قال خبراء اقتصاديون إن النمو السكاني الهائل الذي تشهده دول منطقة الشرق الأوسط، والذي سيؤدي بحسب تقديرات البنك الدولي لدخول نحو 4 ملايين سنوياً لدائرة الباحثين عن العمل، وبالتالي مفاقمة قضية البطالة، يتطلب ضرورة أن تعمل تلك الدول على تشجيع التجارة والاستثمارات الخاصة من أجل تحفيز نمو الاقتصاد وتعزيز حيويته.

فبزيادة التجارة والاستثمار ستتمكن دول المنطقة من تحقيق نمو أعلى، وتقليص الفقر وخلق المزيد من فرص العمل. هذا بالإضافة إلى تطوير مستوى المعرفة والمهارة والإنتاجية لدى القوة العاملة.

ومن أجل الوصول إلى ذلك لا بد من تغيير النمو القديم الذي يدار بواسطة القطاع العام، ويعتمد على النفط والمساعدات الخارجية وتحويلات العاملين والمهجر، والذي لم يعد باستطاعته تأمين نمو أسرع ووظائف كافية، وهذا ما يؤكده الأداء الاقتصادي في العقود السابقة.

وبدأت بعض الدول بالفعل في عملية إصلاح، وانفتحت على التجارة وخلقت مناخاً مضيافاً للاستثمار، وقد كانت النتائج مشجعة . واتخذ بعضها خططاً واسعة في مجال الإصلاح التجاري.

وتسعى العديد من الدول إلى تعزيز شراكتها الاقتصادية مع أوروبا، الشريك التجاري الأكبر لدول المنطقة، عبر اتفاقيات اليورو ـ ميد التجارية، في حين أن التجارة البيئية تطور عبر المنطقة العربية للتجارة الحرة والاتحاد الجمركي الحديث الإنشاء لمجلس التعاون الخليجي. هذا بالإضافة إلى إنشاء العديد من التكتلات التجارية الأصغر حجماً. هناك أيضاً سعي لتوسيع العضوية في منظمة التجارية العالمية.

لكن لا تزال هنالك حاجة للانتقال إلى نمط اقتصادي جديد لا يتسم أبداً بالسهولة خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار القوة السياسية والتنظيم الجيد للخاسرين المحتملين من هكذا إصلاحات، مقارنة بضعف تنظيم الرابحين المحتملين. من غير المفاجئ إذاً أن تكون إصلاحات التجارة الحرة والاستثمار قد سارت بخطى بطيئة ومترددة وبنتائج ضئيلة.

وفي حين أن بعض العوامل الهيكلية والخارجية المتعلقة بالاقتصاد السياسي مثل الصراعات والعقوبات، ومحدودية الأسواق قد تساعد على تفسير بعض هذه النتائج، إلا أن ضعف السياسات والإصلاحات تتحمل أيضاً مسؤولية كبرى.

ويرى الخبراء أن السياسات التي تحافظ على النمط القديم، وهي ببساطة غير فعالة ومكلفة، غير قابلة للاستمرار في النفط والمساعدات، وتحويلات العاملين في الخارج لن تتمكن من توليد المزيد من التوظيف، والدخل في السنوات المقبلة. كما أن تزايد المنافسة في الأسواق العالمية يضع مزيداً من الضغط، سواء على النشاطات التي تتطلب مهارة عالية أو تلك التي تتطلب كثافة عمل، كصناعة الملبوسات والأقمشة والتصنيع الخفيف.

وتملك دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إمكانية كبرى لجذب الاستثمارات من الخارج وتشجيع الاستثمار المحلي الخاص، وهي شروط أساسية للتجارة والتنمية. ولو كانت الصادرات غير النفطية أكبر، وفي إطار مناخ استثماري أفضل، لكان الاستثمار المحلي في السلع والخدمات التجارية أعلى بكثير، ولكان تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر مضاعفاً خمس أو ست مرات عما هو عليه اليوم «أي 3% من الناتج القومي عوضاً عن 5. 0% كما هو الحال الآن».

ولو افترضنا أنه قد تم استغلال ما لا يزيد على نصف الإمكانات الاستثمارية للمنطقة خلال العقد المقبل، فإن نمو الناتج المحلي سيقفز من 1% إلى 4% سنوياً، وسيولّد نصف هذا الازدياد من الاستثمار الخاص والنصف الآخر من ارتفاع الإنتاجية الذي يشجعه الانفتاح.

أما الأهم، هو أن هذا النمو سيستجيب للحاجة المتزايدة للتوظيف في العقد المقبل على جبهتي إيجاد فرص عمل للقادمين الجدد وتقليص مشكلة البطالة، ويحقق توسيع التجارة والاستثمار عائدات مهمة عبر خلق الوظائف، إذ إن ازدياد فرص التصدير سيخلق الملايين من الوظائف، مع احتمال أن يكون معظمها للنساء في حال أزيلت العوائق الهيكلية التي تمنع مشاركة المرأة.

وتقسّم التجارة الدولية سلسلة الإنتاج الصناعي، مما يسمح بالمزيد من التخصص ضمن هذه السلسلة، وعليه فإن الدول الصغيرة والفقيرة بالموارد في المنطقة ستستفيد من عملية التخصص هذه، ولو أخذنا حجمها في عين الاعتبار، فإن إمكانات هذه الدول تبدو غير محدودة في الأسواق الدولية، والبلدان الأكبر حجماً ستستفيد أيضاً من هذه العملية، الأسواق المحلية لهذه الدولة وقربها من الأسواق العالمية الكبرى سيجتذب فرصاً أكبر، كمَّاً وكيفاً، في مجال التصنيع، ومن هنا تبدو إمكانات التخصص في التصنيع هائلة في كل دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وسينمو قطاع الخدمات أيضاً بسبب الابتعاد عن نمط العمل الذي طالما تميز بانخفاض إنتاجيته في القطاعات العامة والخاصة والزراعة، كما أن تحسينات موازية في مستوى الطاقة البشرية وفي إدارة الحكم إضافة إلى رفع مستوى المساواة بين الجنسين ستكون عوامل أساسية، لتمكين الانتقال إلى نشاطات تعتمد على المعرفة، إذاً، ستكون التجارة مصدراً أساسياً للنمو في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في العقد المقبل، وما يليه.

وستكون على الأرجح ذات طبيعة مستلزمة لمهارات عالية، بما يترافق مع تطور صفات الشباب المتعلم الذي يدخل سوق العمل في المنطقة. كما أنها ستكون وسيلة أساسية لتحسين مشاركة المرأة في سوق العمل، كما حدث في تجارب مماثلة في العالم.

لكن هذه التأثيرات ستكون ممكنة فقط في حالة إيجاد مناخ مؤات للاستثمار من أجل رعاية الاستثمارات والشركات الجديدة، كما تبين في الصين وفيتنام والهند وإندونيسيا وماليزيا والمكسيك، من أجل تحقيق المكاسب الكبرى الممكنة من الاندماج الإقليمي والعالمي، ومن أجل تعويض الفرص الضائعة في العقدين الأخيرين، سيكون من الضروري القيام بعمل جاد بمساعدة الشركاء التجاريين للمنطقة.

ويبقى على السياسات أن تواجه لا العوائق الكامنة على مستوى محدود فقط، بل أيضاً المجموعة الكاملة من العوائق في وجه التجارة والاستثمار الكامنة على مختلف مستويات الاقتصاد والإدارة، أي السعي للتوصل إلى تكامل أعمق.

وانطلاقاً مما سبق، فإن عملية التوصل إلى مناخ استثماري وتجاري ملائم تتطلب ضرورة أن تدعم سياسة سعر صرف العملة الإصلاح التجاري عبر تعديل القيمة الرسمية للعملة.

كما أن دول المنطقة تحتاج إلى الإسراع بعملية خفض التعرفات الجمركية بشكل شامل، كما أنها يجب أن تخفض التعرفات القصوى، وأن تبسّط نظام الرسوم الجمركية الذي يشوبه التعقيد.

