فيلم الإسباني بدرو ألمودفوار الجديد «فولفر» أو «عائد»، عرُض ضمن المسابقة الرسمية، ربما يكون من أجمل ما تمّ عرضه للآن، وكعادة ألمودوفار، لا يخلو الفيلم من الفكاهة الإنسانية البسيطة، ومن عمق في بناء الفيلم والشخصيات لدرجة أن تضج المشاعر على الشاشة، وتكاد تأسرك بسحرها، وتحدث فيك قشعريرة لذيذة في ظاهرها؛ وجارحة في باطنها.
مدريد اليوم. «ريموندا» (بينولوبي كروز) أم شابة وجذابة وشغولة، متزوجة من رجل عاطل عن العمل، ولديها ابنة مراهقة. «ريموندا» تحتفظ بسّر فظيع لنفسها منذ الطفولة، ولديها أخت كبرى «سول» خجولة ومرتبكة، في يومٍ، تتلقى الأخت مكالمة مفادها أن العمّة قد ماتت، لكن «ريموندا» لا تستطيع الذهاب،
رغم حبها الكبير لعمتها، لأنها وجدت زوجها مقتولاً في المطبخ بطعنة سكين في صدره، وما القاتل سوى ابنتها التي تعترف بأنه كان مخموراً، وحاول مضايقتها جنسياً، فما كان من «ريموندا» سوى الوقوف مع ابنتها والاعتذار عن حفل العزاء.
في مذكرات اعترافه، يقول المخرج ألمودوفار: «يحمل عنوان الفيلم «فولفر» (عائد) عدّة أشكال من العودة بالنسبة إلي: لقد عدت إلى الكوميديا قليلاً، وإلى عالم النساء، وعدت إلى «لا مانشا»؛ حيث اللهجة، الملابس، والباحات.
عدت للعمل مرّة أخرى مع كارمن ماورا بعد سبع عشرة سنة، ومع بينولوبي كروز، ولولا ديوناس. أيضاً عدت إلى الأمومة التي هي أصل الحياة، وأصل الخيال. وبطبيعة الحال، عدت إلى أمي، فالعودة إلى «لا مانشا» هي دائماً عودة إلى حليب الأم. أثناء فترة كتابة السيناريو والتصوير، كانت أمي حاضرة دائماً، وقريبة جداً.
لا أعرف تماماً إن كان الفيلم جيداً (لستُ من يحكم)، لكنني متأكد أنه فعل الشيء الحسن الكثير لي. لديّ شعور -وأتمنى ألا يكون عابراً- بأنني استطعت إعادة ترتيب قطعة ناشزة سبّبت لي الكثير من الألم والقلق أثناء حياتي، ويمكنني القول حتى أنها دمّرت وجودي خلال السنوات الراهنة.
القطعة التي أعنيها هي «الموت»، ليس موتي أنا فقط، وأولئك الذين أحبهم، لكن قلق اختفاء كل ذلك لا يزال حياً. لم أقبله مطلقاً أو أفهمه، وذلك يضعك في موقف محزن حينما تواجه السرعة المتصاعدة لمرور الزمن. الأمر المهم الذي يعود في «فولفر» هو شبح الأم الذي يظهر للابنة.
مثل هذه الأشياء تحدث في قريتي، على الرغم من عدم إيماني بها؛إلا إذا وقعت مع آخرين، أو في المخيّلة؛ وفي هذا الفيلم -وهنا يأتي اعترافي- وَلَّد الصفاء في كما لم يحدث من فترة بعيدة؛ حقيقة، الصفاء هي كلمة معناها غامض بالنسبة إلي.
لم أكن في حياتي شخصاً صافياً البتة. إن قلقي الفطري أدّى دور المحفّز بشكلٍ عام. فقط في السنوات الراهنة تدهورت حياتي تدريجياً مستهلكة قلقاً كبيراً، وهذا لم يكن حسناً للعيش أو للعمل.لإخراج فيلم، من المهم جداً أن تكون صبوراً أكثر من أن تكون موهوباً، لكنني فقدت كل صبري منذ زمنٍ بعيد، وعلى الأخص مع الأشياء البديهية التي تتطلب صبراً أكثر.
هذا لا يعني أنني أصبحت أقل كمالاً أو أكثر رضاءً، بتاتاً، لكنني أعتقد أنني مع «فولفر» استجمعت بعضاً من «صبري». لدي شعور بأنني -من خلال هذا الفيلم- مَرَرتُ في فترة حداد كنتُ أحتاجها، حداد غير مؤلم. وعبّأت فراغاً، وقلت وداعاً لشيء: لشبابي».