تتكالب الضغوط على العملات الخليجية لإعادة تقييم أسعار صرفها، وهو الأمر الذي يفتح المجال واسعا للتكهنات حول ما إذا كانت الدول الخليجية ستقوم فعلا بإعادة تقييم عملتها ام إنها سترجىء مثل هذه الخطوة إلى حين تحقيقها الوحدة النقدية، وما يزيد تبلد الرؤية تباين التقديرات حول ما إذا كانت الدول الخليجية مستعدة للوحدة النقدية، فضلا عن بروز تكهنات بأن الدول الخليجية قد تقيم عملتها قبل إطلاق الوحدة النقدية.
ولقد جاءت هذه الضغوط من مصدرين رئيسيين وهما الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي، واجتمعت وجهة نظر الطرفين على المطالبة بتقييم العملات الخليجية.
فمن جانب استبعد وزير الخزانة الأميركي جون سنو فكرة احتمال انخفاض الدولار الأميركي إذا تم الاحتفاظ بقدر أكبر من عائدات النفط داخل دول الشرق الأوسط، بدلا من استثمارها في الولايات المتحدة أو شراء ديون خزانتها.
وقال سنو على هامش اجتماعات المنتدى الاقتصادي العالمي الذي عقد مؤخرا في شرم الشيخ، إن أسواق رأس المال الأميركية تتسم بالعمق وتتمتع بالسيولة والمرونة, معربا عن اعتقاده أن هذه الأسواق ستظل تجذب رأس المال من مختلف أرجاء العالم، نظرا لقدرتها على استيعاب مبالغ ضخمة من مدخرات المجتمع الدولي.
وأوضح أن دول الشرق الأوسط المنتجة للنفط تركز فيما يبدو على استثمار قدر أكبر من الثروة النفطية في التنمية الداخلية، وأكد أن هذا لا يشكل خطرا على الدولار الأميركي.
ضغوط صندوق النقد الدولي
وجاء مصدر الضغط الثاني على أسعار العملات الخليجية من صندوق النقد الدولي وهو ما تجلى في تقريره الأخير بعنوان »آفاق اقتصادية إقليمية: الشرق الأوسط ووسط آسيا«، وطالب التقرير دول مجلس التعاون الخليجي برفع أسعار صرف عملاتها، وخلص إلى استنتاجات وتوصيات في النقاط التالية.
أولاً: مازال نطاق رفع أسعار الصرف الحقيقية محدودا في الدول المصدرة للنفط على الرغم من جنيها عوائد صادرات نفطية ضخمة وهذا ما انعكس على اتساع نطاق أنظمة ربط معدلات الصرف الاسمية ومقاومة الرفع الاسمي لأسعار الصرف.
ثانياً: ستكون هناك حاجة لإجراء تعديلات في أسعار صرف العملات الخليجية بما يتوافق مع ديمومة ارتفاع أسعار النفط. فمن شأن هذا الأمر أن يلقي بثقله على معدلات الصرف الحقيقية في الدول المنتجة للنفط.
ويمكن أن يحدث مثل هذا الأمر من خلال ضغوط التضخم أو من خلال ارتفاع أسعار الصرف الاسمية وبوضوح سيكون من المفضل أن يحدث هذا الارتفاع الحقيقي في أسعار الصرف من خلال التغير الاسمي في معدلات الصرف وأنه بالنسبة للدول المصدرة للنفط التي تعتمد نظم الربط في أسعر صرف عملاتها فإن الضغوط ربما لا تكون ظاهرة في مؤشر أسعار المستهلك، ولكنها ستنعكس على تضخم أسعار الأصول ومن ثم فإن الدول المستوردة للنفط بحاجة إلى اتباع سياسة نقدية متشددة للحد من نمو الائتمان والحد من اتساع تأثيرات التضخم على القطاعات الاقتصادية.
ثالثاً: من المتوقع بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط أن تحقق الموازنات فوائض ضخمة وبالنسبة للدول الخليجية ما زالت الموازنات متحفظة حيث أنها تضع هذه الموازنات على افتراض أن أسعار النفط ستكون في حدود 35 دولاراً للبرميل.
رابعاً: رغم أن آفاق الوضع الاقتصادي للمنطقة تبدو جيدة إلا أنه يجب أن تكون الدول مستعدة للمخاطر المحتملة والكامنة، حيث من المتوقع أن تظل أسعار النفط عند مستويات مرتفعة ولكنها من الممكن أن تستمر في حالة تقلب نظرا لانكشاف المنطقة لأوجه عدم اليقين والتأكد من الناحية الجيوسياسية.
ورغم أن أسعار النفط العالية تعد أمرا إيجابيا بالنسبة للدول المصدرة للنفط إلا أنه بإمكانها أن تؤدي إلى معدلات نمو منخفضة بالنسبة للدول المنخفضة الدخل كما أنها من الممكن أن تزيد تفاقم أداء التضخم سوءا وأن المنطقة بالتأكيد ستعاني بشكل عام إذا ما تراجع نمو الاقتصاد العالمي وضعفت ظروف الأسواق الدولية وواكب صعود معدلات الفائدة تراجع تدفق رؤوس الأموال إلى الأسواق الصاعدة، فضلا عن أنه بالإمكان أن تؤدي عمليات التصحيح الحادة في اسواق الأسهم المحلية واستمرار النمو السريع في الائتمان إلى تهديد الاستقرار المالي خاصة في الدول التي تعاني من ضعف الأنظمة الإشرافية والتنظيمية.
