حقق الناتج الإجمالي المحلي الليتواني زيادة بلغت 7 في المئة خلال الفترة الأخيرة، وحافظ الدين العام على مستواه المتدني، وتمكنت الموازنة العامة من تحقيق فائض ملحوظ، لكن المفوضية الأوروبية رفضت مؤخراً طلب لتوانيا الانضمام إلى منطقة اليورو.
ملقية اللوم على معدل التضخم الذي تشهده البلاد والذي تجاوز 207%، وهو ما يوازي 0.04 في المئة نقطة مئوية فوق الحد الذي رسمته لوائح الاتحاد الأوروبي، وانعكس القرار سلباً على الأوساط الاقتصادية الليتوانية، ووصف رئيس مجلس إدارة في بي ماركت، كبرى شركات التجزئة، التي قضت شهوراً ستة،
في تحضير البرمجيات والسجلات، والقيود الحسابية في متاجرها إلى 195، استعداداً لما حسبته رهاناً مؤكداً، وهو اعتماد اليورو، في ذلك البلد الصغير المطل على البلطيق، والذي لا يتجاوز تعداد سكانه 3.6 ملايين نسمة، القرار بأنه »مخيّب للآمال«.
وقال إن مؤشرات ليتوانيا ممتازة، وان المطالب جميعاً بقيت. ولم يكن»جنتاراس مارشبنوكيفشيوس«، الوحيد الذي أصيب بخيبة أمله، فقد شعر ملايين من رجال الأعمال، والمواطنين، ورجال السياسة، بالخيبة أيضاً في ذلك البلد الواقع على تخوم الكتلة التجارية المكونة من 25 بلداً، ومنطقة اليورو التي تضم 12 بلداً، وأخذوا يعيدون النظر في خططهم، بعد التشدد الذي أظهرته بروكسل في السماح للقادمين الجدد بدخول نادي الاتحاد الأوروبي.
وبدورها، قامت المفوضية، غداة رفضها للطلب الليتواني، بإرجاء الموافقة على انضمام رومانيا وبلغاريا للاتحاد الأوروبي عام 2004. وكانت في وقت سابق من هذا الشهر، قطعت مفاوضات العضوية مع صربيا، لفشلها في توقيف وتسليم المشتبه باتهامهم بجرائم حرب، الجنرال راتكومالديتش.
غير أن مسؤولي الاتحاد الأوروبي الذين يتشددون في وجه القادمين الجدد، يبدون في الوقت ذاته، رغبتهم في التوسّع، وفي ظنهم أن وعد الاتحاد الأوروبي بالعضوية عام 2004، حفّز دولاً سابقة في الكتلة السوفييتية للتحرك سريعاً نحو ديمقراطيات ذات أسواق حرة.
وأن الحال سينسحب على دول البلقان وتركيا، ولا يتوانى »أولاي ريهن« الفنلندي رئيس مكتب توسعة الاتحاد، عن إطلاق وعوده، »بمنظور أوروبي« تجاه دول البلطيق الفقيرة، في كل أحاديثه، وخطاباته.
كما أن الغالبية الساحقة من مسؤولي بروكسل المدنيين، يؤيدون الترحيب بتركيا، الحليف المسلم، والمعبر المستقبلي، للغاز القادم من البحرين، الأسود وقزوين. غير أن أولئك المسؤولين أنفسهم لا يمكنهم نكران واقع سياسي حيث أظهرت استطلاعات الرأي ان مواطني الدول الأعضاء القديمة في الاتحاد الأوروبي مثل فرنسا وألمانيا أعربوا عن شكوكهم في توسعة الكتلة
وفي آخر استطلاع للمفوضية، نشرته في 6 مايو، أعرب 80% من الألمان عن اعتقادهم بأن توسعة الاتحاد الأوروبي، من شأنها إلحاق الضرر بأسواقهم العمالية، وهناك اعداد أخرى أبدت قلقها، فقد قال 68% من الفرنسيين ان الاتحاد الأوروبي يتحرك في الاتجاه الخطأ، مقابل 19%،
قالوا انه يسير في »الاتجاه الصحيح« وقال 49% من المواطنين فقط ان الانتماء إلى الاتحاد الأوروبي هو »أمر حسن« وأعرب 47% عن اعتقادهم بأن العولمة لا تعدو كونها تهديداً، مقارنة بـ 37% قالوا انها فرصة لا تعوض.
وقد استفتى القائمون على الاستطلاع أناسا مثل طالبة في الإحياء »سوزان روخمان« في برلين، والبالغة 24 عاماً، أعربت عن خشيتها من »سلب الوظائف« قائلة إنها مشكلة أن تكون برلين هي المركز المالي للاتحاد الأوروبي لان بلداناً أخرى تستجدي الأموال لإجراء التغيير اللازم.
ومن جهة أخرى قال محللون إن المفوضية الأوروبية مطالبة باتخاذ مواقف حساسة تجاه أولئك المشككين، وحسبما قال »غيرغانا توتشيفا« المحلل في مركز دراسات السياسة الأوروبية، اللجنة الفكرية في بروكسل، فأنهم يرغبون في إظهار أن العملية تحت السيطرة، وبعد عشرة أيام من استطلاع مايو الجاري نشرت المفوضية تقريرين فاترين، بخصوص رومانيا وبلغاريا، اللتين يوقعتا معاهدتي عضوية عام 2003.
