تعتبر المكسيك واحدة من نماذج البلدان متوسطة الدخل التي حققت المزيد من الازدهار عبر تجارة أكثر حرية وعبر تحرير اقتصادها، حيث يبلغ متوسط دخلها المحلي أكثر من ضعفي مستواه في الصين وغيرها من البلدان منخفضة الأجور. ويعكس متوسط أجورها التصنيعية هذا الازدهار المتنامي. ومنذ تطبيق اتفاقية التجارة الحرة مع أميركا الشمالية عام 1994 استقبلت البلاد نحو 170 مليار دولار على صورة استثمارات أجنبية مباشرة.
وبرز تأثير الاستثمار الأجنبي على سوق السيارات المكسيكية بشكل واضح فقد بات بإمكان المستهلكين الاختيار بين عشرات الموديلات، وبدلاً من حصر أنفسهم في أنواع محددة وفي صناعة التجزئة، فإن أسعار المواد الغذائية في مدينة المكسيك أصبحت أقل بأربعين بالمئة عما كان عليه عام 1993، وهو العام الذي فتحت فيه اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية أبواب الاقتصاد.
وقد تدفق الاستثمار الأجنبي إلى المكسيك خلال سنوات الازدهار نهاية التسعينات غير أنه انخفض مع انكماش النشاط التجاري الأميركي بين عامي 2001 ـ 2002. وكما كان متنبئاً به فإن عمليات التجميع المكسيكية بدأت في النمو من جديد عام 2004 إثر ارتفاع معدلات الطلب في أميركا.
لكن المحللين يقولون إنه يجب على المكسيك ألا تقنع بالانتعاش الحالي، وعلى صانعي السياسة فرض مزيد من الإصلاحات لدفع البلاد إلى سلّم الاقتصاد، وبدلاً من السعي لاستعادة وظائف التجميع رخيصة الأجور وقليلة الكفاءة، عليها اتخاذ ثلاث خطوات ضرورية لتعزيز نموها الاقتصادي، إذ يتعين عليها تشجيع التحول إلى أنشطة قيم مضاعفة أعلى، وتحديد استغلال الإفادة النسبية، والدفع قدماً لعملية الإصلاح التي تخلق المزيد من التنافس في المشاريع التجارية والمرونة أيضاً.
وتدل تجربة المكسيك على أن التوسع إلى أنشطة قيم مضاعفة أعلى لا يأتي من الانتقال كلية إلى صناعات جديدة مثل التكنولوجيا العالية، والدليل على ذلك أنه وعلى الرغم من أن واردات السيارات المكتملة من المكسيك ازدادت بصورة سريعة في أعقاب تطبيق اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية، وتضاعفت صادرات قطع الغيار الأميركية إليها أربع مرات، مما سمح للإنتاج كثيف رأس المال والوظائف الأعلى أجراً بالبقاء في الولايات المتحدة.