خامساً: وبالنسبة للدول المصدرة للنفط مازالت مسألة إدارة العوائد تشكل تحديا رئيسيا بالنسبة لها فحتى الآن تتعامل الدول النفطية مع الزيادات في الأسعار على أنها ظاهرة مؤقتة وقامت بادخار الشطر الأعظم من عوائدها المتزايدة ومن ثم فإنه من المتعين على هذه الدول أن تغتنم فرصة الارتفاعات في الأسعار والتي من المحتمل أن تستمر لكي تضع المنطقة على مسار النمو وفيما قد يبدو صائبا أن تقوم بعض الدول بتسديد ديونها فإنه ينبغي على أغلبية البلدان المصدرة للنفط أن تزيد إنفاقها على المشروعات التي تحقق عوائد مرتفعة.
حيث أن الإنفاق على مشروعات البنية التحتية والاستثمار في الإصلاحات الاجتماعية والتعليم سوف يعزز من إمكانيات النمو الاقتصادي في المستقبل كما سينجم عن الإنفاق المحلي العالي زيادة في الواردات الأمر الذي سيساعد في تقليل أوجه الاختلالات في العالم.
سادساً: ستكون هناك حاجة لتقليص الدعم للمنتجات النفطية لتقليل الإفراط في استهلاك موارد الطاقة مع تبني آليات تعويضية لحماية الفقراء. وأنه يجب أن تسهل السياسات النقدية التعديلات في أسعار الصرف الحقيقية على نحو يستجيب لأسعار النفط المرتفعة.
وفيما تسعى هذه الدول إلى منع معدلات التضخم العالية من التجزر، ستؤدي التدفقات الضخمة للعملات الأجنبية إلى تعقيد مسألة إدارة السياسة النقدية وتغذي النمو السريع لكل الائتمان والعرض النقدي، وفي التوقيت ذاته، تقود كل من أسعار الصرف وسياسات تسعير الوقود إلى تأجيل التعديلات الضرورية في أسعار الصرف الحقيقية. وهي تعني رفع أسعار الصرف بالنسبة للدول المصدرة للنفط وخفض هذه الأسعار بالنسبة للدول المستوردة.
سابعاً: من المفضل بالنسبة للدول المصدرة للنفط أن تقوم بإجراء عملية رفع أسعار الصرف الحقيقية من خلال الرفع الاسمي لأسعار عملتها وبالنسبة للدول الملتزمة من الناحية المؤسسية بأنظمة صرف قائمة على الربط كدول مجلس التعاون الخليجي والتي تتحرك صوب الوحدة النقدية، وتتبع سياسات منفتحة اقتصاديا.
وتمتلك أسواق عمل تتصف بالمرونة، فإنها سوف تشهد المزيد من الارتفاع في أسعار الأصول، في حين ستتأثر أسعار السلع والخدمات بشكل أقل، أما بالنسبة للدول التي تتبع أنظمة صرف مرنة، فهي بمقدورها أن تكبح الضغوط التضخمية عن طريق تشديد سياستها النقدية والسماح بالمزيد من رفع أسعار صرف عملاتها، وبالنسبة لكل الدول التي تشهد ضغوطا متصاعدة على معدلات الصرف كنتيجة لقوة التدفقات، تعد الإصلاحات الهيكلية لتعزيز الإنتاجية الطريق الأمثل لتقوية تنافسية القطاعات الغير سلعية.
ثامناً: ستؤدي الإجراءات الصائبة القوية وتحسن ممارسات إدارة المخاطر إلى دعم مرونة وقدرة الأنظمة المالية، وإنه على الرغم من الارتدادات الحالية في أسواق الأسهم المحلية، فإن مخاطر المزيد من عمليات التصحيح مازالت قائمة، ومن ثم يجب على السلطات المالية أن تستمر في متابعة المخاطر وتواصل جهودها لوضع أطر عمل إشرافية وتنظيمية لأسواق الأسهم والأسواق المالية الأخرى يما يتسق مع المقاييس الدولية, إلى جانب تقوية متطلبات الإفصاح واتخاذ الإجراءات التصحيحية الضرورية لتعزيز الشفافية.
وفي ظل هذه الضغوط، يبقى السؤال المطروح هو ماذا ستفعل الدول الخليجية؟ وهل هي بصدد إعادة تقييم عملتها بشكل جماعي أم انها ستتخذ هذه الخطوة على نحو فردي؟ وهل سيسبق إعادة التقييم إقامة الوحدة النقدية؟ وتتنوع الرؤى والتكهنات في الإجابة على هذه التساؤلات.
كتب ــ مجدي عبيد