في كان 2005 كنا نبحث عن نفسٍ طازج يمنحنا رعشة العتمة عندما تتساقط أضواء الحكايات الإنسانية على بياض الشاشة النقي، لكننا صُدمنا بحمرة الدم تنز في أعيننا، والعنف أو الجريمة، أو الشخصيات الانتحارية بشكلٍ عام تُلاحقنا حتى في أحلامنا بعد يوم منهك من المشاهدة.

في كان 2006 انحاز المهرجان إلى سينما ذات إيقاع بطيء جداً يغلب عليها الحوار، واللقطات المطوّلة التي تُصيب المشاهد أحياناً بالنعاس في عتمة الصالة. أفلام ذات نفس طويل، سواء أكانت في المسابقة الرسمية أم في تظاهرة «نظرة ما»، صحيح إن هذه النوعية من الأفلام على النقيض من أفلام الحركة والإثارة والعنف، لكن عندما تصل إلى درجة التطرّف؛ فإن التوازن المطلوب يختل بمجرّد خروج أوّل متفرّج من الصالة، وربما تكون تظاهرة «نصف شهر المخرجين» قد حقّقت هذه السنة أحد أنجح دوراتها منذ سنوات خلت.

فيلم الافتتاح «شيفرة دا فينشي» تعرّض للنقد الحاد بسبب عدم ارتقائه لمستوى الرواية الشهيرة للكاتب دان بروان التي بيع منها أكثر من ثلاثين مليون نسخة، وتُرجمت إلى لغات كثيرة، بينما عانى فيلم الختام «ترانسلفانيا» للمخرج توني غاتليف من الفبركة الزائفة في نسيج حكاية «زنغارينا» الفتاة المتمرّدة والثائرة، التي تترك المدينة وراءها مع صديقتها «ماري» في رحلة بحث عن فتى أحلامها، وعندما تلتقيه في مهرجان موسيقي، تكتشف أنها وحيدة في العالم، دون حب، أو مرشد، أو مرساة تتشبّث بها.

لولا بعض الأفلام التي لمعت وسط هذا السكون البصري، لكنّا قد حظينا بسنة أخرى غير مرضية من هذا المهرجان العريق، مثل «عائد» الحائز على جائزتي التمثيل النسائي لفريق الفيلم وجائزة السيناريو للمخرج بدرو ألمودفوار الذي أنقذ المهرجان عندما عرض في أيامه الأولى ثم تلاه صمت مطبق حتى جاء «بابل» الحائز على جائزة أفضل إخراج للمكسيكي أليخاندرو غونزاليز إيناريتو، ليأتي بعده بيوم فيلم الجزائري رشيد بوشارب «بلديّون»،

والحائز على جائزة أفضل تمثيل رجالي لفريق الفيلم، فيلم آخر كان متوقعاً له أن يحظى بجائزة ما لكنه خرج من حسابات لجنة التحكيم هو «ترخيص مجاني» للأرجنتيني إسرائيل أدريان كيتانو، المقتبس عن واقعة حقيقية حدثت في بيونس آيرس عام 1977,.

التركي نوري بيلج سيلان، جاء بفيلم «مناخات» جميل وهادئ حول حبيبين ، وفي المقابل لم يكن فيلم الفنلندي آكي كاريسماكي «أضواء في الغسق»، الجزء الأخير من ثلاثيته حول الكآبة الفنلندية مقنعاً بالدرجة الكافية، ولم يكن الإيطالي ناني موريتي في أفضل حالاته مع فيلم «التمساح»، الذي حمل لمحة كوميدية سوداء فاتنة تدور حول شخصية رئيس وزراء إيطاليا سيلفيو بيرلسكوني؛ فيما بدا نظيره الإيطالي باولو سورنتينو في «صديق العائلة» جميلاً في مقدّمته ثم ضائعاً في نهايته.

