واحد، والديكور مجرد شجرة في وسط الصحراء، بينما شخصياتها المتباينة تنكشف على دواخل بعضها البعض في لحظة حرجة، وتتصادم في آرائها وفهمهما للحياة، وتطرح بجرأة قضايا كبيرة عامة ونفسية عميقة في أجواء يوترها المخرج المؤلف ناجي الحاي في إثارة مشاعر الخوف من ليل الصحراء والذئاب والتفكير بالموت وسبل النجاة منه، مستخدماً أساليب متنوعة وطرائق متداخلة للتعبير عن تلك الانكشافات،
ففي الوقت الذي تصل فيه الكوميديا إلى درجة التهكم يعود إلى مسحات من الحزن والبكاء والغناء في خطوط تراجيدية متباينة الإيقاع، وصولاً إلى الدلالة الأعمق، فالعمى ليس إلا عمى بصيرة والصحراء ضياع لبوصلة الأمة، وانتظار المخلص قاسم مشترك للجميع ومحط خلاف وصرع لهم أيضا.
دبي ـ البيان


