بدأت المخرجة السينمائية اللبنانية نادين لبكي، مؤخّراً، تصوير فيلمها الروائي الطويل الأول بعنوان «سكّر بنات»، في أحياء ومواقع متفرّقة في بيروت، علماً أن عملية التصوير هذه تنتهي في اليوم الأخير من يونيو 2006.

ثم تبدأ العمليات الفنية المختلفة (مونتاج، ميكساج، تسجيل الموسيقى، إلخ.)، التي يتوقّع ان تنتهي في مطلع العام المقبل. يأتي تنفيذ هذا المشروع السينمائي (إنتاج مشترك بين لبنان وفرنسا) بعد أعوام عدّة أمضتها لبكي في تحقيق أشرطة «فيديو كليب» لمغنيات لبنانيات، أبرزهنّ نانسي عجرم، وماجدة الرومي.

يُذكر أن نادين لبكي أنجزت، في العام 1997، فيلماً روائياً قصيراً بعنوان «11، شارع باستور»، كان بمثابة فيلم التخرّج من «معهد الدراسات المسرحية والسمعية البصرية» في «جامعة القدّيس يوسف» في بيروت، فازت عنه بجائزة «أفضل فيلم روائي قصير» في «بينالي السينما العربية في باريس» في العام التالي.

وبين العامين 1997 و2006، انهمكت في عالم الـ «فيديو كليب» (اشتغلت أيضاً في تصوير إعلانات)، محقّقة فيه إنجازات سلّطت أضواء الشهرة عليها، ومنحتها مكانة مرموقة في عالم «التصوير الغنائي» (إذا جاز التعبير)، وجعلتها إحدى أكثر المخرجات احترافاً في مزج بعض تقنيات التصوير السينمائي بالمناخات السائدة في مضامين الأغنيات وفضاءاتها الموسيقية:

«أقول إني جرّبت، ولا أزال أجرّب، ذاتي في الإعلانات والـ «فيديو كليب». في كل مرّة أختبر أسلوباً مختلفاً وتقنيات مختلفة في التصوير والإخراج»، مشيرة في هذا الحوار إلى أنها تحاول دائماً «خلق أجواء جديدة في كل عمل أنجزه، وصولاً إلى الخطوة الأكبر، أي السينما»، ومعتبرةً أن كل ما فعلته لغاية الآن «كان بمثابة حقل تجارب، أتعرّف من خلاله على قدراتي».

أضافت لبكي: «إن فترة عملي في مجال الـ «فيديو كليب» مهمّة جداً في حياتي المهنية، لأن التجارب جعلتني أفهم المُشاهد جيّداً: كيف يفكّر، ماذا يريد، كيف يتعاطى مع الصورة، إلخ. فهمت نفسي أيضاً. إذا نجحت في السينما، وهذا ما أتمنّاه من كل قلبي، وإذا انهالت عليّ المشاريع، ربما أترك الـ «فيديو كليب» (تضحك)».

واعتبرت أنها في تحقيق شريط «فيديو كليب» تستطيع أن تعبّر عن نفسها «وإن من خلال شخص آخر، هو الفنان أو الفنانة. الآن، في مشروعي السينمائي هذا، أعبّر عن نفسي بالمطلق، على الرغم من أني كتبت السيناريو مع شخصين آخرين هما جهاد حجيلي ورودني الحداد».

الملاحظ أن غالبية أشرطة الـ «فيديو كليب» التي أنجزتها لبكي خاصّة بالمرأة، كما أن مشروعها السينمائي الجديد يروي سير خمس نساء تتراوح أعمارهنّ بين الخامسة والعشرين والخامسة والستين، يلتقين في صالون للتجميل في قلب بيروت:

«بالنسبة إلى الـ «فيديو كليب»، أقول إنها مجرّد صدفة أني تعاونت مع فنانات، ولم أتعاون مع فنانين أيضاً. إنها صدفة بحتة. لكن، بالنسبة إلى الفيلم، أودّ الإشارة إلى أن التعمّق في خصوصيات هؤلاء النسوة ربما يثير حشرية الرجل لمشاهدته، ويحثّه على فهم أكبر وأعمق للمشاعر التي نحسّ بها نحن النساء.

لا شكّ في أني قادرة على التحدّث عن النساء بصدق أكبر، لأني أفهمهنّ بشكل أعمق. مع هذا، فإن الرجل، في «سكّر بنات»، موجود، من خلال نظرة المرأة. الفيلم ليس ضد الرجل على الإطلاق، وهذا ما أودّ التأكيد عليه منذ الآن. أتمنّى أن يفتح الفيلم الباب أمام الرجل كي يفهم المرأة أكثر.