الأفلام الأميركية في المسابقة لم تُكن محط إبهارٍ هائل، على الرغم من التوقعات الكبيرة: «أمة الطعام الجاهز» للمخرج ريتشارد لينكلاتر حمل في بعض مشاهده قدراً من السخرية السوداء تجاه السياسة الأميركية الرأسمالية، لكنه انتهى إلى هنا، بينما سقطت صوفيا كوبولا بفيلمها «ماري أنطوانيت» في فخٍ الرتابة،

وبفيلم هش تعرّضت له الصحافة الفرنسية بالنقد اللاذع والسباب لما يحمله من تسطيح لشخصية ملكة فرنسا السابقة، ريتشارد كيلي الذي أمتعنا سابقاً بفيلم «دوني داركو»، أتى بفيلم تقدّمي كان يُمكن أن يحظى بنفس الحفاوة التي استُقبل بها فيلمه الأوّل، غير أنه لم يكن سوى نزهة مستقبلية في عالم متهالك، وسط مؤثرات بصرية هائلة.

الأفلام الفرنسية عانت من التطويل والحوارية المكثفة،والفيلم الفرنسي الوحيد الذي كان مثار إعجاب لم يصل إلى حد منحه الجائزة الكبرى كان «فلاندرز» للمخرج برونو دومونت والذي ساهم رشيد بوشارب في إنتاجه، وربما يتشابه في بعض مقاطعه من فيلم «بلديّون»،

حيث المشاهد الحربية والقتالية، وتوّرط مجموعة من الجنود في حربٍ هي ليست لهم بالدرجة الأولى، هو فيلم مصنوع بحرفية عالية ويحكي قصة هؤلاء الجنود الذين يغادرون إلى أرضٍ بعيدة لينخرطوا في قلب العنف، في حين كانوا يمارسون الحب في قريتهم الريفية الجميلة.

بقية الأفلام، مثل «قصر صيفي» للصيني لو يي، الذي تناول موضوعاً مهماً اهتزت له الصين بأكملها في عام 1989 عندما تظاهر الآلاف في ساحة بكين الكبرى، ومثله ضاع الفيلم البرتغالي «شباب في مارس» للمخرج بدرو كوستا في التطويل (157) دقيقة، وسط حوارات لانهائية، ولقطات ثابتة طويلة تستمر في أغلبها إلى عشر دقائق كاملة دون أحداث مهمة تقع في سياقها البصري.

لوتش يُفاجئ الجميع ويختطف الذهب

بينما انصبت الترشيحات كلها على «فولفر» الإسباني، ومن ثم على «بابل» المكسيكي، جاء الايرلندي كين لوتش ليختطف السعفة الذهبية بفيلم «الريح التي تهز الشعير» والذي تدور أحداثه في ايرلندا، العام 1920 عندما يتّحد عمال الحقول مع البلد لتشكيل جيش فدائي لمواجهة فصائل «تان» الغازية والمُرسلة من بريطانيا لمنع استقلال ايرلندا.

هذا الجيش المدفوع بحماسة عشق الوطن، والذود عن أرضه، يقوده الآن «داميان» (سيلان مورفي) الذي يضحي بمستقبله في الطب، وشقيقه «تيدي» (بادريك ديلاني) في حربٍ شرسة وعنيفة من أجل الحرية، وعلى الرغم من الاتفاق على إبرام معاهدة سلمية بين الطرفين لوقف هدر الدماء، إلا أن النصر المؤقت هذا ينهار أمام الحرب الأهلية التي تشتعل، وتجد العائلات نفسها مدفوعة للقتال ضد أحدها الآخر كأعداء ألدّاء، واضعين ولاءهم محط اختبار صعب.

يقول المخرج كين لوتش في مفكّرة الفيلم: «اهتممت بالتاريخ الايرلندي لأوّل مرّة من خلال جيم ألن عندما كتب «أيام الأمل»، قصة جندي تطوّع في الحرب العالمية الأولى، لكنه أُرسل إلى ايرلندا بدلاً من فرنسا. ثم جاءت «مفكرة خفية» الذي يدور حول الأحداث الجارية في الشمال، لكننا كنّا نشعر دائماً بأنها لن تُفهم جيداً من غير معرفة لماذا قُسّمت ايرلندا وكيف نشأ الصدام،

وأعتقد أن ما حدث في ايرلندا في 1920-1922 هو من إحدى القصص المثيرة اليوم مثل الحرب الأهلية الإسبانية التي كانت لحظة محورية حاسمة، وكشفت كيف أن الصراع الطويل من أجل الاستقلال يبدو فاشلاً في لحظات النجاح حيث أن قوّة المستعمر في تجريد نفسه من إمبراطوريته حيث لا يزال يحتفظ بأهدافه الإستراتيجية في المكان.

هذا النمط يتكرّر مرّة تلو الأخرى وهذا التلاعب من القوّة الحاكمة -مهما كانت أهدافها ـ سوف يوحّد الصفوف في وجه الاضطهاد الجماعي ولابد أن كم التناقضات هذه ستجد طرقها الخاصة،وأنا متأكّد أنك ستلقاها في أماكن مثل عراق اليوم، حيث أن المقاومة الشعبية ضد أميركا وبريطانيا ستجمع الكثير من الناس من ذوي الاهتمامات والأهداف المختلفة لتجبر المحتل على الخروج.

كان التحدي الأكبر أمامنا هو في كيفية إيجاد توازن بين أصالة الحقبة الزمنية التي جرت فيها الأحداث، وبين الإبقاء على المشاعر طازجة في الفيلم. من المستحيل إعادة صنع الماضي بالضبط، ولكنك تحاول التقرّب إليه للقبض على روحه متفادياً أيه كلاشيهات وبروباغاندا مضلّلة».

وُلد كين لوتش في عام 1936، في بريطانيا، المملكة المتحدّة، ويُعتبر «الريح التي تهز الشعير» هو الفيلم رقم (42) في سلسلة الأفلام التي أخرجها، سواء أكانت تلفزيونية، أو قصيرة، أو روائية طويلة. حاز على جوائز كثيرة في مشواره السينمائي، وربما تظل بعض من أفلامه محفورة في الذهن، مثل: «بقرة فقيرة» 1967، «كيس» 1969، «ريف راف» 1990، «تمطر حجارة» 1993، «أرض الحرية» 1995، «أغنية كارلا» 1996، «اسمي جو» 1998، «السادسة عشرة الرائعة» 2002.

جائزة حمراء

جائزة لجنة التحكيم الخاصة ذهبت للفيلم البريطاني «طريق حمراء» للمخرجة أندريا أرنولد، وهي جائزة غير متوقعة كون الفيلم لا يعدو عن فيلم تلفزيوني بسيط، ربما تحمل فكرته بعضاً من التشويق على الصعيد السردي، لكنه لا يذهب بعيداً عن هدفه.

الفيلم هو الأوّل من سلسلة أفلام ستنتجها «أدفانس بارتي كونسيبت» لثلاثة مخرجين يطوّرون سيناريوهاتهم في ورشة «سندانس»، بحيث تدور حول نفس المجموعة من الشخصيات، وعلى الأحداث أن تقع في «سكوتلندا»، لكن يمكن للشخصيات أن تتحرّك بحرية ضمن أي نطاق جغرافي، أو اجتماعي أو عِرقي، وعليها أن تظهر في كل الأفلام، وفي نفس الأدوار.

«طريق حمراء» هو أوّل فيلم طويل للمخرجة أندريا أرنولد، التي أخرجت مسبقاً ثلاثة أفلام قصيرة: «زنبور» عام 2003، الحائز على جوائز كثيرة في العديد من المهرجانات الدولية، و«كلب» عام 2001، و«حليب» في 1998.

كان ـ مسعود أمرالله آل علي