من الواضح أن لقطاع التصنيع ككل دوراً مهماً ليس فقط من حيث إسهامه الحالي في الناتج القومي الإجمالي لدول مجلس التعاون وإيجاد وظائف جديدة، بل كذلك في إمكانية مساهمته في النمو الاقتصادي المستقبلي. وبغض النظر عن دور النفط وحجم مساهمته، فإن هذه الدول بحاجة إلى وضع برنامج تنويع اقتصادي فعّال.
ويجب أن تأتي الصناعة في سلم الأولويات ولكن من دون أن تقوم على الاعتماد الكلي على النفط والغاز وإنما من خلال تطوير قطاع الصناعات الإنتاجية مع تنشيط الدور الذي يلعبه الصناعيون من القطاع الخاص لتطوير صناعات صغيرة ومتوسطة الحجم تتوافر لديها القدرة على صنع وإنتاج منتجات تنافسية تحل محل الكمية الضخمة من المنتجات المستوردة الموجودة حاليا مع توجيه جزء من منتجاتها نحو التصدير للخارج. وسوف يساهم ذلك في جذب الاستثمارات الأجنبية عن طريق تقديم الحوافز الخاصة للمستثمرين الأجانب.
وكذلك تشجيع الصناعات على الدخول في اتفاقات وتحالفات استراتيجية للأخذ بأساليب التقنية الحديثة والمساعدة في استيعاب ونقل التقنية.
ان سد الفجوة بين النمو الاقتصادي الفعلي والنمو الاقتصادي المطلوب خلال الفترة المقبلة يتطلب إيلاء اهتمام اكبر بالاستثمار في القطاع الصناعي.
وهناك اتفاق شبه عام في القطاعين العام والخاص على ضرورة رفع معدلات النمو الاقتصادي. وبدون اتخاذ الحكومة إجراءات مهمة ومدروسة وعاجلة ولاسيما في قطاع التصنيع، فإنه لا يمكن توقع تحقيق هذا الهدف في المستقبل القريب.
ووفقاً للمؤشرات الأساسية لدور القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني في دول التعاون، فإن أغلبها يشير إلى تواضع هذا الدور سواء من حيث حجم مساهمته في التكوين الرأسمالي الثابت، أو مساهمة الصناعات التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي، وكذلك بالنسبة لحجم توظيف العمالة الوطنية بالمقارنة مع حجم العمالة الموظفة.
ان ذلك يعود إلى جملة من الحقائق التاريخية والموضوعية والذاتية التي نعتقد أن تحليلها هو مهمة تقع خارج نطاق هذه المقالة. الا أننا نظل مع ذلك مؤمنين بأن تنشيط وتوسيع دور القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني بشكل عام، وفي التطور الصناعي بشكل خاص يتطلب الوقوف بعمق أمام هذه الأسباب وتحليلها، وإيجاد المعالجات الضرورية للتعامل معها.
أي أن المطلوب معالجة دور القطاع الخاص في التصنيع وفقا للمدخل الاقتصادي الكلي أولا الذي ينطوي على التعامل مع إعادة هيكلة الاقتصاد وأسس وآليات نموه وفقا لفلسفة اقتصادية ومنظور استراتيجي متكاملتين، ومن خلال ذلك يتم الخوض في تفاصيل القضايا المرتبطة بهذه المهمة.
وهنا تواجهنا صعوبة أخرى وهي مدى توفر المعلومات والبيانات اللازمة لتحليل دور القطاع الخاص في نشاط التصنيع والصادرات الصناعية. وقضية توفر المعلومات والبيانات الاقتصادية والصناعية على جانب كبير من الأهمية يقتضي معالجتها على وجه السرعة.
ومع ذلك، فإن الحجم الكلي لاستثمارات القطاع الخاص في الصناعة قد شهد تطورا كبيرا خلال السنوات الماضية بفضل سياسات التنويع الاقتصادي وقيام العديد من الصناعات الكبيرة. إلا أنه عند مقارنة هذا الحجم مع حجم المدخرات المالية للقطاع الخاص فإنه يتضح أن القطاع الخاص قادر على تنمية استثماراته الصناعية بشكل أكبر إذا ما تم التعامل مع القضايا والمعوقات التي تواجه الاستثمار الصناعي.
ان هيكل التصنيع للقطاع الخاص الخليجي يتسم بعدة سمات أساسية، أولها أنه يتركز في الصناعات القائمة على النفط والغاز والألمنيوم. كما أن معظم منتجات هذه الصناعات موجهة للأسواق الخارجية. وثانيا، أن المساهمة الرئيسية الأخرى العائدة للصناعات غير المعدنية ترتبط باحتياجات قطاع المقاولات والإنشاءات، وبالتالي، فهي موجهة أساسا لتلبية احتياجات السوق المحلي.
إلا أنه يمكن الاعتراف بأنه طرأت تغيرات على هيكل الصادرات الخليجية خلال السنوات العشر الماضية، إلا أن جانبا من هذه التغيرات في بعض الدول الخليجية ارتبط بمتغيرات خارجية وظل بعيدا عن ملامسة المفهوم السليم للتنمية الصناعية. فلو أخذنا مثلا البحرين لوجدنا أنه طرأ نمو كبير في حجم الصادرات الصناعية للقطاع الخاص خلال السنوات العشر الماضية، تزامن معه تبدل واضح في هيكل هذه الصادرات.
ويلاحظ أولا أن هذه الصادرات باتت تعتمد بنسبة 55% على صناعة المنسوجات. وكون أساسيات هذه الصناعة تتعرض اليوم للعديد من التحديات الرئيسية بعد انتهاء عصر الكوتا، فإن ذلك يشير بصورة واضحة إلى الخطر المحدق المحيط بمجمل صادرات القطاع الخاص، الأمر الذي يتطلب مراجعة جدية لهذه القضية من كافة جوانبها، وانعكاساتها على الاقتصاد الوطني.
وينطبق نفس القول ولكن بمضمون آخر على صادرات الصناعات الكيماوية والمعدنية التي تشكل 3. 32% من صادرات القطاع الخاص في البحرين، حيث تعتمد هذه الصناعات في الوقت الحاضر على توفر المواد الأولية الرخيصة والمدعومة مثل الغاز الذي يباع بأسعار مدعومة بشكل كبير لشركة البحرين للألمنيوم.
وسوف يولد التزام البحرين باتفاقيات منظمة التجارة الدولية ضغوط متزايدة على كافة أشكال الدعم الحكومي المقدم للصناعات الوطنية.
ان القطاع الخاص الخليجي يمتلك إمكانيات كبيرة لزيادة حجم استثماراته الصناعية، كما يستدل من حجم ودائعه لدى القطاع المصرفي في الخارج.
ويمكن للقطاع الخاص أن يلعب دورا أساسيا في تنفيذ برامج الحكومات الخليجية التي تعتزم التركيز على صناعات الاقتصاد الجديد. وهذا من شأنه إدخال تعديلات إيجابية جوهرية على هيكل الصادرات الوطنية في دول المجلس توفر لها النمو والاستقرار بالمقارنة مع هيكلها الحالي القائم على صناعات مهددة بالانتهاء أو قائمة على الدعم الحكومي.
ان تحقيق ما ورد في الفقرة السابقة، يتطلب أولا وكما ذكرنا وضع الإطار الكلي لفلسفة واستراتيجية التنمية الاقتصادية في دول مجلس التعاون الخليجي ودور القطاع الخاص فيها، كما يتطلب التعامل مع الكثير من المعوقات والمشاكل التي تعترض الاستثمارات والصادرات الصناعية للقطاع الخاص والتي تم تناولها بالتفصيل في مقالات سابقة.
كاتب بحريني