يعتقد الشباب في أميركا أن العمل مجرد كلمة من بضعة حروف، ويعتقدون انهم يستطيعون الوصول لقمة الهرم الوظيفي وتقاضي رواتب من 50 ـ 75 ألف دولار سنوياً بينما لم يفعلوا أي شيء للحصول على هذا المنصب.

انتشرت هذه الملاحظة في أميركا بعد أن طرحتها هيلاري كلينتون في حديثها أمام الغرفة التجارية الأميركية بشأن الحاجة إلى ترسيخ قيمة العمل عند الشباب.

وطالبت كلينتون العضو في مجلس الشيوخ وتتقاضى ابنتها تشيسلي راتباً مرتفعاً وتعمل ساعات طويلة كمستشار إداري لشركة مكنزي بترسيخ قيمة العمل بشكل أفضل. لكن ابنتها اعترضت على ذلك وقالت انها وزملاءها يعملون بجد وكد، فاعتذرت الأم.

لكن الحلقة المفقودة في الجدال حول ما إذا كان شباب اليوم يعرف كيف يعمل، هو الدليل المتراكم الذي يطرحه خبراء الاقتصاد حول أهمية تجاهل نصائح المدرسة القديمة التي تقول بصعود السلم من بدايته، درجة درجة. ويعتقد الخبراء أنه بدلاً من ذلك يتعين على الخريجين الجدد محاولة تنفيذ ما لا تفضله المدرسة القديمة، وأن ينظروا إلى القمة مباشرة ويحاولوا الوصول إليها.

وتوضح بعض الأدلة أنه في ظل الاقتصاد الحالي فإن البدء من الصفر سيؤدي إلى تقاضي رواتب صغيرة لفترة طويلة جداً. والوظائف الأولى التي يشغلها الخريجون الجدد تؤثر في مستقبلهم المهني ومستوى الدخل المتوقع أن يحصلوا عليه، لأن خبراء الاقتصاد يهتمون بمستوى الدخل طوال الوقت.

وتعني أهمية الوظيفة الأولى في المستقبل المهني أيضاً أن يظل الخريج الحديث معتمداً كلياً على تقلبات عشوائية في الاقتصاد، الذي قد يلعب دوراً حيوياً في جودة ونوعية الوظائف المتاحة عندما ينهي الشباب دراسته. وهذا نبأ طيب لخريجي العام الحالي الذين يدخلون قوة العمل والاقتصاد في حالة قوية وصحية، لكنه ليس طيباً لقدامى الخريجين الذين تأثروا بالركود وحصلوا على وظيفتهم الأولى في تلك الأجواء ويحاولون الصعود من جديد الآن.

وقد تابع بول أوير الخبير الاقتصادي الباحث في كلية ستانفورد للاقتصاد، المستقبل المهني لخريجي الكلية منذ عام 1960 حتى 1997.

واكتشف أوير أن أداء البورصة في العامين اللذين تولى فيهما الخريجون الجدد عملهم الأول، لعب دوراً مهماً في توليهم وظائف مصرفية في مصارف استثمارية عند التخريج أم لا، لأن هذه الوظائف تعود برواتب مرتفعة تزيد على متوسط رواتب هذه الفئة من الخريجين وهذا ليس أمراً غريباً. والمدهش فيما اكتشفه اوير ان الاختلافات في الدخل بين الدفعات المتخرجة ظلت قائمة حتى بعد مرور عشرين سنة.

مثلا الدفعة التي تخرجت من ستانفورد عام 1988 دخلت سوق العمل عقب انهيار البورصة مباشرة عام 1987. ولم تكن البنوك توظف موظفين جدداً ولذلك كان متوسط اجور هذه الدفعة أقل من متوسط رواتب دفعة 1987 أو الدفعات التالية التي تخرجت بعد انتعاش البورصة. وبعد عقد أو أكثر من الزمان ظل دخل خريجي دفعة 1988 منخفضا فقد فقدت هذه الدفعة الوظائف المربحة ولم تستطع الحصول عليها ابدا.

وعندما درس خبراء الاقتصاد تطورات العقدين الماضيين لاحظوا أن نتائج دراسة أوير تنطبق على أكثر من مجرد الخريجين الذين يعملون في مؤسسات وول ستريت. فقد انطبقت أيضا على خريجي الكليات الأخرى، وليس الاقتصادية فقط.

واكتشف الاقتصاديون فليب أوريوبولوس وتيل فون وتشرو اندرو هيس في دراسة لهم أن نكسة الطلاب الذين يتخرجون في أوقات الركود من حيث انخفاض الأجور تستمر طوال السنوات العشر التالية.

وتؤكد تلك البيانات أن الناس لا يستطيعون القضاء على فجوة الأجور عن طريق محاولة ارتقاء السلم الوظيفي تدريجياً. ففي الوقت الذي يحاولون أن يفعلوا فيه ذلك يقلل أيضاً الذين تعينوا في وظائف أعلى نفس الشيء ولا تستطيع المجموعة الأولى اللحاق بالثانية. والذين يتخرجون في أوقات الركود ويستطيعون فعلا اللحاق بغيرهم من الذين عملوا في وقت الانتعاش، هم الذين تجاوزوا مبدأ الصعود التدريجي، وقفزوا إلى وظائف أخرى في أماكن أخرى.

ولم يقتنع أوير أبداً بأن خريجي هذه الأيام كسالى. بل قال إن حديثي التخريج حالياً يعملون بكد أكبر وموجهون أكثر من الأقدم منهم. ويشير بحث أوير وغيره إلى أن العمل الشاق والجاد ليس الشيء الوحيد الذي ينبغي أن يفكر فيه حديثو التخرج، لكن إذا كانت هذه النتائج تمثل واقع سوق العمل اليوم، فماذا يبقى ليقوله المتحدثون؟ ويقول أوير لمن يتخرج العام الحالي: ابحثوا عن الحظ وفكروا ملياً في الوظائف الأولى لأن لها أهمية في مستقبلكم المهني.

وقد لا تكون هذه النصيحة مناسبة للجميع لكنها جديرة بالبحث، وأن يعمل الخريجون الجدد ما عليهم الآن للوصول إلى درجات عليا من الدخل أمر أكثر تكلفة من ذي قبل.

ترجمة: أشرف رفيق