افتتح مهرجان روتردام للفيلم العربي مساء أمس دورته السادسة بالفيلم الروائي القصير «الغسالة» لمخرجه السوري هشام العزوقي، بينما تنطلق اليوم فعاليات المهرجان، خاصة الأفلام المنافسة الموزعة على أربعة أقسام، الروائي الطويل والقصير، والوثائقي الطويل والقصير، اضافة إلى فعاليات أخرى مثل: «سينما السلام» و«قافلة السينما العربية الأوروبية» وغيرها من نشاطات وندوات تقام حتى الخامس من الشهر المقبل.
وتكمن ميزة مهرجان روتردام للفيلم العربي بأنه يقام في بلد أوروبي، في لحظة نحتاجها على كل المستويات الثقافية والسياسية وسواها، بعد تشويه صورة العربي والمسلم على امتداد مساحات الغرب ضمن خطة مرسومة بدقة، تنعته تارة بصورة الجهل وتارة أخرى بصورة «التطرف» والسينما عامة من أكثر الوسائل الفنية القادرة على ان تعبر عن الواقع والحقيقة.إذ ان واقعيتها جزء من بنيتها وآلياتها. والحقيقة لأن العدسة التي تخلقها عين الإنسان، الذي يرى ضرورة التسلل من خلف الصورة الأولية النمطية إلى كنه الحياة.
والميزة الثانية للمهرجان، أنه النشاط السينمائي الوحيد في العالم المتخصص بالسينما العربية، وهذا أمر بحد ذاته مفاجئ لكثيرين، فكل المهرجانات السينمائية في العالم العربي هي مهرجانات دولية، وهذا شيء مؤسف ليس بسبب المهرجانات ذات الطابع العالمي.
وهي مفيدة جدا بل لان تجربة السينما العربية تحتاج الى الدعم والتخصص، وهذا ما يتاح عادة من قبل المهرجانات السينمائية.
أما الميزة الثالثة لمهرجان روتردام للفيلم العربي فهي اهتمامه بالانتاجات العربية للأفلام القصيرة، الروائية والوثائقية التي تكاد تنتج ولا يعرف عنها المشاهد العربي شيئاً فتبقى أعمالاَ مجهولة، تدخل صاحبها في عدم الاستمرار والانزواء.
دخول فيلم «عمارة يعقوبيان» المنافسة على جائزة أفضل فيلم روائي طويل وضع على لجنة التحكيم هماً، وقدراً من العمل، خصوصاً وان الفيلم يعتبر من أضخم انتاجات السينما العربية المصرية، وجمع عدداً كبيراً من النجوم من أمثال عادل امام، ويسرا، ونور الشريف، واسعاد يونس، وهند صبري، وسمية الخشاب، وأحمد راتب، وأحمد بدير، وغيرهم.
والفيلم هو باكورة المخرج مروان حامد، عن سيناريو كتبه والده وحيد حامد في اقتباس بالاسم ذاته، وحاز على جائزة العمل الأول في مهرجان «تريبيكا» السينمائي.
سبقت الفيلم حملة إعلانية ضخمة على الطريقة الهوليوودية فخلال تصويره العام الماضي واكبت وسائل الإعلام المنوعة عملية التصوير ونشر الأخبار عمن التحقوا بالفيلم، ومن اعتذر، ومن عاد فقبل، وذلك بشكل يومي ضجر منه الكثيرون. والأهم من هذا كله أن يكون العمل جيداً وليس الإعلان عنه فقط.
وإلى جانب فيلم «عمارة يعقوبيان» تأتي مجموعة أفلام قوية، وأخرى ضعيفة. ومن الأفلام القوية «ظلال الصمت» من إخراج عبدالله المحيسن، وهو أول فيلم روائي سعودي في ساعتين إلا عشر دقائق، يناقش كما يقول مخرجه، عجز الإنسان أمام من يستغله ويحوله عن ذاته إلى ما يشبه الآلة.