أشدّد على أن الفيلم ليس ضد الرجل». يتناول «سكّر بنات» هواجس سيدات لبنانيات تنتمي كل واحدة منهنّ إلى عمر مختلف وبيئة مختلفة وتربية مختلفة وثقافة مختلفة وتقاليد مختلفة. يتعمّق الفيلم في نظرة المرأة إلى المجتمع ونظرة المجتمع إليها.

ويطرح تساؤلات عدّة: كيف تتطلّع المرأة إلى نفسها، وإلى امرأة أخرى؟ ما هي مشاكلها؟ نظرتها إلى الآخر؟ إلى الرجل؟ تقول لبكي: «يُمكن لهذا كلّه ألاّ يكون لبنانياً فقط، بل إنسانياً وعاماً. هذا هو هدفي في الفيلم. هناك أشياء صغيرة أتمنّى أن أنجح في إيصالها إلى الناس. هناك تفاصيل متعلّقة بحياتنا كنساء أردت تسليط الضوء عليها.

أتمنّى أن أوفّق في تحقيق ما أصبو إليه». لكن لبكي لا تنكر تأثير الخصوصية اللبنانية وتداعيات الحرب: «لهذا، يروي الفيلم حكايات نماذج نسائية عدّة، وليس حكاية امرأة واحدة. أحاول، من خلالهنّ جميعهنّ، أن أروي قصصهنّ أولاً، وقصصاً قد تكون خاصّة بنساء أخريات. أحاول أن أفعل هذا، ليس أكثر».

أضافت: «هناك تفاصيل حياتية بسيطة، قريبة منا جميعنا نحن كبشر. لا توجد مواقف من قيم وتقاليد معينة، بل أسلّط الضوء على بعض هذه القيم والتقاليد والعادات، من دون اتخاذ موقف منها، سواء أكان مناهضاً أم مؤيداً».

مشيرة، في الوقت نفسه، إلى أنها لا تريد إطلاق أحكام في فيلمها، بصرف النظر عن وجهة نظرها الخاصّة، إذ ربما تجد هذه العادات والتقاليد صحيحة أو خاطئة، «لكني أكتفي بتقديمها، لأني أعرض قضايا حقيقية في الحياة، بعيداً عن الفلسفة».

إلى جانب كتابتها السيناريو وإخراجها الفيلم، تؤدّي نادين لبكي دور إحدى النساء اللواتي يلتقين في صالون التجميل: «حبّي للتمثيل يوازي حبّي للإخراج. لهذا السبب، مثّلت في فيلم «البوسطة» لفيليب عرقتنجي. لكن دوري في «سكّر بنات» ليس دوراً رئيساً. لست البطلة. لأن هناك نساء عديدات هنّ بطلات متساويات».

لكن الوجوه المختارة للتمثيل غير معروفة في الوسط الفني إلى حدّ ما (ياسمين المصري وجوانا مكرزل وجيزيل إسطا مثلاً): «لست خائفة من الوجوه الجديدة التي تمثّل معي. إنه تحدّ اخترته لنفسي. هناك شخص واحد فقط معروف (عادل كرم). الآخرون يمثّلون للمرّة الأولى. هذا تحدّ كبير لي. والأمر ليس سهلاً على الإطلاق. اخترت هؤلاء تحديداً كي أكون قريبة من الواقع».

وأضافت: «هناك عدد من الشخصيات لأن الفيلم لا يرتكز على بطل واحد. لا أستسيغ دخول الممثل في شخصية أو حالة لا يعيشها ولا يحسّ بها أو لا يفهمها جيداً. إن دراسة التمثيل مهمّة، لكن أحياناً إذا لم يعش الممثلُ الشخصيةَ أو لم يختبر الحالة، فإنه يظهر مركّباً أو مصطنعاً أو غير لائق بالشخصية التي يؤدّيها. لهذا، أشعر أنه ليس ضرورياً أن يكون جميع العاملين في الفيلم ممثلين محترفين.

أريد أناساً غير ممثلين، لأني أريدهم كما هم في الواقع والحياة. أريدهم أن يكونوا هم، لا أن يمثّلوا. هذا لا يعني أنني لا أحبّ عمل الممثلين، لكني أرى فيلمي بهذه الطريقة في تأدية الأدوار».

بيروت ـ نديم جرجوره: