أدت المخاوف المتجددة من تأجيج نيران التضخم، في أعقاب فترة استقرار طويلة للأسعار، إلى تخبط أسواق المال العالمية الأسبوع الماضي، حيث أنعكس ذلك في كل من أوروبا والولايات المتحدة، فقد كشفت البيانات الواردة من هناك، بأن أثار أسعار النفط العالية، أخذت آثارها ترتد على سلسلة واسعة من السلع، وليس على الصناعات المرتبطة بالطاقة،
وحدها، وهو ما خيب توقعات المستثمرين الذين طالما نشروا أجواء التفاؤل حول التضخم المستقبلي، ولقد جاءت تلك النذر المشؤومة في أعقاب موجة بيع واسعة النطاق، غمرت الأسبوع الفائت الأسهم والسلع وأسواق المال في أرجاء المعمورة في غمرة ما وصفه المستثمرون بأنه لحظة نفسية مؤثرة، وتدفق السيولة الفائضة التي غمرت أسواق المال العالمية، إلى استثمارات أكثر أمناً.
ولقد أثارت المؤشرات الدالة على صعود حدة التضخم توقعات بأن البنوك المركزية العالمية ستجد نفسها مضطرة لتشديد الشروط الائتمانية بحيث يتمكن تباطؤ النشاط الاقتصادي إلى كبح جماح التضخم، بدلا من مواصلة مسارها الحالي الهادف إلى رفع مصاريف الاقتراض إلى مستويات لا تحفز النمو ولا تعوقه.
وفي هذا السياق، قال ديفيز باورز خبير الاستثمارات العالمية الاستراتيجي في »ميريل لينش« في لندن »إن مجرد الظن بأن البنوك المركزية ستسعى إلى ترطيب الأجواء مخيف في حد ذاته«، وتابع بأن هناك تخوفا من حدوث اختلال سوقي شامل في محاور الأسهم، لم تشهده من قبل.
فمنذ أسابيع، سرت تكهنات بأن معدل داوجونز الصناعي سيخترق حافز 12.000 نقطة المهم نفسيا، غير أنه وفي تداولات نيويورك، فقد 186 نقطة، في هبوط حاد، بعد إعلان الحكومية عن ارتفاع في الاسعار الاستهلاكية خلال شهر ابريل.
مما أطلق كوابح التداول، كما انخفض مؤشر ستاندارد أند بورز 500 بواقع 1.3 في المئة. تلاه مؤشر نازداك 1 في المئة، وفي أوروبا انخفض مؤشر سهم الأوروبية العريض، داوجونز ستوكس 600، 2.8 في المئة ليصل إلى 320.08 وهو أشد انحدار له منذ ثلاث سنوات،
وقد بلغت نسبة الانخفاض في ذلك المؤشر 7 في المئة منذ وصوله أعلى مستوياته خلال خمس سنوات هذا الشهر، وسط مخاوف بأن مصاريف الاقتراض العالية، في أرجاء العالم، سوف تضر بالنمو، وتلحق الضرر بالأرباح التجارية. وفي لندن انفخض FTSE100 بواقع 2.9 في المئة إلى 56855 نقطة، وهو أكبر انخفاض له خلال ثلاث سنوات، وكان داكس في ألمانيا أحد المؤشرات الأوروبية الأكثر تضرراً حيث انخفض 3.4 في المئة في حين خسر كاك 40 3.2 في المئة.
وفي أوروبا أظهرت بيانات حديثة بأن التضخم في بلدان منطقة اليورو الإثنتي عشرة ارتفع إلى معدل سنوي بلغ 2.4 في أبريل من 2.2 في المئة في الشهر الذي سبقه، والأكثر قلقاً من منظور التجار، هو معدل التضخم الرئيسي، الذي يستثني الطاقة المتذبذبة،
وأسعار المواد الغذائية، الذي ارتفع أيضاً إلى 1.5 في المئة من 1.3 في المئة الشهر الذي سبقه وعبر الأطلنطي فإن الصورة ذاتها ظهرت خلال الفترة ذاتها، مع إعلان وزارة العمل الأميركية عن ارتفاع الأسعار الاستهلاكية في شهر أبريل نظراً للارتفاع الهائل في أسعار البنزين.
كما سجل التضخم الرئيسي الذي يستثني الطاقة وأسعار المواد الغذائية ارتفاعاً بنسبة 0.3 في المئة، أعلى مما توقعه معظم الخبراء الاقتصاديين. ومن الجدير بالذكر أن أسعار الطاقة والسلع المرتفعة، تغذي التضخم في سلع أخرى، عندما تقوم الشركات بتحميل المصاريف على المستهلكين،
وهو أمر جعله الانتعاش الاقتصادي البطيء في أوروبا شيئاً مستحيلاً، غير أن الارتفاع الحالي يكشف أن بعض الشركات باتت تملك القدرة للقيام بذلك فعلى سبيل المثال، كانت صانعة السيارات الفرنسية »فاليو« تصارع بقوة من أجل النفقات المرتفعة في أسعار الألمنيوم والنحاس، وغيرهما من المواد الخام،
غير أنها وجدت هذا العام استعداداً لدى عملائها لرفع أسعار أعلى وعطفاً على ذلك أبلغ تيري مورين رئيسها التنفيذي بلومبيرغ للأنباء أن عملاءه كانوا يرفضون بصورة قاطعة مجرد التفاوض غير أن الباب أصبح الآن مفتوحاً.
ولقد بلغ البنك المركزي الأوروبي ومجلس النقد الاحتياطي الفدرالي الآن مرحلة حساسة سيخضعان تحت وطأتها إلى ضغوط مكثفة لإقناع الأسواق المالية خلال الشهور المقبلة، بأنهما سيعملان على احتواء التضخم
وإن إظهار البنكين لغرسهما الصادق، كفيل لوحده بطرد شبح التضخم بالنسبة للمستقبل، غير أن إخفاقهما في الإقناع سيزيد من احتمال زيادتها مادة في أسعار الفائدة في وقت لاحق.
وكان البنك المركزي الأوروبي ألمح في وقت سابق إلى أنه سيرفع سعر الفائدة المرجعية، بحدود ربع في المئة نقطة خلال شهر يونيو إلى 2.75 في المئة وألمح إلى زيادة أخرى في وقت لاحق من العام.
على الرغم من أن تسارعها وحجمها يعتمد على التطورات الاقتصادية وفي صورة مماثلة أعلن مجلس النقد الاحتياطي الأسبوع الفائت أنه سيراقب المعطيات المقبلة بعد رفعه سعر الفائدة الرئيسية إلى 5 في المئة غير أن تركيز البنوك المركزية على المعلومات الجديدة
سواء كانت خاصة بالتضخم أو النمو أضفت عنصراً جديداً من عدم الاطمئنان في الأسواق المالية، التي عدلت، خلال العامين الماضيين أوضاعها بحسب استقرار فائدة البنك المركزي الأوروبي، ومجلس النقد الاحتياطي الفيدرالي الذي رفع أسعار الفائدة بالتدريج في الولايات المتحدة
وبالرغم من أن الشركات الأوروبية تحقق أرباحاً عالية في أعقاب موجة الركود، وتحقيق انتعاش اقتصادي خلال العام 2005 فإن التجار ينظرون إلى المستقبل وقد أغاظهم محيط الشك الذي أثاره التضخم.
ترجمة :وائل الخطيب