«خشخاش» عنوان مثير اختارته المخضرمة السينمائية التونسية سلوى بكار لفيلمها الجديد، الذي يدور حول فتاة ريفية تتزوج برجل يكبرها سناً، وهو برجوازي وهي فقيرة جداً، من لعبة تناقضات تدفعها للإدمان على «الخشخاش» إلى أن تلتقي بحياتها وروحها الضائعة في مركز صحي، حيث تتعرف على شاب من طبقتها الاجتماعية فتغرم به.
أما فيلم «دوار النساء» للمثل والمخرج الجزائري محمد شويخ، فيدور حول قصة واقعية اعدها شويخ للسينما، حول مجموعة من النساء في قرية معزولة في الجزائر، يحملن السلاح لدفاع عن انفسهن نتيجة مهاجمة الارهابيين لهم على الدوام.
وهذا الفيلم ليس الوحيد في مسابقة الأفلام الروائية، الذي يتناول «الحروب الصغيرة» التي تشتعل في أكثر من مكان في العالم العربي، حيث يأتي في هذا السياق فيلم «بوسطة» للمخرج اللبناني فيليب عرقتنجي الذي يقدم عملاً قوياً في مستواه البصري والتقني والفني.
وبقدر ما هو بسيط في حبكته بقدر ما هو عميق في تناوله الحرب اللبنانية في بعديها الاجتماعي والانساني وانعكاسها علي الشباب اللبناني المقيم والمهاجر معا، وقد يكون حظ الفيلم في الفوز قليلا بالجائزة الاولى لافضل روائي، لكنه حتما يستحق جائزة مرادفة.
وفي انتاج مصري، فرنسي، لبناني مشترك، تقدم اللبنانية جوسلين صعب فيلمها «دنيا» العمل الذي رفضه الكثير من النقاد اضافة الي تعرضه لمشكلات كثيرة حول هويته الانتاجية ان كانت مصرية أم لا. مع ان العمل جريء في طرحه قضايا تعتبر من كلاسيكيات «الصمت» العربي حول شؤون الحياة، إلا أن السيناريو ضعيف. ويكاد يكون هزيلاً في تراكيب الشخصيات وتطورها الدرامي.
«انتظار» عنوان فيلم الفلسطيني رشيد مشهراوي الذي يصور «الانتظار» لشعب فقد غده وينتظر العدم في واقع معدوم. فالانتظار الفلسطيني لم يعد مرحلة بل زمناً كاملاً، ويبدو سلوكاً للإنسان الفلسطيني اللاجئ والمقيم تحت الاحتلال، أو الحامل للجنسية الإسرائيلية.
ففي داخل الأراضي المحتلة ينتظرون زوال الاحتلال ولقاء الأهل والأصدقاء، والذين غادروا ينتظرون العودة. فيلم كوميديا سوداء حاز على جوائز عدة، وعلى إعجاب النقاد حين عرض في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي في دورته الأخيرة، على هامش المسابقة الرسمية.
ولعل أضعف أفلام المسابقة عمل المخرج السوري نضال الدبس «تحت السقف» المشغول بأسلوب يلامس أسلوب رائد السينما الشعرية الروسي أندريه تاركوفسكي، وهذه معضلة من أكبر معضلات السينما الروسية التي في كثير من الأحيان تبدو صورة طبق الأصل عن اتجاهات السينما الروسية.
وبالطبع هناك إنجازات في السينما السورية الحديثة مثل أعمال محمد ملص في «العليل» و«باب المقام»، أو أسامة محمد في «نجوم النهار»، وسواهما ممن قدموا سينما لها نكهتها الخاصة والمحلية.
«يوم جديد في صنعاء» للمخرج اليمني بدر بن هرسي، حاز فيلمه الأخير على جوائز عدة من بينها جائزة أفضل فيلم في مهرجان القاهرة السينمائي الأخير، وهو هنا يشكل منافسة قوية، لأكثر الأفلام قوة منها الفيلم العراقي «أحلام» لمخرجه محمد الدراجي الذي صور فيلمه بعد سقوط نظام صدام حسين في بغداد، عن قصة شابة تدعى أحلام، تنقلب حياتها رأساً على عقب بعد أن يختطف زوجها وتصبح في مواجهة خطر الاستسلام الى المبتزين.
روتردام ـ حسين قطايا:

