إنّ مشكلة الهندسة الحديثة هي مسألة سلوك، لا فنّ. فهي لا تشبه أبداً المشكلة التي واجهت «فاغنر» (Wagner) في تأليفه «تريستان» (Tristan)، أو تلك التي واجهت مانيه (Manet) و«كوربيه» (Courbet) عندما حاولا رسم العالم الحديث كما يبدو في الواقع.
فتلك المشاكل الفنيّة واجهت أناساً يتحلّون بجيشان من المطالب العبقريّة، فيطيحون بالأشكال التقليديّة، يرفضونها أو يعيدون صياغتها. ولهذا السبب بالذات لا يجب اعتبار ما تأتّى من مغامرات أسلوبيّة كقاعدة ليتّبعها هؤلاء الفانون الأقلّ إنسانية الذين ليس عليهم إلاّ تزيين العالم وجعله إنسانيّا بكلّ بساطة.
تتوجّه مشكلة الهندسة إلى هؤلاء الفانين الأقلّ إنسانية - وعلينا أن نُدرِج بينهم أغلبية المهندسين. فبالنسبة إلى هؤلاء، لا تُعَدّ صياغتهم الأعمال على أساس فكرة «الإبداعيّة» المأخوذة من الانتصارات العظيمة للفنّ الحديث غروراً بلغ حدّه الأقصى فحسب: بل تُعدُّ خطراً عامّا علينا أن نكون مستعدّين لإصدار القوانين ضدّه. فمشكلتنا هي التالية: بأيّ مذهب تعليميّ يمكن مهندسا متواضع القدرات أن يتعلّم الأصول؟
أمّا الجواب فمتوفّر في (الثوابت) الجماليّة التي يمكن أن يفهم قيمها كلّ من اختار البناء.
تتعلّق الثابتة الأولى بالمقياس. ففي سبيل أن يكون لي علاقة شخصيّة مع البناء، عليّ إدراكه نظريّاً، بدون قيد، وبدون أن يجعلني وجوده أشعر بصغر حجمي أو برعب شديد. فتجدنا لا نتمتّع بالأبنية الهائلة الحجم أو الشاهقة العلوّ إلاّ في ظروف استثنائيّة فحسب.
أوّل ما يجدر بالبنّاء العاديّ أخذه في عين الاعتبار هو وجهة نظر الإنسان في الشارع. فعلى المبنى أن يواجه المارّ الذي لا يجب أن يكون مرغماً على رفع ناظريه إليه برهبة، أو الانحناء أمامه بإذلال، وقد أدركه شعور غامر بضآلته.
لذلك، لا بدّ من أن يكون للمباني واجهات أماميّة، تستطيع أن تنتصب أمامنا كما ننتصب أمامها. فالأثر الجماليّ يكمن في هذه الواجهات. لقد حطّمت العصرانيّة المفهوم الأساسيّ لواجهة في مبنى، ناهيك عن تحطيمها الأصول التقليديّة القديمة للمقياس.
فالمبنى ذات الطابع العصريّ يخلو منه أيّ توجيه، أيّ مقاربة ذات امتياز، وأيّ مقدّمة إلى مداه. فتراه يواجه اللاشيء، يرحّب باللاشيء، يبتسم للاشيء ويومئ للاشيء. فهل غريب بعد أن نشعر بالغربة؟
إنّ فنّ التصميم هو فنّ التراكم العمودي، هو فنّ وضع شيء فوق آخر، لأجل خلق نظام ينتشر بإيقاع من جهة إلى أخرى. والفضل في أن تنتصب مبانٍ أمامنا كما ننتصب أمامها، وفي أن ترتدي الوجه الإنسانيّ الذي يحلو لنا، إنّما يعود إلى النظام.
وكي تتمتّع الواجهة الأماميّة بهذا النظام العموديّ، من المهمّ الإفادة من الضوء، الظلّ والجوّ، من المهمّ تقسيم مساحة الجدران والتشديد على المنافذ. من المهمّ، بتعبير آخر، استعمال الحلي المعماريّة (moldings).
لم يكن استئصال الحلي المعماريّة سوى كارثة مرئيّة، والمدن العربيّة العصريّة دليل واضح على ما تركته تلك الكارثة من آثار. لم تأتِ البشاعة الحقيقيّة من بناء ناطحة سحاب بل من تجريد ناطحة السحاب هذه من كلّ تلك الخطوط، والظلال التي كانت مصدر حياتها وبهجتها؛ فقد فقدنا حسّ الاتّجاه إذ إنّ للتحرّك الأفقيّ التشديد المرئيّ نفسه كما للتحرّك العموديّ؟
غير أنّ فنّ الحلي المعماريّة لا يؤدّي إلى لصق الزينة لصقاً أعمى؛
بل يعطي مرادفات للعمليّة في اعتبار المباني أجزاء يمكن فصلها، بدون إضافة أيّ إفريز، فيمكن إدراك شكل مبنى من المباني عبر تقسيم شكله أو حجمه كمنحوتة، ما يسمح للضوء والظلّ بأن يُبيّناه بما لا يُرغم أحداً على ملاحظته، لأنّ المبنى سيكون عندئذ كالإنسان: ميزته الأساسيّة الحياة.
فكارثة الهندسة العصريّة تنبع من الاستعداد بتجاهل مذاهب العين والقلب الحقيقيّة لصالح مذهب خاطئ من الفكر.
لأن الهندسة لفتة إنسانيّة في عالم إنسانيّ، لفتة يُحكَم عليها، على غرار كلّ لفتة إنسانيّة، بحسب معناها وفرديّتها.
لهذا لا يكفي أن يقول مهندس: أعجبني مبنى، أو حتّى: أعجبني، أنا وزملائي المثقّفين. بل عليه أن يبرّر معنى وجوده، والمسألة هي إذا ما كان هو وزملاؤه على صواب.
Zena@arabianconcept.com