قبل أيام منح الرئيس اللبناني إميل لحود المخرجة الوثائقية المصرية ـ اللبنانية الأصل ـ نبيهة لطفي «وسام الأرز الوطني من رتبة فارس» وذلك خلال حفل التكريم الذي أقامته لها بلدية مدينة صيدا مسقط رأس لطفي، «تقديراً لإبداعها في مجال السينما التسجيلية».
أمضت نبيهة لطفي أعواماً طويلة وهي تصنع صورة ما عن الواقع الإنساني المصري والعربي، في مرحلة تاريخية غنيّة بالتحوّلات والمآزق والخيبات والموت والخراب.
بدأت حياتها السينمائية في نهاية الستينات وبعد أعوام قليلة على تخرّجها من «المعهد العالي للسينما» في القاهرة، عملت في الصحافة ودرست العلوم السياسية والأدب العربي قبل أن تكتشف السينما وتتخلّى عن أشياء كثيرة من أجلها: «أحياناً، تعثر على الطريق الصحيح من دون أن تخطّط لذلك من قبل» كما قالت لطفي.
عملت إثر تخرّجها من الجامعة ك«مساعدة مخرج» في أفلام روائية متنوّعة مع المخرجين سعد عرفة وخليل شوقي وفطين عبد الوهاب وغيرهم، لكنها فضّلت العمل مع خليل شوقي الذي كان مقلاًّ في العمل:
«رفضت عروضاً كثيرة، لأني لم أكن أحبّ الوسط السينمائي بوجه عام، واهتمّيت بصناعة أفلام روائية، لكن السبب الذي دفعني إلى التخلّي عن هذا النمط الفني له علاقة بأجواء (اجتماعية) عامة تسيطر على السينما الروائية.
يبقى العنصر المساعد والأساسي في تحديد مساري المهني وهو المخرج الكبير شادي عبدالسلام الذي شجّعني على خوض التجربة الوثائقية، والذي كان سنداً لي، لم يكن شادي بالنسبة لي صديقاً أو زميلاً أو أستاذاً، بل هذه الأمور كلّها مجتمعة في شخصه وتعلّمت منه أشياء كثيرة».
شادي عبد السلام أسّس في العام 1969، «المركز التجريبي»، في محاولة جادّة لتحقيق أعمال تجريبية، لعلّ أبرزها مشروع «ألفية القاهرة»، وهو شريط يحتفل بمرور ألف عام على تشييد هذه المدينة الإسلامية.
وتعتبر نبيهة لطفي أن «ألفية القاهرة» نقطة تحوّل بالنسبة لها، إذ دفعها هذا المشروع إلى اكتشاف أهمية السينما الوثائقية، التي أنجزت فيها سلسلة أفلام مختلفة المواضيع والهواجس، قبل أن تنحاز إلى المرأة، وتهتمّ بها: «لم أكن أرتاح إلى النقاشات الصاخبة حول موضوع المرأة، الذي كنت أنظر إليه كمادة مفتعلة.
لا أعني أن الموضوع بحدّ ذاته مفتعل، بل كنت أشعر أنا شخصياً بذلك. شيئاً فشيئاً، اكتشفت أموراً جعلتني أتنبّه إلى هذا الكمّ الهائل من المشاكل التي تعانيها المرأة، وهي مشاكل كنت أعرفها سابقاً». ومن المعروف عن نبيهة أنها رفضت المشاركة في حركات نسائية، «لأني كنت أشعر أن هناك جزءاً مفتعلاً في قضية المرأة ، عشتُ فترة طويلة طغت عليها هموماً وطنية وقومية اعتبرتها هواجسي الأصلية».
التركيز على قضية المرأة بدا، يومها، انحرافاً عن الموضوع الأساسي. في العام 1990، تبدّلت نظرتي بعض الشيء، حقّقت الجزء المصري من فيلم عربي اسمه «ليلى العامرية» (كيف يرى قيس ليلى، لو عاد الآن؟) .
واضطررت إلى الذهاب إلى منطقة ريفية تدعى منوف في الريف المصري الذي يُدهشك بجماله وبخاصيته المتميّزة،وتعرّفت على تلك المنطقة التي جذبتني أكثر من مرة فأنجزت فيها «لعب عيال» (1991)، عن الأولاد الذين يصنعون ألعاباً لهم من مختلف الأدوات المتوافرة».
أنجزت لطفي فيلمها الأول بعنوان «ألفية القاهرة» (1969) كمدينة وتفاصيل وأحداث جرت فيها في خلال ألف عام ، ثم «صلاة من وحي مصر العتيقة» (1971) عن منطقة السرجة في مصر القديمة التي يُقال إنها استقبلت السيد المسيح وأمه مريم عند هروبهما من فلسطين، وفي أجواء المناخ العابق بالتاريخ الإنساني حقّقت «دير القديسة كاترينا» (1980) أيضاً.
وهكذا، تنوّعت اهتماماتها الإنسانية، وظلّت تقدّم أفلاماً مختلفة الأشكال والأساليب، علماً أن آخر فيلم لها أنجزته في العام 2005 بعنوان «صناعة العود».
في مسيرتها المهنية، استعادت نبيهة لطفي بعض الماضي، كي تعكس مشاهد حيّة عن معنى الذاكرة المندثرة، والتقطت شيئاً من تفاصيل الآنيّ، كي تصنع بها عنواناً نابضاً بالحكايات والأزمات، وفي هذا كلّه أفردت لطفي حيّزاً كبيراً للفرد في علاقته بنفسه وبالآخر ولموقعه في قلب الجماعة، وللتأثيرات المتبادلة بينه وبين مجتمعه وبيئته وثقافته وهواجسه وانفعالاته.
في فيلمي «نساء متحرّكات في المنيا» (1996) و«إنها تزرع الأرض وترويها» (1998)، مثلاً، بدت نبيهة وكأنها تسبر أغوار الحياة الاجتماعية واليومية للمرأة الريفية المصرية على خلفية البحث في مشاكلها وهمومها وتداعيات الأزمات المتنوّعة التي لا يزال المجتمع العربي غارقاً فيها.
في الفيلم الأول كشفت الرغبات العميقة للنساء الريفيات (أو لبعضهنّ، على الأقلّ) في تحسين أوضاعهنّ الحياتية وفي تطوير شروط حضورهنّ في المجتمع الزراعي، فإذا بهنّ يُنشئن جمعيات تُعنى بمثل هذه الأمور، كمحو الأمية، والتوعية في مجالات التربية والصحة الإنجابية والعمل الزراعي وغيرها.
وفي الفيلم الثاني حافظت على التزامها الثقافي والفني لقضية المرأة، فإذا بها تعكس مناخاً يسود المنطق الذكوري المتوارث، بخصوص أساليب الزرع والريّ، وبعضها يُمنع على المرأة ممارسته:
«أكره الصورة غير الحقيقية عن المرأة المصرية بوصفها ساكنة لا تقاوم، هذا غير صحيح، فالمرأة المصرية مقاوِمة حقيقية بحسب مفهومها الخاصّ لفعل المقاومة، قدّمتُ هذه الصورة في فيلمي «نساء في مفترق الطريق» (1996)، الذي جاء مندفعاً جداً إلى حدّ اعتقد البعض معه أن الصورة مركّبة لكن الوضع هو هكذا تماماً، وكان الواجب عليّ أن أُظهر سبل مقاومة هذه المرأة المصرية وليس معاناتها فقط».
في «تل الزعتر لأن الجذور لن تموت» (1975-1977)، غاصت في تشعّبات الحالة الفلسطينية في لبنان، وأضاءت جوانب عدّة من الحياة الإنسانية للفلسطينيين المهجّرين والقابعين في مخيمات البؤس والقلق، وفي «شارع محمد علي» (2003)، غاصت في جزء من الذاكرة الفنية للقاهرة، بحسب ما اشتهر به هذا الشارع، كي تضع الحاضر والماضي في مواجهة تاريخية واجتماعية وإنسانية.
لم تُنجز نبيهة لطفي، حتى اليوم أي فيلم يتناول سيرتها الحياتية أو مقتطفات منها خصوصاً في وطنها الأم لبنان: «هناك أمور كثيرة في لبنان وفي ذكرياتي في صيدا تشدّني إلى تحقيق فيلم عنها، غير أن السينما تختلف عن الكتابة، وتحتاج إلى مال وخطط إنتاجية».
بيروت ـ نديم جرجورة: