تحول الذهب خلال الفترة الأخيرة الى سلعة «استثمار الازمات»، فبعد ان كان يستخدم تقليدياً لموازنة مدخرات الدول وبعض الاغراض الاستثمارية الاخرى اصبح إحدى القنوات الاستثمارية المهمة التي تلجأ اليها الصناديق الاستثمارية عندما تتعرض العملات الرئيسية او اسعار السلع الرئيسية لهزات عنيفة كتلك التي حدثت خلال الاشهر القليلة الماضية.

وبرز الأمر جلياً خلال الفترة التي شهد فيها الدولار الاميركي تأرجحاً واضحاً مما دفع المستثمرين للتدافع لشراء كميات اكبر من الذهب، الامر الذي ادى الى ارتفاع اسعاره الى ما فوق حاجز الـ 600 دولار.

وتكمن اهمية الذهب في انه السلعة الوحيدة القادرة على معايشة الازمات والصمود بقيمة قوية او متزايدة في وقت الازمات والحروب اكثر مما تستطيع ان تفعله الاسهم والسندات والعملات ايضا، فالكثير من العملات والشركات تنهار وتضعف قيمتها في حالة تزايد الخوف العالمي من مشكلة سياسية او طبيعية.

وترتفع اسعار الذهب في العالم في حالة حدوث ازمات كبيرة او وجود حالة فزع عالمي مما يوحي ان التجارة العالمية والاقتصاد العالمي مقبل على هزة كبيرة لا ينجو من ضررها الشركات المساهمة ولا المصانع العاملة وهذا يجعل الثقة بالأسهم وسوق المال تهتز باهتزاز العالم في الأزمات.

وينصح خبراء الاستثمار بشراء الذهب، إذ ان استثمارات الذهب تعطي الاطمئنان، ففي حالة فقدان الثقة او وجود انهيار في الاوراق المالية او اوعية الاستثمار الاخرى فإن الذهب هو الوحيد الذي لا يصيبه هذه الانهيار بل يكون هو المفضل والاقوى في مجموعة الاستثمارات وقد يحدث ان يكون هو الاستثمار الذي يعوض الخسائر او يخفف منها اي ان وجود الذهب في حافظة الاستثمار عو عامل امان اكثر منه عامل ربح.

وكما أن للذهب دورات في السكون فله ايضا طفرات في النمو وقد حدثت عدة مرات خلال القرن الماضي وارتفع سعر اوقية الذهب ارتفاعا لم يسبق له مثيل في التاريخ ووصلت الى سعر تجاوز 800 دولار للاوقية الواحدة وها هو يسير الان بخطى ثابتة نحو الارتفاع القياسي مرة اخرى كما ان هناك دراسة عن الاستثمار في الذهب نشرتها جريدة الصنداي تايمز تقول: ان الاستثمار في صناديق الذهب اعطى عائدات ضخمة خلال السنوات الماضية.

والسمة الغالبة في اسواق الذهب هي المضاربات اذ يقبل البعض على شراء الذهب لغرض اعادة بيعه وهذا يتم عن طريق مكاتب المضاربات في البنوك ولكن يمكن شراء الذهب فعلا وايداعه لدى البنوك في صناديق خاصة ويمكن للبنوك ان تقوم مقام العميل في اجراء الصفقات له ولكن بتعليماته وتوجيهاته.

كما ان الذهب يباع بعدة اسعار، فسعر البيع في المضاربات يختلف عن سعر البيع الفعلي فهناك مبالغ اضافية تضاف للقيمة الفعلية في حالة الرغبة في امتلاك الذهب والحصول عليه من السوق وهذه التكاليف هي تكاليف النقل والتأمين.

وعندما يعلن عن اسعار الذهب في البورصات العالمية بأن سعر الاوقية هي مثلا 70 دولارا فإن ذلك يعني قيمة البيع في سوق المضاربات وليس في سوق الذهب المحلي. كما ان الذهب المصنع يباع بسعر مختلف عن الذهب الخام لأن قيمة التصنيع تضاف الى القيمة الاساسية للذهب.

وعندما يباع الذهب المصنع في الاسواق فإنه يقدر عادة بقيمة سعر الذهب في ذلك اليوم الذي يباع فيه بغض النظر عن قيمة الشراء الفعلية، لذا فإن الاستثمار في الحلي الذهبية قد لا يكون مربحا لأن الشراء يتم بإضافة قيمة التصنيع وأرباح البائع وعند بيع هذه الحلي فإن المشتري يشتريها بسعر الذهب الصافي بدون اي تكاليف اضافية اي ان البائع يخسر قيمة التصنيع الاولى.

وارتفعت اسعار الذهب المقومة بالدولار بنحو 50 في المئة منذ بداية العام الجاري وطبقا للخبراء فقد عكس مسار الاسعار التطورات الدراماتيكية التي شهدها الطلب العالمي في الفترة الاخيرة وانتهت بتسجيل رقم قياسي غير مسبوق خلال الاعوام الخمسة والعشرين الماضية حين ارتفعت قيمة استهلاك صناعة المجوهرات التي تساوي 78 في المئة من الطلب العالمي الإجمالي.

ويرى المحللون ان الضغوط على اسعار المعدن الاصفر يمكن ان تتزايد في شكل دراماتيكي في ظل المصارف المركزية في الاقتصادات الكبرى الى تعزيز حصة الذهب في تشكيلة احتياطاتها المالية كاجراء احتياطي ضد مخاطر تقلب اسعار الصرف بل لم يستبعدوا احتمال ان تكون القفزات التي سجلتها الاسعار في الاسابيع القليلة الماضية نجمت عن عمليات شراء ضخمة وغير معلنة من قبل بعض هذه المصارف.

وبدا واضحا ان المصارف العالمية عادت لخيار الذهب مرة اخرى بعد ركود وكشفت تقارير صندوق النقد ومجلس الذهب العالمي ان الذهب فقد اهميته كعنصر اساسي في احتياط الدول لكنه لايزال يتمتع بدرجة عالية من الجاذبية وعلى سبيل المثال تكبدت الدول العربية خسائر ضخمة من جراء انخفاض سعر صرف الدولار مقابل العملات الرئيسية الاخرى بأكثر من 22 في المئة منذ بداية 2002 الا انها عوضت الكثير من هذه الخسائر عندما ارتفعت قيمة ما تملكه من احتياطي الذهب في الفترة نفسها 68 في المئة محققة ارباحا قيمتها ستة مليارات دولار.

ويشكل الذهب في احتياط العملات الصعبة للدول العربية نحو 8 في المئة وهي نسبة صحية تقترب من المتوسط العالمي الذي لا يتعدى 7,7 في المئة وبالمقارنة لايزيد متوسط حصص الذهب في احتياطات المصارف المركزية للدول الاسيوية الكبرى مثل اليابان والصين وكوريا وتايوان على واحد في المئة مما اعتبره المحللون دافعا قويا لإطلاق عمليات شراء واسعة.

وعلى الرغم من ان الانتاج العالمي من الذهب يقدر حاليا بنحو 4 الاف طن سنويا الا ان هناك العديد من المؤشرات التي تؤكد ارتفاع انتاجه خلال السنوات المقبلة، فقد بدأت دول عديدة مثل روسيا والسعودية في وضع استراتيجيات لتدعيم الانتاج الامر الذي يتوقع ان يكون له تأثير مباشر على الانتاج العالمي.

وقالت تقارير روسية ان روسيا التي تعد واحدة من اكبر دول العالم التي تمتلك مناجم للذهب غير مستغلة بدأت في اجتذاب شركات التعدين العالمية بعيدا عن الاسواق القديمة لاستخراج الذهب المزدحمة بالفعل وعلى الرغم من ازدياد المخاطر السياسية في روسيا وشعور الشركات بقلق كبير بسبب انتشار الجرائم المنظمة هناك الا ان هذا لا يقلل من الاغراء الذي يمثله الذهب الروسي للمستثمرين الاجانب، فبسبب الانتعاش في اسعار الذهب العالمية تغلب المستثمرون الغربيون على مخاوفهم وحذرهم وبدأوا في التأقلم مع التشريعات المحلية في روسيا من اجل السيطرة على اكبر حقول ذهب غير مستغلة في العالم.

وتبدو صناعة الذهب في روسيا حاليا في مرحلة تحول جذري ولم تعد صناعة الذهب في روسيا سرية كتجارة المخدرات ولم تعد مجالاً للمغامرين الذين عملوا في روسيا خلال التسعينات بل اصبحت الان ملعبا لشركات غربية جادة، فشركات الذهب العالمية تريد الخروج من مناطق العمل التقليدية القديمة والمزدحمة مثل جنوب افريقيا والبحث عن حظوظ جديدة في اراض اكثر مخاطرة مثل روسيا.

وقد حددت بالفعل هذه الشركات مواقع المناجم في سيبيريا ومازالت تمضي قدما في مشروعاتها الطموحة، وكان عدد كبير من شركات تعدين الذهب قد انسحب من روسيا بسبب اعتبار المخاطر التي تواجهها هذه الشركات يفوق الارباح المنتظرة وأصبحت السوق الروسية اشد جاذبية الآن مع ارتفاع اسعار الذهب العالمية وتحسن الاوضاع السياسية هناك.

ويشتكي المستثمرون من الضرائب العالمية المفروضة على شركات التعدين التي تصل الى ستة في المئة في حين ان المتوسط العالمي لها لايزيد على واحد في المئة ولكن الاتفاقيات الاخيرة بين الحكومة الروسية وبعض الشركات الجديدة في روسيا مثل هاي لاند جولد البريطانية وباريك الكندية كشفت عن انفراج في هذا الجانب.

اما بالنسبة للسعودية التي يتوقع ان تدخل كلاعب مهم في مجال صناعة الذهب فتقول السلطات المختصة فيها ان مجمل عدد المواقع التي تم اكتشاف الذهب فيهايصل الى 800 موقع لم يستغل منها سوى ثلاثة حتى الان وتتوقع أن يصبح التعدين خلال السنوات العشر المقبلة احد اهم مصادر الدخل. وأصدرت وزارة الثروة المعدنية خمسة امتيازات تعدين لاستغلال الذهب والمعادن الفلزية الاخرى.

30 طنا من الصخور لاستخراج 30 غراما ذهب

لى الرغم من ضرورة توفر الموقع المناسب الذي يمكن من خلاله استخراج كمية تجارية مناسبة من معدن الذهب، إلا أن عملية الاستخراج تمر بمراحل عديدة، بينما يسبب جدلاً بيئياً كبيراً، والبعض الآخر يحمل في طياته مخاطر جمَّة على العاملين في مناجم التعدين ويؤدي في كثير من الأحيان إلى حوادث تصل إلى حد قتل العشرات.

وتبدأ العملية عادة بتفجير الجبال، ثم توضع القطع الصخرية المتكسرة في قوالب حجرية. وهذه الجبال المصنوعة من قبل الإنسان يتم سقيها بأنابيب من سائل السيانيد ولمدة سنوات، وهذا المحلول يذيب الذهب بحيث يصبح ممكناً فصله وتذويبه.

وفي بعض المواقع يتم الحصول على 30 غراماً من الذهب من خامات وزنها 30 طناً. لكن للحصول على الخامة يجب إزالة أطنان كثيرة من الأرض ثم تركها بعد ذلك. في بعض المناجم يكون من الضروري البحث في 100 طن من التربة للحصول 30 غراماً من الذهب.

والسيانيد هو ليس الخيار الوحيد، لكنه يعتبر أكثر الموارد فعالية لاستخراج الذهب غير المنظور، وحجم الفائدة ضئيلة، حسبما يقول العاملون في المناجم والذهب أصبح أكثر ندرة على الأرض لاستخراجه بطرق أخرى.

لكن وفق هذه الطريقة، تتحول تلك الصخور المكشوفة للمطر والهواء لأول مرة هي مصدر لإنتاج قنبلة زمنية بيئية. فمادة الكبريتيد في الصخور تتفاعل مع الأوكسجين، وهذا ما يصنع حامض الكبريت.

وهذا الحامض يلوث ويطلق معادن ثقيلة مثل الكاديوم والرصاص والزئبق والتي تلحق الأذى بالناس والأحياء المائية، بل حتى مع تركيز ضئيل يستمر التفاعل لقرون عدة.

ولأن غالبية الذهب المتبقي في المناجم كمياته ضئيلة، وعادة ما تجري عمليات استخراجه من الأرض بتكلفة بيئية باهظة غالباً في أكثر أجزاء العالم فقراً.

ويتمثل في عدم وجود معايير واضحة ومحددة للتعدين على نحو مقبول بيئياً واجتماعياً، ففي المناجم الكبيرة تتم إزالة نصف مليون طن من الصخور يومياً، وتوضع في صورة أكوام ضخمة تصل أحياناً إلى حجم الأهرامات الكبرى ويرش التراب المعدني بمحلول سام على مدى سنوات.

وقال تقرير نشرته في وقت سابق «نيويورك تايمز» إن مناجم الذهب، أصبحت أقرب إلى مكبّات النفايات النووية التي تتطلب مراقبة دائمة.

وتقول تقارير وكالة حماية البيئة إن عمليات التعدين في مناطق الصخور الصلبة تفرز حجماً من النفايات أكبر من النفايات التي تخلفها أي صناعة أخرى في الولايات المتحدة، وقدرت الوكالة تكلفة تنظيف مناجم المعادن العام فقط بحوالي 54 مليار دولار.

وهناك ثغرات قانونية وضعفاً في الإشراف الفيدرالي تسبباً في مضاعفة النفقات وزيادة فرص إفلات شركات التعدين من دفع نفقات التنظيف وتحميل هذا العبء لدافعي الضرائب، ويستخرج 70 بالمئة من الذهب حالياً من دول نامية، مثل غواتيمالا وغانا.

ويرى عمال المناجم والجهات التي توجه انتقادات باستمرار إلى شركات التعدين أن المعركة الحقيقية على مستقبل الذهب قد انطلقت. فشركات التعدين تقول إنها توفر العمل وتطبّق قواعد صارمة فيما يتعلق بالمحافظة على البيئة مع تجريب تكنولوجيا متطورة في مجال الاستخراج.

دبي ـ مشهد «البيان»