من البديهي القول إن سرعة انتشار جرائم غسل الأموال وأدواتها المتعددة والتي تأخذ في الغالب طابعا عالميا من خلال تحويل الأموال من مكان إلى آخر بواسطة البنوك أو المؤسسات المصرفية والمالية الأخرى، يجعل من ضرورة تلاحم الجهود الدولية في مواجهة هذه الجريمة أمرا غاية في الأهمية.

ولذلك فقد حرصت معظم دول العالم - والدول المتقدمة خاصة - على إصدار تشريعاتها الوطنية لمحاربة جرائم غسل الأموال وإيقاع العقوبات الصارمة بحق مرتكبيها. كما حرصت دول العالم على الدخول في اتفاقيات دولية فيما بينها لتنظيم وتأطير جهودها في هذا المجال، ومنها إنشاء لجنة مالية لمكافحة غسيل الأموال خلال قمة الدول الصناعية في باريس عام 1989.

وقد وضعت هذه اللجنة مذكرة التوصيات الأربعين عام 1990 والتي عدلت في العام 1996 لتنسيق وتنفيذ قوانين مكافحة غسل الأموال في المراكز المالية العالمية، فضلا عن العمل كذلك بما جاء في ميثاق فيينا. وقد انضم إلى هذه اللجنة 29 دولة وهيئتان دوليتان هما الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي.

وتضع هذه التوصيات أسس العمل في مجال محاربة غسيل الأموال بشكل مرن دون أن يهدد التنمية الاقتصادية أو حرية الأفراد والمؤسسات الوطنية أو الدولية. وتتولى كل دولة متابعة ورقابة تطبيق هذه التوصيات وتقوم بإعداد تقويم سنوي ذاتي وآخر مشترك مع الدول الأخرى. وتهتم هذه التوصيات بإبراز أهمية ضرورة عدم إساءة استخدام قوانين السرية المصرفية للحد من نفاذ هذه التوصيات.

وقد ثبت بالفعل أن التعاون الدولي مهم في إعمال تطبيق التوصيات والالتزام بها بعد أن صادقت عدة دول على هذه الاتفاقيات والتوصيات واتخذت الإجراءات اللازمة لمحاربة غسل الأموال والتي حددت الإطار العام لمحاربة غسل الأموال.

وتستهدف هذه الاتفاقيات والتوصيات ملاحقة الأموال المتحصلة عن تجارة المخدرات والرقيق الأبيض والجريمة المنظمة وجميع الأعمال الإجرامية بصفة عامة. وتشمل هذه الاتفاقيات القطاعين العام والخاص والمؤسسات المالية والقطاعات الأخرى المرتبطة بها. ويرتكز القانون على تبادل المعلومات عن غسيل الأموال بين وحدات المخابرات المالية والمؤسسات المالية والشركات ووزارات العدل في الدول الأعضاء وكذا التعاون مع صندوق النقد الدولي الذي أنشأ قسما خاصا لمحاربة غسل الأموال.

وعلى الرغم من أن جميع الدول العربية قد سنت قوانين مختلفة لجذب الاستثمارات الخارجية وتأمين حرية التجارة فقد وضع معظمها في الاعتبار أهمية شفافية المعلومات المتعلقة بمصدر الأموال الأجنبية. كما انضمت معظم الدول العربية إلى اتفاقية الأمم المتحدة (فيينا عام 1988) لمحاربة التحركات غير الشرعية في تجارة المخدرات والعقاقير المخدرة، وتبنت حكومات الدول العربية تشريعات لمحاربة دخول الأموال المشبوهة بطرق غير شرعية إليها، إلا أن التعاون الفعلي فيما بينها لا يزال تعوقه الحدود السياسية وتضارب المصالح.

وفي المقابل نجد أن جميع دول مجلس التعاون الخليجي تعمل بشكل جاد لوضع أنظمة وقوانين صارمة تمنع حدوث عمليات غسل الأموال في المنطقة. والسؤال المطروح الآن ما مدى تأثير هذه التشريعات في الحد من الاستثمارات أو تشجيع المستثمرين على الاستثمار؟

نؤكد هنا أن التشريعات التي تصدر بهذا الخصوص هدفها الحد من هذا النوع من الجرائم وحماية اقتصاد الدولة من ظهور هذه الجرائم، وبالتالي فإن مثل هذه القوانين لا تقف عائقا أمام تشجيع الاستثمار ولا يمكن أن تتعارض مع قوانين الاستثمار في تلك الدول، حيث إن المشرع يصدر القانون ويضع له ضوابط وآليات عمل معينة بما يكفل عدم تأثر حقوق الأفراد والشركات التي تمارس العمل بشكل قانوني وكذلك تضمن عدم التعرض للأموال التي يثبت بأنها قد دخلت الدولة بشكل سليم ووفقاً لقوانين الاستثمار المعمول بها.

إن إصدار التشريعات الخاصة بتجريم غسل الأموال ووضع الضوابط والآليات التي يمكن أن تحد من انتشارها محليا ودوليا تعتبر ظاهرة إيجابية، كما أن الجهود الدولية مستمرة بهذا الشأن لحرمان المجرمين الذين يمارسون هذه الجريمة من التمتع بثمرات جرائهم ومن أبرز الجهود المبذولة إعلان بال بشأن منع استخدام النظام المصرفي لأغراض غسل الأموال والعديد من توصيات اللجان والمؤتمرات التي عقدت بهذا الشأن.

ونحن نقول هنا إنه لا بد من اتخاذ وسائل الحيطة والحذر في التعامل مع الأنشطة المصرفية المختلفة نظراً لأن تركيز مرتكبي جرائم غسل الأموال يقع على هذه المؤسسات المالية باعتبارها حقلاً خصباً لتجارتهم خصوصاً إذا كانت الدول التي ترعى هذه البنوك أو التي في ضيافتها تعاني من عجز في النظام الرقابي العام للدولة.

وعليه يجب: (1) تبني المزيد من الإجراءات الرقابية لآليات العمل المصرفي - وتحديدا الحوالات المالية والتجارة الوهمية - التي تتم من خلال البنوك (2) التحقق من شخصية العميل خصوصاً الشركات والمؤسسات مع عدم التفريط في أي معلومة مهما كانت (3) عدم قبول أي عميل يخفي معلومات سواء كان عن قصد أو عن غير قصد (4) يجب الانتباه إلى أن المنظمات التي تعمل في غسل الأموال عادة ما تقوم بتغيير أنشطتها (5) ضرورة تقديم تقارير دورية حول نشاط البنك مع تحليل لها من قبل المصارف المركزية.

مؤسس مجموعة الوصل الدولية