إذا ما قورنت التكلفة المالية لمهرجان روتردام السينمائي بتكاليف مهرجانات سينمائية أخرى عربية وغير عربية، ستأتي النتيجة مذهلة، فهذا المهرجان بميزانيته المالية البسيطة استطاع أن يقيم عرساً للصورة العربية وسط أوروبا الغربية، وهو عرس أفضل بكثير من بعض أعراس الصورة التي تقام في العالم العربي.

فيحسب له حسن التنظيم والإدارة، واختيار الأفلام المشاركة في المنافسات أو العروض الحرة، إضافة إلى تحقيق أهداف ثقافية أساسية منها: الاحتكاك مع المرجعيات الفنية والثقافية الرسمية في هولندا وفي أوروبا، والاتصال مع الجمهور الغربي، إذ كان من المفاجئ حجم الجمهور الهولندي المتابع لعروض المهرجان، ومن كل شرائح المجتمع، ففي العروض فاقوا الجمهور العربي من المهاجرين، الذين أبدوا تعطشهم لرؤية وجوه ثقافية فنية من بلادهم، بدل ما يتهمون فيه على الدوام وهو التخريب والإرهاب.

زيارة للرئيس الأميركي إلى مكان رسمي، يربك عمال «تصليح الرايات» الذين يفاجأون باتساخ العلم الأميركي ويريدون تنظيفه قبل الزيارة، فيتجه أحدهم إلى مغسلة عامة ويبدأ عملية الغسل، فلا يفلح في المرة الأولى، فالعلم يحتاج إلى غسل جديد ينتهي بالنجاح، ويعاد العلم الذي تبدأ ألوانه بالتماهي مع أشكال وألوان أعلام أخرى بريطانية خاصة، وأوروبية عامة.

هذه أحداث فيلم «الغسالة» للمخرج السوري هشام الزعوقي المقيم في النرويج. الذي قدم فيلمه في ثماني دقائق، في صورة أقل ما يقال فيها أنها احترافية في التقنية والفنيات. كوادر مملوءة سينمائية بامتياز. فليس من لغو والرموز بسيطة، منسجمة مع روح الفيلم، الذي يبدو صرخة وليس صراخاً، حتى أن أصوات الأهوال التي تخرج من «الغسالة» الكبيرة والعلم الأميركي داخلها تكاد تكون طبيعية وليست إدخالاً.

فالمخرج السوري الشاب يعرف كيف يستخدم زمنيات التصوير وتمر بك الكاميرا، وتقطيع المشاهد بدقة، وتحديد زوايا اللقطات بمهنية إبداعية فائقة إذا ما عرفنا أن المخرج هشام الزعوقي ما زال في أولى خطواته لصناعة سينماه، فإن استمر على هذا النحو المدروس فسيجد له مكانة بين أقرانه في صناعة الفن السابع.

بعد عرض فيلم «الغسالة» القصير، قدم محمد خان فيلمه «بنات وسط البلد» آخر أعماله وأدناها قيمة فنية، مع اعتذار بطلتي الفيلم عن الحضور، منة شلبي، وهند صبري، ووقف خان بين «بناته» أقل منهن. فالصورة الجميلة وحدها لم تستطع إخفاء عيوب السيناريو البطيء أولاً، وفاقد الحس بزمن السرد وسياقه وتصاعده أو تطور أحداثه ثانياً. الفيلم عرض خارج المسابقة الرسمية كفيلم افتتاح غير رسمي مع أن مشؤولية فشل الشريط تقع رسمياً على خان، الذي أثبت ان نظرية «المخرج الجيد» يصنع أحياناً «فيلما هابطاً».

«بوسطة عرقتنجي»

«بوسطة»الفيلم الذي وصفته سابقاً بأنه «وطن على أربع عجلات»، دخل المنافسة الرسمية على أفضل عمل روائي طويل، وهو عمل ممتاز للمخرج فيليب عرقتنجي، الذي يعبر عن قضايا عميقة بأسلوب كوميدي، يحوز على الرؤية وعلى المتعة البصرية والفرجة في آن.

فالشاب الموسيقي العائد إلى بلده بعد نهاية الحرب الأهلية، يحمل معه مشروعاً «حداثياً»، يصطدم مع التقاليد المحلية، خاصة وانه يريد ان يمس جانباً فنياً، الفولكلور اللبناني، الذي يتمسك به كل طرف على حدة مدعياً كماله وعدم قبوله إلا كما اعتادوا عليه.

يقدم مخرج «بوسطة» صورة نظيفة، متوازنة بألوانها، تتواءم مع لغة بصرية وإيمائية بسيطة حد الامتناع. وبقدر ما يضحك هو مبك على «اللبناني» الذي فقد ماضيه من دون إعادة النظر فيه والمصالحة معه، وخسر حاضره تحت ضربات القلق على المستقبل. فالفيلم وصاحبه يؤسسان مع آخرين مثل زياد دويري وأسد فولادكار لسينما لبنانية حقيقية ومؤثرة. «بوسطة» منافس قوي في المسابقة، سيكون تجاوزه بالحصول على جوائز صعب.

الأفلام الطويلة الوثائقية

يشترك في مسابقة الأفلام الوثائقية والتسجيلية الطويلة ستة أفلام هي: «من يوم مارحت» للفلسطيني محمد بكري، «مكان اسمه الوطن» أخرجه ناصر عزت من مصر، «العراق أغاني الغائبين»، إخراج ليث عبد الأمير، «وجوه معلقة على جدار» إخراج اللبناني وائل ديب، «نساء بلا ظل» من السعودية إخراج هيفاء المنصور، «أوراق سجينة»، إخراج سعد هنداوي، الأبرز في هذه المسابقة لخبرته الواسعة بالمجالات السينمائية التسجيلية والروائية الطويلة «حالة حب» الحائز على جائزة العمل الأول من مهرجان جمعية الفيلم في العام 2005،

وهو هنا يقدم «أوراق سجينة» عن قصة مثقف يساري مغربي يتعرض للاعتقال لمواقفه المناهضة للسلطة، والذي تشاركه زوجته الفرنسية أفكاره، وترفض ان تتخلى عنه في محنته إلى جانب والدته الأسبانية. الفيلم يسلط الضوء على مسافة بين متناقضين، القمع والحب، أيهما أقوى، وكيف يستسلم الحب الواسع الى الحقد الضيق، فيلم جيد، تقنيات وفنيات فيها الكثير من الشغف البصري.

ومن الأفلام التسجيلية الجيدة، أيضاً «فيلم المخرجة السعودية الوحيدة في المملكة هيفاء المنصور التي تقدم شريطاً جريئاً، يناقش عادات وتقاليد اجتماعية ووصفات للتفكير محدودة تستند الى الدين عنوة وتخاتل الحقيقة ومنطق التطور في الحياة.

الفيلم تعرض لانتقادات واسعة من المتحجرين والمتطرفين، ولاقى إعجاباً من أصحاب القدرة على الانفتاح على الحوار حول ما يمس حياة المرأة في المجتمعات الإسلامية عامة، وفي المجتمع السعودي خاصة. وأهم ما فيه عدم تقريريته، فمع ان المخرجة إمرأة، تقف إلى حد ما حيادية في تحقيق رؤيتها.

روتردام ـ حسين قطايا