مارسيل خليفة، من بين الفنانين العرب القلائل الذين ظلوا ملتزمين بمشروعهم الفني منذ البداية، إذ لم تطل أعماله موجة الخراب الفني التي شاعت في هذا الزمن، وظل جمهوره من كل الأجيال يقبل على حفلاته بشغف كبير. مارسيل المولود في عام 1945 درس العود في معهد الكونسرفاتوار في بيروت،
وأنشأ فرقة الميادين عام 1972، في مسيرته الفنية تعاون مع كبار الشعراء مثل: طلال حيدر وحبيب صادق وشكَّل مع الشاعر الفلسطيني محمود درويش ثنائياً رائعاً، إذ لحن له العديد من القصائد أبرزها: «وعود من العاصفة، أحمد العربي، سلام عليك، جواز السفر، أحنّ إلى خبز أمي»، وأيضاً: «أنا يوسف يا أبي» التي أثارت الجدل ومُنعت في أكثر بلد عربي، رغم أن محمود درويش كان قد كتبها قبل أربعة أعوام من قيام مارسيل بتلحينها وغنائها.
يمتلك مارسيل سحراً خاصاً على مستمعيه، فهو مؤلف موسيقي وفنان شعبي، في مؤلفاته الموسيقية وأغنياته حنين وذكريات ورجوع لمرحلة الطفولة، يمزج في موسيقاه بين الكلاسيكية والحداثة ليبدع لحنه الخاص، تشع أغنيات مارسيل بوهج ثوري خاص، حيث تزامنت مسيرته الفنية مع تطورات القضية الفلسطينية واندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، وفي حفلاته يذكر الناس بشيء ما حينما يصدح بأغنيته «صرخة ثائر» ضد الظلم والاحتلال معاً، وجاب العالم حاملاً صوته العذب منادياً بتوحيد الثقافة العربية في مواجهة انحدار الذوق العام.
جاء مارسيل إلى القاهرة بعد غياب طويل للمشاركة في فعاليات مهرجان «الربيع عاد من تاني» وكان معه هذا الحوار:
ـ مشاركتك في المهرجان ودعوتك ركّزت على توحيد جهود الفنانين العرب، فماذا تحمل وراءها من دلالات؟
ـ إننا نحاول المرابطة مع قلّة من المدافعين عن القيم الإنسانية والحق العربي لنصمد في وجه جرافة الانحطاط، فما نتعرض له ليس ناتجاً عن قصور ذاتي في الأشخاص بوصفهم أفراداً تنقصهم المعرفة والموهبة، ولكنه نتاج موضوعي للواقع السياسي والاجتماعي والثقافي الذي تحميه السلطات وتقوم عليه.
ـ لعبت دوراً مهماً في تكريس الأغنية الملتزمة أو السياسية، فما مفهوم هذه الأغنية، وأين هي اليوم وأين جمهورها؟
ـ لم تكن الأغنية عندي إلا محاولة لتحررنا من العبارات التي تثقل كاهلنا يومياً، فالأغنية هي جعل الكلمات تتراقص من دون توقف، في حين ان الخطاب السياسي الذي نسمعه يستخدم الألفاظ كهراوات نضرب بها الأغنية، إنها عمل سياسي بالمعنى النبيل للكلمة، أي فعل دفاعي لاستقبالية الفرد.
وبالعود إلى منتصف السبعينات في بيروت، عندما فاز المجتمع وشعر الناس برغبة شديدة في الحياة، اندلعت تساؤلات جديدة في المسائل الثقافية، وانتشر الانفعال إلى شتى مجالات الفنون، ما أدى إلى تشكيل مجموعات للتعبير والرغبة المشتركة في التخلص من سلطة الأشكال السائدة، وساهم ذلك في خلق مناخ صعب للغاية، وكان الهدف تطوير الأغنية والموسيقى لاختراق الذوق السائد.
ولعل العصر الراهن يتطلب اشتراك الموسيقي مع الدوران المدهش الذي يحدث في العالم لكي يتمكن من التعبير عن قضايا العالم، ففي كل مرحلة تنحسر أشكال ومضامين جديدة، فالناس اليوم في حاجة إلى الخبز والورد والحب والخروج من مستنقعات الجهل والفقر والكبت واليأس والنقص الكبير في الحرية، فهذه معضلات وقضايا إنسانية ليس لصانع الموسيقى أو الأغنية التفرج عليها، وإنما عليه أن يخلق الحوافز التي تؤدي إلى تغيير الواقع، وهنا يكمن دور النص إن كان موسيقياً أو غنائياً.
ـ في ظل تردي الواقع، كيف تنظر إلى دور المبدع في مواجهة هذا المد القاسي؟
ـ على المبدع أن يكون أكثر وعياً وأكثر تمسكاً بالتزامه الحر، فبالرغم مما تذهب إليه غطرسة الدول، وتخبط القوى السياسية وانهيار المجموعات المؤسسية، يظل للمبدعين والمثقفين أدوارهم الفاعلة في حماية الحلم الإنساني، فليس من الحكمة أن يتخلى المبدع عن أحلامه، لأن الإبداع انهماك مستمر وعميق في حركة الحياة، وعلى المبدع أن يواصل هذا الانهماك في كل لحظة وأن يواجه الصعوبات المتوقعة، فحرمان المجتمع من البوح الحر يؤدي إلى صدأ الحساسية الثقافية، ولابد من طرح أسئلة يجري الآن تفاديها كالعدالة والحرية والاحتلال والمقاومة والأخلاق والطائفية والقيم المهدورة والفوارق المادية.
ـ منعك من دخول تونس كان له رد فعل تضامني عربي، فماذا كان شعورك حينها؟
ـ لقد مُنعت من دخول بلد أحببته، ولم أكن وحدي الممنوع، فالممنوع أيضاً تراث كثيف من التجربة الإبداعية ماضياً وحاضراً، صاغها أكثر من جيل صادرة عن توق جارف إلى الحرية، وخالجني إحساس مروِّع لم أتمكّن من تفادي فداحته وضغطه الفظيعين على روحي وكياني، كان إحساسا بالحزن الإنساني وبالخجل الحضاري، فثمة قوى تقدر أن تمنع مشاركة فنان تهمته الوحيدة غناؤه للحب والحرية ويسعى صادقاً إلى التعبير عن مجتمعه. كنت حزيناً، لأنني سواء في أعمالي الفنية أو سلوكي الشخصي أنطلق دوماً من الحب وأمضي بلا تردُّد نحو الحرية.
ـ حصولك على لقب «فنان السلام» من منظمة اليونسكو أخيراً، يُعد تتويجاً لمشوارك الفني، فماذا أضاف لك؟
ـ هذا اللقب حمَّلني مسؤولية كبيرة، لأنه يُعطى للمرة الأولى لفنان عربي، وسوف أبحث جاهداً عن مواهب شابة في أماكن نائية، وقد خصصت جائزة في المعهد الموسيقي في فلسطين لتقديم المساعدة للطلاب الموهوبين، إذ إن وزارات الثقافة والمؤسسات الرسمية في معظم الدول العربية تخلَّت عن هذه المواهب.
(خدمة وكالة الصحافة العربية)
القاهرة ـ حازم خالد