على سبيل المثال فإن متوسط التعرفة الجمركية الاعتيادية في المغرب وتونس هو 36 % و30% على التوالي، أي ضعفي المعدل لدول الدخل المتوسط ـ المنخفض، في حين أن مصر (21%) تبقى أعلى بكثير من هذا المعدّل، وعلى الإصلاحات أن تعمل على خفض هذه النسب. من الضروري أيضاً تجنّب حصول آثار انحرافية تسببها اتفاقات التجارة الإقليمية عبر تجنّب عطاء إعفاءات جمركية كبيرة للشركاء الإقليميين. والتعرفات الجمركية القصوى يجب أن تخفض بشكل جذري.

وبالرغم من أن الحواجز الجمركية قد أزيلت إلى حد بعيد، إلا أن البعض منها لا يزال مستمراً. كما أن المعايير المحلية للجودة وأساليب التحقق من المنتوجات غالباً ما لا تتطابق مع الشروط العالمية، كما أن العديد من القوانين تفرض مقاييس للجودة قد لا توفر شروط السلامة والصحة.

ويعد القلق من تأثير خفض التعريفات الجمركية على النظام الضريبي يعد من الأسباب الرئيسية التي تمنع دول المنطقة من خفض الجمارك بشكل سريع، لكن هذه النظرة خاطئة لأن معظم العائدات التي تفقد عبر خفض التعرفة من الممكن أن تعوّض بسرعة عبر الضرائب المحلية كضريبة القيمة المضافة التي تنمو بصورة أسرع،

وتثبّت التجارب العالمية والإقليمية أن الخسائر المتوقعة في العائدات الضريبية غالباً ما يتم المبالغة بقدرها، بل وأنه من الممكن أن تزيد العائدات عبر تحرير التجارة بسبب التقليل من التهرّب من دفع الرسوم وزيادة حجم الواردات، وبفضل الرسوم الجديدة التي ستستبدل الحواجز غير الجمركية.

وتشير التجارب الدولية إلى أن نوعية أفضل وكلفة منخفضة للخدمات الرئيسية «كالتمويل والنقل والاتصالات...»، ووسائل الإنتاج المهمة «كالكهرباء» تخفض من كلفة التصدير وتقوّي الصلات مع شبكات الإنتاج العالمية.

وبالرغم من المبادرات الأخيرة، فإن دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لا تزال بعيدة عن مرحلة تدعم الخدمات فيها التجارة والاستثمار. الواقع أن العوائق التنظيمية الحالية وانخفاض الفعالية تشكّل عوائق كبرى للتجارة والاستثمار. كما أن الخدمات الرديئة والغالية الثمن والتي غالباً ما يوفرها القطاع العام، ترفع كلفة تصدير المنتوجات في الشرق الأوسط وتحد من جاذبية الاستثمار، كما أنها تحد من توسّع التجارة داخل المنطقة.

من مصلحة دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أن تنضم إلى نظام عادل، منفتح وشامل للتجارة المتعددة في إطار منظمة التجارة الدولية. لكن التنمية المستدامة تحتاج لإصلاحات تدريجية في الزراعة والمناطق الريفية. وتحتاج أيضاً إلى انفتاح تجاري أكبر من قبل الدول الغنية، والتزاماً من قبل الشركاء التجاريين للشرق الأوسط بتلطيف الكلفة الاجتماعية المرتفعة لتحرير التجارة العالمية. وفي إطار العلاقات التجارية مع الاتحاد الأوروبي، فإن إعادة إحياء اتفاقات التجارة الإقليمية يمكنها البدء بمقاربة مسائل الانفتاح السوقي والإصلاحات التجارية.

وستكون التجارة البينية في المنطقة هي الرابح الأكبر بسبب القرب الجغرافي، اللغة والربط الأخرى. إن توسّع التجارة البينية سيكون ممكناً في حال أزيلت العوائق التجارية في وجه التجارة العالمية بشكل تدريجي في كل دول المنطقة. ومن الممكن للتجارة البينية أن تقوى بفضل اتفاقات متبادلة تمنع غلق السوق أمام منتوجات معينة في الزراعة والخدمات، وأيضاً لتأمين التوافق في الإجراءات الجمركية والتنظيمية.

البيروقراطية تعيق تقدم المشروعات الصغيرة

طالب خبراء شاركوا في المؤتمر الاقليمي للمشاريع الصغيرة الذي عقد في الكويت مؤخرا بضرورة توفير وسائل وآليات لمعالجة موضوع دعم المشروعات الصغيرة في البلدان العربية، وقالوا ان البيروقراطية تعيق تقدم تلك المشروعات. ودعا البيان الختامي للمؤتمر الذي نظمته الجمعية الاقتصادية الكويتية الى التصدي للبيروقراطية الحكومية من خلال العمل على تقليص مراحل الترخيص، وحث الجهات المختصة في كل دولة على خفض التكلفة المالية المرتبطة بالترخيص للمشاريع الصغيرة.

وطالب البيان جهات الاختصاص باعتماد الوسائل الالكترونية في معاملات الترخيص لتوفير الوقت والجهد من جانب المتقدمين لطلباتهم، وتقليلا للمصروفات العامة التي تتحملها الجهات الرسمية.

واكد اهمية قيام مشروع خاص بانشاء موقع الكتروني خاص بالمشروعات الصغيرة يتضمن شرحا تفصيليا لمتطلبات الترخيص واعادة الترخيص والتوجيه الفني بالخطوات والجوانب التي يتعين مراعاتها في اعداد دراسات الجدوى الاقتصادية ودراسات السوق المتعلقة بها، وكيفية وضع خطط عمل لها مع توفير امثلة واضحة، مشيرا الى

اهمية توضيح كيفية الحصول على المعلومات الاساسية المتعلقة بكل قطاع من القطاعات الاقتصادية التي ستقام فيها المشروعات الصغيرة مع توفير مواقع للانترنت ومعلومات الاتصال بالجهات والهيئات العامة والخاصة الكفيلة بتقديم الدعم المعلوماتي.

واكدت التوصيات ايضا اهمية تكريس قسم من هذا الموقع الالكتروني للتعريف بمنشآت المشروعات الصغيرة، وما تقدمه من سلع وخدمات بحيث يشكل منبرا للتواصل والتبادل بين القائمين على هذه المنشآت ويوفر حتى احتمال المقايضة بينها .

وحث البيان الحكومة على اصدار مشروع بقانون يكرس للمشروعات الصغيرة نسبة من عقود توريد حكومية تتحدد بسقف معين بقيمة العقد . وطالب مؤسسات المال والاعمال الكبرى في القطاع الخاص بان تكرس للمشروعات الصغيرة بنسبة مما تطرحه من عقود الخدمات وعقود مقاولي الباطن، بحيث تتحدد قيمة مناسبة من هذه العقود شريطة تحلي الطرف الثاني من القطاع الخاص بالكفاءة .

كما شدد على اهمية قيام الحكومة بترخيص المشروعات الفردية التي تدار في السكن الخاص بما يتيح لها فرصة التطور لبلوغ مستوى مشروعات صغيرة بحيث يصبح لها كيان قانوني ومؤسسي معتمد .

وحث على ضرورة قيام الصناديق والمؤسسات المختصة بالمشروعات الصغيرة في الدولة باعداد دراسات للجدوى والاسواق تخص عدة مشاريع بحيث تتوافر مجموعات من المشاريع النموذجية المعدة للتنفيذ من قبل الشباب المؤهلين لتنفيذها، حيث تكون عالية المردود نسبيا مقارنة بتدني عناصر المخاطر فيها .

واكد اهمية اعادة النظر في البرامج التعليمية بدأ من المرحلة المتوسطة وحتى نهاية المرحلة الثانوية بتضمين البرامج وحدات تعليمية خاصة لتهيئة الشباب ذهنيا وعلميا للتحلي بالمتطلبات الخاصة للخوض في عالم الاعمال ، مشيرا الى اهمية تفعيل الدور الاعلامي الحكومي والخاص بشقيه المرئي والمكتوب ضمن تحفيز الشباب للاقدام على الخوض في مجال العمل الحر وجني ثماره مع الاستعداد لبذل ما يتطلبه ذلك من جهد كبير.