أوجدت العولمة تحديات خاصة أمام الدول الغنية، تمثلت في فقدان الوظائف ذات المهارات العالية لصالح عاملين في الاقتصادات الناشئة. ولن يتسنى لتلك الوظائف العودة في المستقبل المنظور. ولذلك فالسؤال هو كيفية استبدالها بوظائف جديدة، وحتى بصناعات جديدة.
وتعد حكومات الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الخروج بأجوبة، ولكن بنتائج مختلطة. وخلال اجتماع في لشبونة عام 2000، تبنى القادة الأوروبيون تنافسية الاتحاد العالمية، ورغم مضي ست سنوات على الأجندة، فإن حكومات الاتحاد الأوروبي ذاتها لا تعطي نفسها درجات عالية في هذا المضمار.
وإلى ذلك قال الناطق باسم المفوضية الأوروبية، غريفور كروزنبرغ كانت لدينا أولويات نهاية النهار بحيث لم تعد لدينا عملياً أية أولويات. وتابع، أن تطورات حصلت في بعض المحاور، بيد أنها لا تسمن ولا تغني من جوع.
وقال إن الاتحاد الأوروبي، قد يكون عانى من شعور الغبطة غير المنطقي نهاية تسعينات القرن الماضي، والذي قاد إلى أهداف طموحة مغالى فيها للمستقبل المنظور. أما الآن، فقد عدلت المفوضية من موقفها، للتركيز على أربعة أهداف رئيسية.
والمنصبّة في زيادة الإنفاق على البحوث، والتعليم العالي إلى 3 في المئة، و2 في المئة من الناتج الإجمالي المحلي على التوالي، وتسهيل إجراءات افتتاح الشركات الصغيرة، وتحرير أسواق العمل، وتحسين ظروف وصول الاتحاد الأوروبي إلى موارد طاقة مستدامة.
ولقد وضعت الاستراتيجية المعدلة، خطاً فاصلاً بين ما تستطيع المفوضية صنعه، وما يترتب على الدول الأعضاء من واجبات. وكجزء من الاستراتيجية، فإن جميع الدول الأعضاء الخمس والعشرين في الاتحاد الأوروبي، سلمت برامجها الوطنية الإصلاحية إلى بروكسل العام الماضي.
وعلى الصعيد ذاته قال كروزنبرغ إننا لا ندعي اختراع العجلة، غير أننا أكثر واقعية، إلا أن الآراء القادمة من الخارج ظلت أقل إيجابية، حتى من جانب أولئك الذين يفترض بالاستراتيجية أن تساعدهم.
وفي الإطار ذاته أعرب »فريدريك سودين« ممثل اتحاد الشركات الأوروبية الصغيرة في بروكسل أنها لا تسير في الاتجاه الصحيح، مشيراً إلى وجود عدد من القيود أمام المستثمرين، بيد أنه قال أيضاً إن تركيز الاتحاد الأوروبي على تسهيل افتتاح الأعمال الصغيرة فاتته مسألة بالغة الأهمية.
ألا وهي توفر التمويل الخاص بجميع الأعمال التجارية سواء كانت جديدة أو قائمة، وقال مستشهداً على ذلك بأن الاتحاد الأوروبي لو أراد حقيقة تشجيع الروح الابتكارية فإنه يوجب على حكوماته الأعضاء عدم فرض الضرائب على الأرباح التي تستقطعها الشركات لبحوثها وإعادة الاستثمار.
ولم تكن المجموعات العمالية أكثر ارتياحاً، وإلى ذلك قال »رونالد جانسن« المستشار الاقتصادي لتحالف اتحاد التجارة الأوروبي، الصداقة، إنها لا تسير البتة في الاتجاه الصحيح، وتابع: لسنا بحاجة لقليل من التغيير، ولكننا بحاجة إلى كم هائل من التغيير.
وقال جانسن: إن أهداف الاتحاد الأوروبي ستقود إلى مزيد من المنافسة بين دوله الأعضاء، دون تعزيز التنافسية مع بقية أنحاء العالم. وأضاف إن ما تتوقع رؤيته أوروبا التي تعمل جاهدة لتحديث صناعتها وقوتها العاملة هو البقاء في طليعة منافسة الدول قليلة الأجور.
وتابع بأن البلدان الأوروبية تنافس الآن بعضها بعضاً، وتعمل في الخفاء لانتزاع النمو إحداها من الأخرى. وبدوره دفع كروزنبرغ بأن المنافسة بين الدول الأعضاء كانت مفيدة.
وأضاف ان النجاح المبدئي للسوق الأوروبية الواحدة هو خير برهان على فاعليتها. ولو وضعنا ذلك الجدل جانباً، لوجدنا أن الاتحاد الأوروبي أحرز تقدماً بسيطاً بعد مرور أربع سنوات من خطته العشرية. وتعقيباً على ذلك، قال جانسن : »إن الاستثمارات في البحوث غير موجودة«. وتابع ان الاستثمار في التعليم الطويل المدى مفقود.
ومن الأسباب التي تحول دون التقدم إلى الأمام في هذا المجال حتى الآن هي صعوبة التنسيق بين الحكومات الأعضاء.
ففي الولايات المتحدة لا توجد مثل تلك المشكلة، فالبيت الأبيض وضع خطته العشرية الخاصة والمتمثلة في مبادرة التنافسية الأميركية، التي تعتمد بصورة أساسية على برامج قائمة مثل مؤسسة العلوم الوطنية وبل غرانتس للتعليم العالي ولعلها لا تكون طموحة، بيد أن تحقيقها أسهل منالاً.
وفي الجانب البحثي، فإن المبادرة تبحث عن تمويلات للعلوم المادية، التي أضحت مهتمة بصناعة الاتصالات والطاقة والإعلام والتكنولوجيا.
وفقاً لجون ماربورغر مدير مكتب سياسة العلوم والتكنولوجيا التابع للبيت الأبيض الذي قال: إن أرباب الصناعة يأتون إلينا ويبلغوننا بعدم قدرتهم على القيام بالبحوث في تلك المحاور، فهي مكلفة وطويلة الأمد بالنسبة إليهم.
أما الجانب الآخر في المبادرة، فهو النهوض بقوة بمستويات التعليم في الرياضيات والعلوم، وإلى ذلك قال ماربورغر إن الحاجة تدعو إلى وجود أشخاص يتحدثون لغة التكنولوجيا.
وأضاف: لا ضرورة ليحملوا شهادات في الدكتوراه، أو البكالوريوس في بعض الحالات، ولكن لا بد أن يكونوا ضليعين في التكنولوجيا.وفي هذا الإطار فإن البيت الأبيض يمتلك الحماس لدعم أصحاب المشاريع الصغيرة.
وعلى الصعيد ذاته قال آرثر روتكوف نائب الرئيس الأول لغرفة التجارة في الولايات المتحدة التي تمثل نحو ألفي غرفة صغيرة: إن ثمة حاجة لدخول المزيد من المواطنين الأميركيين، والمقيمين، معترك الرياضيات والعلوم. وتابع انه في هذه اللحظة لو كان لدينا المزيد من العلماء والمتخصصين في الرياضيات والمهندسين، فإنهم سيجدون وظائف بسهولة تامة.
إلى ذلك، قدّر ماربورغر أن الاتحاد الأوروبي يسعى للحاق بركب الولايات المتحدة، قائلاً: »إنهم يتبنون استراتيجيات تشبه مثيلاتها الأميركية، ويحاولون التشبه بنا، والسؤال هو حول المستقبل، فأين مكامن الضعف، والأشياء المطلوبة، التي لا بد من صنعها للحفاظ على تلك الريادة؟«.