حين تستمع إلى «موالاته»، يفيض بك الحزن والشجن العراقي من جنوبه إلى شماله في أرض السواد، أما حين يشدو في الغناء بعدها ، فإن رخامة صوته ودفء كلماته ، تذكرنا بسعف النخيل وهو يتمايل للمحبين في البصرة ، إنه الفنان العراقي أحمد الصياد، الذي يمتلك عدة أصوات في صوت واحد، لنتعرف عليه أكثر في الحوار التالي :

* كيف كانت البدايات الفنية ؟

- تخرجتُ من كلية الفنون الجميلة في بغداد عام 2000، ودرستُ العود على الموسيقار العراقي الكبير علي الإمام،وكانت مشاركاتي الأولى في المدرسة، و ذات مرة كنت أغني «يا شمسية تعالي نخلنا دوم عالي» وما كدتُ أنتهي من الأغنية حتى بدأ المطر ينهمر على رؤوسنا كالطوفان، وهرب الطلاب والمدرسون إلى داخل الصفوف، وعندها عاتبني الطلاب قائلين: «ماكو غير هذه الأغنية جعلتها تمطر على رؤوسنا»، أما شرائي لآلة العود فقد بدأ بكذبة،

حيث كان والدي متشدداً في رفض الفن وكل ما يمت له بصلة، ورفض شراء آلة عود طلبتها، فاحتلتُ على الأهل وصرتُ أعمل بكد بعد ساعات المدرسة بحجة أني أذهب إلى دورة رياضية، وكان سعر العود آنذاك يتراوح ما بين 75و300 دينار عراقي حسب جودة العود، وكان عملي مع عمال البناء ولم يتجاوز عمري آنذاك 14 عاماً،

وكان لي ما أردتُ واشتريت العود بعد عناء ومشقة كبيرتين، وتمرنت في البداية على يد أحد العازفين واسمه عبد الرحمن الجاسم، فدرست العزف والمقامات، وصرتُ أغني وأعزف في الأعراس حتى ذاع صيتي في المنطقة، ثم سجلتُ أول شريط لي عام 1993 بالتعاون مع الفنانين ضياء الدين وعلي العتابي، ثم أصدرتُ الشريط الثاني وأهديته إلى روح الفنان الكبير رياض أحمد ،

ثم شاركتُ في أوبريت «أخوة يوسف» مع مجموعة من فناني العراق، وكانت الوقفة الثانية في مشواري الفني بعد غربتي عن العراق، حيث سجلت عدة ألبومات منها «الخشابة» و«مو بعتني» ، كما أنتجتُ أغنية «جرح بغداد» من كلمات محمد الطائي، وأجهز حالياً لألبوم جديد سيطرح في الأسواق قريباً.

* أي من الأطوار الغنائية العراقية تشعر أنه قريب إلى قلبك؟

- قبل أن أتكلم بخصوص الأطوار الغنائية العراقية التي أغنيها؛ فيجب أن أشير إلى نقطة مهمة جداً، وهي التنوع الكبير الذي يحظى به العراق من ألوان وأطوار غنائية، فهناك الغناء الريفي الذي يضم أطواراً عدة، وهناك المقام العراقي الذي يجاوز الأربعين في أنواعه، وهناك الغناء البدوي أو غناء البادية مثل «السويحلي» و«النايل» وغيرهما، وغناء المدن والأطوار الفراتية، وعشرات من الألوان الغنائية،

وأعتقد أن هذا التنوع في الغناء أسهم في إثراء طبيعة الغناء العراقي وعمق محتواه وأصالة جذوره، وأرى أن الفنان يجب أن يعرف معرفة حقيقية لتراثه الغنائي قبل دخول الساحة الفنية، أما بالنسبة للأطوار الغنائية القريبة من قلبي؛ فهي الأطوار الريفية وغناء الموال بأشكاله المختلفة،

وباعتقادي أن جذور هذه الألوان تعود إلى أيام قديمة في تاريخ العراق، وهي تحتاج من المطرب إضافة إلى موهبة الصوت، موهبة أخرى تتمثل بالتحكم في «القرارات» و«الجوابات» بدرجاتها وطبقاتها المختلفة، وقد بات السؤال عن سر الحزن في الغناء العراقي، ملازماً لكل لقاء مع فنان أو مقالة تكتب عن الغناء العراقي،

وأضيف هنا سبباً وعلة لذلك الحزن ربما لم تذكر سابقاً؛ وهي أن أجدادنا في المنطقة الجنوبية وما قاربها من منطقة الفرات والتي يظهر في ألوانها الغنائية الحزن العميق والواضح، كانوا حين ينزل بهم الظلم من قبل رجال الإقطاع وشيوخ العشائر الظلمة، كانوا يسلون أنفسهم وينفثون عن اضطهادهم عبر غنائهم كلمات حزينة بألحان شجية، وأشير إلى أن أطروحتي للتخرج كانت عن حياة الفنان الراحل داخل حسن، الذي كان يمثل بصدق حزن أبناء الجنوب والعراق ومشاعرهم الإنسانية الحساسة.

* هل تعتبر طريقتك في الغناء امتداداً لمدرسة الطرب العراقي «رياض أحمد»، ولماذا تأثرت بهذا الفنان دون غيره، وكيف تصف الغناء العراقي الحديث الذي نظر إليه البعض على أنه «سلّة فاكهة» ليس إلا؟

- قبل أن أجيب؛ أود القول، إن الكثير ممن اشتهر من فناني العراق اليوم، ووجدوا حضوراً لهم في الساحة الفنية العربية، ابتعدوا عن الفن العراقي والأسلوب الغنائي العراقي؛ لا في الألحان فقط، بل حتى المفردات، فتجد مفردات من لهجات عربية متعددة، في الأغنية الواحدة، وتجد قالب الأغنية ولحنها بعيداً عن كل البعد عن روح الغناء العراقي،

وربما كان هذا أحد أسباب شهرتهم وتقبلهم من قبل الساحة والجمهور العربي، بينما لم يجد العديد ممن غنى الطرب العراقي بصوره الأصيلة الصدى المتوقع لهم، وهذا الأمر يجدر بباحثي الموسيقى والغناء التطرق له والبحث فيه، أما بالنسبة للسؤال؛ فأقول، نعم، أنا أعتبر الفنان الراحل رياض أحمد بمثابة «أب روحي» لي ولكل فنان عراقي يحاول أن يقدم نفسه للناس عبر بوابة الفن العراقي التي تمتلك من الخصوصية ما لا تمتلكه مدارس أخرى، وأعتقد أن صوت رياض أحمد، هو صوت العراق الذي لن يموت،

وللأسف فقد أساء بعض المحسوبين على الغناء العراقي للغناء العراقي نفسه، وأساءوا إلى مدرسته العريقة سعياً وراء المال وجني الأرباح فقط، ورغم ذلك فهناك العديد من الفنانين العراقيين االأصيلين في العصر الحالي، الذين يقدمون فناً سيكون خالداً وتتلقفه الأجيال القادمة.

* رغم أننا نعرف بأن أطوار الغناء الجنوبية والتي تتداخل فيها مفردات ما يسمى «الحسجة- بتعطيش الجيم» هي الأكثر تعبيراً عن روح الإنسان العراقي؛ إلا أننا لا نجد لهذه الأطوار انتشاراً في العالم العربي، ما السبب في ذلك؟

- حين ننظر إلى جغرافيا اللهجات العراقية نجد أنها متنوعة وكثيرة، وأعتقد أن صعوبة فهم بعض المفردات الجنوبية التي تنتشر في منطقة أهوار العراق وتعرف بالحسجة؛ أن صعوبتها، ليس في العالم العربي فقط، بل في داخل العراق أيضاً في بعض المناطق الحضرية،

ورغم انتشار هذه المفردات في بعض مناطق الجوار العراقي كمنطقة «الأهواز» في إيران وبعض مناطق الخليج وسوريا، إلا أن انتشارها يبقى محدوداً من حيث الغناء، وأثبتت دراسات عديدة أن العديد من مفردات هذه اللهجة تعود إلى جذور سومرية وأكادية قديمة جداً، تم تناقلها عبر سكان الجنوب العراقي جيلاً بعد آخر، ولهذا السبب أجد أن على الفنان المؤدي للأطوار الجنوبية العراقية بتلك اللهجة، أن يراعي المكان الذي يغني فيه،

وأن يبدل بعض المفردات بمرادفات أخرى من اللهجة العراقية تكون أقرب للفهم بالنسبة للمستمع العربي، وهذا ما أسميه باللهجة الثالثة التي تقف بين «الحسجة» والمفردة العربية في الدولة المجاورة، وغني عن القول إن جميع الأطوار الغنائية في العراق هي أطوار غنائية فطرية غير مؤسسة أكاديمياً ، ولكنها منسوجة وفق «هارموني» يصعب تفسير سحره وتتبع جذوره .

أبوظبي ـ محمد الأنصاري