وفيما يستبعد البعض بت العضوية إلا أنها تتطلب موافقة جماعية من قبل أعضاء الاتحاد الأوروبي الخمسة والعشرين جميعاً، وتسمح الاتفاقية بسنة تأخير حتى عام 2008، وفي حال الفشل في تطبيق المعايير الأوروبية كان المفروض بالمفوضية أن تصدر قرارها حول مدى استعداد البلدين الأسبوع الماضي، إلا أنها أرجأت موافقتها حتى الخريف القادم، مشيرة إلى عدة نقاط »ذات طبيعة استعجاليه مقلقة«.
وأبلغ ريهن البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ، بأن الدول ما لم تتخذ إجراءات تصحيحية، فإنها لا تعتبر جاهزة، وانتقدت المفوضية في تقريرها، بلغاريا لفشلها في مكافحة الفساد، والتقدم المحدود في حربها ضد المخدرات.
وأشار التقرير إلى بقاء 100 عقد من عقود القتل المأجورة على طريقة المافيا في بلغاريا منذ 2001 دون عقاب. وأضاف ان معدل النجاح في ملاحقة الجرائم المرتبطة بالجريمة المنظمة قبل غسيل الأموال والتزييف، والإتجار بالبشر، والجنس، وتهريب المخدرات. مازالت في أدنى مستوياتها.
وفيما يتعلق برومانيا، كان التحذير اعتمد لغة سهلة عكس نية تقدمها في مكافحة الفساد. وقالت المفوضية ان رومانيا بحاجة لإعادة تنظيم ثلاثة من مكاتبها، التي تتولى الإشراف على الزراعة، والمساعدات الزراعية وتحديث نظام تحصيل الضريبة المضافة الذي عفا عنه الزمن.
وثمة نبرة سلبية تحيط بالطلب التركي، فأنقرة مطالبة بالسير قدماً في إصلاحاتها السياسية وفتح موانئها أمام السفن القبرصية، لضمان التقدم السريع في المفاوضات لتثبيت عضويتها مع الاتحاد الأوروبي. وفي لقاء أخير مع أحد كبار المفاوضين الأتراك أكد »ريهين« على ضرورة الحاجة لتعزيز حرية التعبير واحترام الحريات الأساسية، تحت قوانين مكافحة الإرهاب،
والحريات الدينية والحقوق الثقافية، وفيما قد ترضي مواقف المفوضية أهواء المتشككين في الشوارع، فإنها تضعف سيطرة الاتحاد الأوروبي على دول البلقان وتركيا، فقد أدت الآمال التي عقدتها على العضوية، لتلك الدول الى تطبيق إصلاحات ديمغرافية وأخرى تتعلق بحرية السوق.
وبدون التلويح لها براية العضوية، فإنها قد تشهد انتكاسة خطيرة. ولقد تجاوزت التوترات حدود انضواء أعضاء جدد كي تشمل كيفية استيعاب الأعضاء الحاليين في أكثر المشاريع طموحاً، بدءاً بالعملة المشتركة، فبموجب قوانين المعاهدة، يفترض انضمام جميع أعضاء الاتحاد الأوروبي، في نهاية المطاف، الى منطقة اليورو، بما فيها الدول الفقيرة ذات الأعداد السكانية العالمية مثل بولندا وهنغاريا وجمهورية التشيك.
وقد مني واضعو السياسة الأوروبيون بخيبة أمل، نتيجة لعدم قدرة منطقة اليورو على اللحاق بركب العالم. فقد بلغ التوسع الاقتصادي العام الماضي 1.3 في المئة أقل من ثلث 4.5 في المئة المسجلة عالمياً. فمنطقة اليورو مبتلاة بضرائب مرتفعة، ومواقف حمائية، وعوائق تعرقل الاندماج العابر للحدود.
كما تباينت معدلات التضخم والتوسع في منطقة اليورو، الأمر الذي أوجد صعوبة أمام البنك المركزي الأوروبي، لاختبار سياسة سعر فائدة متجانس، وفي مواجهة تلك المهام غير المنجزة، فإن واضعي السياسية مترددون في فتح الأبواب أمام الدول الأكثر ضعفاً.
ولا تعدو سلوفينيا الجمهورية اليوغسلافية السابقة، ذات المليوني نسخة، والتي حظيت بموافقة الانضمام إلى منطقة اليورو، مؤخراً دولة صغيرة لا تشكل أي تهديد. وكذلك الحال مع ليتوانيا ويرفض الطلب الليتواني، أرادت المفوضية إرساء معايير صلبة للاقتصاد الأكبر عند انضمامها في السنوات التي تلي العام 2010.
وتعقيباً على ذلك، قالت كاتينكا باريتش الاقتصادية في مركز الإصلاح الأوروبي، اللجنة الفكرية في لندن، ان ليتوانيا ليست هي المقصودة، مضيفة بأن الأمر يتعلق ببولندا وهنغاريا.
ترجمة :وائل الخطيب
