على متن طائرة عمودية، كانت تحلق فوق غابات مطيرة مترامية الأطراف، راح ليون رينهارت يشرح لمرافقيه وجهتهم المتمثلة في موقع سان بارتولو الأثري، قائلاً: سنقوم باكتشاف أقدم جداريات المايا المعروفة، وأقدم كتابة وجدها إنسان في الأميركتين.

ورنيهارت هذا ليس عالم آثار ولا أكاديمياً، وإنما هو صيرفي متقاعد، وفي تقديمه الدعم المالي، للحفريات في سان بارتولو، فإن رينهارت، واحد من عدد متنام من المصرفيين، والمستثمرين والمحسنين، الذين يلعبون دوراً حيوياً في علم الآثار.

وهم يقدمون ملايين الدولارات لدراسة آثار الحضارات القديمة، والمحافظة عليها امتداداً من أميركا اللاتينية، مروراً بإيطاليا وتركيا, باعثين الحياة في مشاريع، كان سيطويها النسيان، بغير ذلك.

ويمثل ذلك عودة في بعض الأوجه إلى الأيام التي كانت فيها الأحافير حكرا على الارستقراطيين الأوروبيين. ففي أعقاب الحرب الكونية الثانية اتخذت الحكومات موقفاً متشدداً إزاء المشاريع القائمة فوق أراضيها وأضحت الحفريات يحمل لواءها أكاديميون، تدعمهم الجامعات والتمويلات الحكومية.

أما الآن، فقد أخذ معينها في النضوب، إذ تقلصت المنح المقدمة من الجمعية الوطنية للمبّرة الإنسانية، على سبيل المثال، إلى 3.2 ملايين دولار عام 2005، من 206 ملايين دولار عام 1995، ومن بين آلاف الأحافير الكبيرة الممتدة في أرجاء المعمورة فإن نصف تمويل الاستكشافات التي يقودها أميركيون تأتي من مجموعات فردية، والمؤسسات التابعة لها، بحسب جيم وايزمان الرئيس السابق لمعهد الآثار في أميركا.

وكان بعض المتبرعين استولوا في الماضي على بعض القطع الأثرية، الأمر الذي أثار المخاوف من وجود عمليات نهب للآثار، غير أن رينهارت ورهط من المنقبين الجدد ينأون بأنفسهم عن ذلك، ويقولون إن جلّ اهتمامهم ينصبّ في الظروف المعيشية لتلك البلدان، التي ينقِّبون فيها، ولا يتوانون بالإضافة إلى تمويل الحفريات عن تقديم التبرعات لبناء المدارس، ودعم المشاريع الزراعية.

ومن بين أعضاء الجيل الجديد من المستفيدين، شارل ويليام عالم الآثار الذي قاد عدداً من عمليات التنقيب المهمة في كورنيت ومشاريع في صقلية وغوريدا في تركيا.

حيث موَّل ديفيد باكارد، نجل مؤسس هيولت باكارد، التنقيب في جنوب غرب تركيا التي أنقذت عدداً كبيراً من الجداريات الفسيفسائية قبل أن تغمرها مياه السد. كما قامت المؤسسة التي أنشأها ارتيمس جوكوفسكي الرئيس السابق لجامعة براون بأعمال المحافظة على المعبد العظيم في البتراء.

وكان رينهارت علم بآثار سان بارتولو عن طريق مستثمر بنكي هو لويس رانبري الذي يعمل في سوق رهونات السندات في جزر سليمان منذ ثمانينات القرن الماضي، وأسس مؤسسة دراسات ميوميركان اندفانسمنت الخاصة بالآثار.

وقرأ رينهارت في موقع فامي الالكتروني، مقالاً عن آثار بارتولو كتبه »بيل ساتورنو«، عالم آثار شاب عثر صدفة على الآثار عام 2001، ونظرا للاهتمام الذي أولته مجلة ناشيونال جيوغرافيك سوسيتي، وافق رانيهارت على تغطية التمويلات المطلوبة، وهو رقم تجاوز حتى الآن مليون مارك.

وكان شغف »رنيهارت« بالاثار تطور على مدى 34 عاماً، تضمن زيارات لايران ودبي والبحرين والاكوادور وبنما والمكسيك. وقد كان مفتونا بالحضارات القديمة، هو وزوجته. ووضع جلّ وقته واهتمامه لتلك الهواية وبعد تقاعده، أنشأ مؤسسة خاصة لتمويل أعمال الأحافير في سان بارتولو.

كما يقوم رينهارت، ومؤسسته، بتوظيف معلمين في قرية مجاورة لسان بارتولو، وتمويل بناء المدارس، وتركيب مدافئ خاصة تستهلك خمس الحطب الذي تستخدمه المدافئ التقليدية. وتعمل تلك المدافئ التي يبلغ ثمن الواحدة منها ألف دولار، على تقليص الدخان المسبب للأمراض، وابطاء تدمير الغابات. ويربط رينهارت بين عمله، والمايا القدماء منهم والأحياء.

ويقول في هذا الصدد، إن التنقيب عن المواقع الأثرية للمايا، والمحافظة عليها، يمكن أن يظهر للمايا أي حضارة وأي تراث جاؤوا منه، ومضى قائلاً: وحيث ان المايا الذين بنوا الحضارات القديمة مازالوا بين ظهرانينا، فإن الأشخاص والمؤسسات المقتدرة ماديا، سيجدون أن الفرصة متاحة لانتشال هؤلاء من غائلة الفقر.

ترجمة: وائل الخطيب