لم يكن الموسيقار الراحل سيد درويش يتصور أنه في الوقت الذي يحتفي العالم بأعماله، سيأتي يوم يهدم فيه منزله في «كوم الدكة» أحد أحياء مدينة الإسكندرية، بل لم يكن يتخيل يوماً ان حفيدة من أحفاده ستجعل من مشروع تخرجها مركزا للموسيقى الشرقية، ويكون مقره على أنقاض المنزل الذي تم هدمه.
هذا الفنان الذي يعتز به الوطن العربي من محيطه إلى خليجه، وتفخر به الأمم والشعوب، هدم سكنه البسيط المتواضع في الإسكندرية رغم احتجاج الكثير من الدبلوماسيين الأوروبيين الذين وجدوا في موسيقاه تاريخ أمة، وصار التساؤل الصعب أين سيحفظ تراثه وأعماله الفنية العظيمة؟ خاصة قبل حدوث كارثة هدم منزله بتحويله إلى متحف، مثلما يحدث مع كبار المبدعين في كل أنحاء العالم.مركز سيد درويش.. الفكرة والمشروع سالي حمدي رياض ابنة مدينة الإسكندرية والعاشقة للموسيقار سيد درويش كانت تفكر دوما في كيفية تخليد ذكرى هذا الفنان، والحفاظ على تراثه، ومن هنا جاءت فكرة مشروع تخرجها الدراسي في مصر.
تقول سالي: إحساسي بقيمة هذا الفنان وأهميته على مستوى العالم العربي، وما حدث أخيراً من هدم لسكنه القديم في حي «كوم الدكة»، جعلاني أقرر أن يكون مشروعي لنيل درجة البكالوريوس من كلية الفنون الجميلة (شعبة عمارة داخلية - قسم الديكور) في جامعة الإسكندرية بعنوان:
«ليالي سيد درويش» وكان عبارة عن تصميم ودراسة مركز للموسيقى الشرقية يستلهم إبداعات فنان الشعب سيد درويش في مسقط رأسه، ويضم المركز ثلاثة طوابق ومساحة خاصة تضم شاشات للعرض بنظام الديجيتال تبث الموسيقى الشرقية وأفلاماً تسجيلية تروي قصة حياة سيد درويش خاصة وان مجرى حياته مليء بالأحداث منذ اللحظة الأولى التي عشق فيها الفن والموسيقى، فضلا عن مكتبة سمعية ضخمة وقاعة للتخت الشرقي.
ويضم المركز الذي روعي فيه أحدث التصاميم للمتاحف العالمية مسرحاً مفتوحاً يستعرض الأعمال التي ألفها الفنان الراحل، حرصت فيه على أن يمزج المظهر الخارجي للمركز بين الجمال والمادة وبين تحقيق الاحتياجات الوظيفية للديكور.
وتواصل سالي: فكرة مشروع التخرج ولدت عندي منذ التحاقي بالكلية قبل خمس سنوات، وطوال هذا الوقت كنت أفكر فيما سأقدمه وأخذتني الأفكار في البحث عن منشأة ثقافية تقوم بدور التواصل والحوار، واكتشفت أن الفنان الراحل سيد درويش كان أول من وضع أسس المدرسة التعبيرية الهرمونية في مصر، وبعد البحث والتدقيق وجدت نفسي أمام تراث عميق لهذا الفنان.
وأدركت أن هناك حاجزاً كبيراً في توصيل أعماله للآخرين خاصة للذين يجهلون تراثنا الشرقي، وكنت ومازلت أحلم بأن يتحول بيت سيد درويش في حي «كوم الدكة» إلى مزار أو متحف أسوة بالمطربة أم كلثوم والموسيقار محمد عبد الوهاب، لولا أن تبدد الحلم بهدم هذا المعلم التاريخي، وأتذكر أن بعض القناصلة الأوروبيين في الإسكندرية احتجوا على الهدم، ولم يعد هناك من أمل سوى أن يتحقق هذا المشروع الذي أتمنى أن يرى النور و تتبناه وزارة الثقافة المصرية.
سيد درويش... سيرة رجل
ولد سيد درويش في مدينة الإسكندرية في حي كوم الدكة في 17 مارس عام 1892 وتوفي في 10 سبتمبر 1923، بدأ منشدا دينيا مع سلامة حجازي وحسن الأزهري، والتحق بالمعهد الديني في الإسكندرية عام 1905، وعمل مع الفرق الموسيقية وعمره 16 عاماً، وعندما لم يوفق اضطر أن يشتغل عامل بناء.
كان يغني خلال العمل مثيرا إعجاب العمال وأصحاب العمل، وتصادف وجود الأخوين أمين عطاالله وسليم عطاالله وهما من أشهر المشتغلين بالفن في مقهى قريب من الموقع الذي كان يعمل فيه، فاسترعى انتباههما ما في صوته من قدرة وجمال، ثم رافق درويش الأخوين عطاالله في رحلة فنية إلى الشام في نهاية عام 1908.
وأمضى هناك عشرة شهور تعرف خلالها على عثمان الموصلي وحفظ عنه التواشيح، وفي عام 1909 ألحقه الأخوان عطاالله بفرقتهما، وسافر مرة أخرى إلى الشام من عام 1912 حتى عام 1914، حيث أتقن هناك العزف على العود وكتابة النوتة الموسيقية فبدأت ينابيع الموسيقى تتفجر لدى سيد درويش فلحن أول أدواره «يا فؤادي ليه بتعشق».
في عام 1917 انتقل سيد درويش إلى القاهرة، ومنذ ذلك الحين، سطع نجمه وصار إنتاجه غزيرا فقام بتلحين كافة روايات الفرق المسرحية في «عماد الدين» حتى قامت ثورة 1919 فغنى «قوم يا مصري»، وأدخل في الموسيقى للمرة الأولى الغناء البوليفوني في أوبريت «العشرة الطيبة» و «شهرزاد» و«الباروكة».
وبلغ إنتاجه في حياته القصيرة العشرات من الأدوار وأربعين موشحاً ومئة طقطوقة و30 رواية مسرحية وأوبريت، ومعه تجدد المزاج الموسيقي المصري ولايزال نشيد «بلادي» الذي لحنه في مطلع القرن العشرين النشيد القومي لمصر حتى الآن.
دبي ـ جميل محسن:

