تمكنت دول أميركا الجنوبية خلال السنوات الأخيرة من فرض نفسها بقوة على الساحة الاقتصادية فبعد انتفاضة الموز الشهيرة حولت مسار اللعبة إلى قطاعي التجارة والنفط.
وبرزت دلائل قوية على أن القوى الاقتصادية العالمية الرئيسية مثل الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي والصين بدأت تعيد حساباتها في التعامل مع دول المنطقة والتعاطي مع الشأن الاقتصادي فيها بشكل مختلف عما ك ان يحدث في الماضي ومثلما أجبرت «وقفة الموز القوية» من تلك الدول الاتحاد الأوروبي للتفاوض معها وتقديم تنازلات تجارية نسبية.
يتوقع المحللون ان ترضخ الولايات المتحدة الأميركية للواقع عبر تعزيز الدبلوماسية التجارية والبعد عن الضغوط السياسية في الخروج من المأزق الذي وضعته فيها بوليفيا خلال الأسابيع القليلة الماضية بإعلانها تأميم قطاعها النفطي الذي تستثمر فيه شركات أميركية ضخمة بشكل قوي قد يرمي بظلاله على الاقتصاد الأميركي في حال انسحابها الكامل وممارسة دول أخرى في المنطقة ضغوط مشابهة.
وكان شافيز جعل التعاون في مجال الطاقة حجر الزاوية في سياسته ووقع اتفاقات ذات معاملة تفضيلية لتوريد النفط إلى دول فقيرة عدة مستوردة للنفط. ويبدو ان استخدام فنزويلا النفط لأغراض جغرافية إستراتيجية للنهوض بالتكامل في أميركا اللاتينية هو الذي حفز دولا مثل بوليفيا على تأميم مواردها الطبيعية الأساسية.
ويعتقد الخبراء ان قرار تأميم قطاع الطاقة التي تملك ثاني اكبر احتياطات من الغاز الطبيعي في أميركا اللاتينية بعد فنزويلا مرحلة جديدة من الاحتجاج المتزايد على شركات النفط الأجنبية حيث فرضت الحكومة قواعد لعبة مغايرة عن سابقاتها.
ويطالب الرئيس البوليفي هذه الشركات بدفع أكثر من 80% من أرباحها إلى الشركة الوطنية العامة للمحروقات التي باتت مكلفة إدارة الحقول البوليفية.
ولطالما ندد القادة البوليفيون بقيام هذه الشركات بنهب هذا البلد الافقر في اميركا اللاتينية رغم امتلاكه موارد طبيعية هائلة. وكان القانون حول المحروقات الصادر في مايو 2005 رفع الى نسبة 50% الضرائب والعائدات التي يتوجب على الشركات الأجنبية دفعها للدولة التي استرجعت سيطرتها على الإنتاج أيضا.
وينطبق هذا الإجراء على 26 شركة أجنبية بينها الاسبانية ربيسول والفرنسية توتال والأميركية اكسون موبيل والبريطانية بريتش غاز والبرازيلية بيتروبراس.
وأمام هذه الشركات 180 يوما للتوقيع على عقد استثمار جديد في هذا البلد الذي يملك مخزون غاز يقدر بنحو 1550 مليا متر مكعب من الغاز، ويرى الخبراء والمحللون ان خطوة بوليفيا بتأميم قطاع الطاقة ستعزز حلم الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز في تصدير نموذجه الاشتراكي لإدارة الموارد الطبيعية الى الدول الأخرى في أميركا اللاتينية وهي تحد كبير للسياسة الأميركية في هذه القارة الفقيرة.
ويقول الخبراء ان قرار الحكومة البوليفية بتولي السيطرة على قطاع التعدين يعكس تحركات الرئيس شافيز في خامس اكبر دولة مصدرة للنفط في العالم. وكان شافيز وهو منتقد كبير للرأسمالية والرئيس الأميركي جورج بوش قد اجبر الشركات التي تنتج النفط والمعادن في الدولة العضو في اوبك على إعادة التفاوض بشأن العقود من اجل زيادة مشاركة الدولة والعائدات الحكومية.
وتم تخصيص العائدات الإضافية للبرامج الاجتماعية الرامية إلى مكافحة الفقر في الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية والتي تتمتع بأرباح وفيرة من ارتفاع أسعار النفط. وفي الخارج عزز شافيز روابطه مع الزعماء اليساريين الآخرين في أميركا اللاتينية ومنهم رئيس بوليفيا الجديد ايفو موراليس ويأمل الزعيم الفنزويلي زيادة التجارة الإقليمية وإبطال النفوذ الأميركي في المنطقة.
لكن الولايات المتحدة من جانبها بدأت في ممارسة الضغوط من أجل إبطال هذه الخطوة، وأبلغت الإكوادور رسمياً بإلغاء الجولة الجديدة من مفاوضات تحرير التجارة بين البلدين بعد قرار الإكوادور مصادرة أصول شركة النفط الأميركية أوكسيدنتال بتروليوم هناك.
كانت الإكوادور قد ألغت عقد عمل أوكسدينتال فيها بدعوى انتهاك الشركة الأميركية لشروط العقد بعد بيعها جزءاً من حقل نفطي بالإكوادور إلى شركة إينكانا الكندية دون تصريح من الحكومة الإكوادورية.
وأصدر الرئيس الإكوادوري الفيرد بلاسيو قوات عسكرية لتأمين المنشآت التي تمت مصادراتها ونقل ملكيتها إلى شركة النفط المملوكة للدولة.
وتنتج أوكسدينتال حوالي 99 ألف برميل يومياً من الإكوادور تشكل حوالي 20 في المئة من إجمالي الإنتاج النفطي لهذه الدولة التي تقع على جبال الانديز في أميركا الجنوبية، وقد بلغت استثماراتها الدولة الفقيرة، وقد تلقت الشركة الأميركية أوامر بتسليم كل أصولها ومعدتها في الإكوادور إلى شركة بيترو إكوادور المملوكة للدولة.
وكانت الولايات المتحدة أطلقت مفاوضات لتحرير التجارة مع الإكوادور وبيرو وكولومبيا في مايو 2004 حيث توصلت إلى اتفاقات مع كل من بيرو وكولومبيا في حين كانت المفاوضات مستمرة مع الإكوادور.
دبي ـ «مشهد البيان»