قال تقرير صادر عن بيت الاستثمار العالمي »جلوبل« إن البيانات الواردة من مكتب الإحصائيات الفلسطيني المركزي عن الاقتصاد الفلسطيني تظهر بدرجة كبيرة على الواردات، وهو ما يعزى بصفة رئيسية إلى القاعدة الاقتصادية التصنيعية والزراعية الصغيرة التي تجعله يعتمد على استيراد كل من السلع والخدمات.

وفي ظل تراوح الصادرات في حدود 15.1% من الناتج المحلي الإجمالي فقط خلال الفترة الممتدة بين الأعوام 2000 ـــ 2003، تراوحت الواردات بين نسبتي 67.6 ـــ 76% من الناتج المحلي الإجمالي. كما يتضح المستوى المرتفع للواردات من خلال المستوى المرتفع لإجمالي الإنفاق المحلي وخاصة الاستهلاك المحلي الخاص الذي بقي قريباً جداً من نسبة 100% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة.

وفقاً لأحدث البيانات المتاحة عن العام 2003 انخفض عجز الحساب الجاري (السلع، الخدمات، الدخل والتحويلات الجارية) بنسبة 17.6 في المئة من 296.57 دولار أميركي خلال العام 2002 ليصل إلى ما قيمته 244.4 مليون دولار أميركي خلال العام 2003 ـــ وهو أدنى مستوى له منذ العام 1999. ويعزى هذا الانخفاض إلى الزيادة في فائض كل من التحويلات الجارية والدخل من الخارج الذي عوض عجز السلع والخدمات.

وشهدت التحويلات الجارية ـــ كمكوّن رئيسي للحساب الجاري ـــ ارتفاع الفائض بنسبة 32.66%، ليبلغ قيمة 1.47 مليار دولار أميركي خلال العام 2003. ومن بين إجمالي التحويلات، بلغت نسبة التحويلات المرتبطة بالقطاع العام 48.2% أو ما يوازي 708.84 ملايين دولار أميركي ـــ للسلطة الوطنية الفلسطينية على كل تحويلات من الدول المتبرعة ـــ في الوقت الذي يرتبط فيه المتبقي من إجمالي التحويلات بقيمة 863.07 بالقطاع الخاص.

كذلك ارتفع فائض حساب الإيرادات (أجور الموظفين والإيرادات المستثمرة) بنسبة 25.6% خلال العام 2003. وقد نتج هذا الفائض بصفة أساسية عن الزيادة في قيمة أجور الموظفين في إسرائيل والتي ارتفعت بنسبة 42.2%، لتبلغ قيمة 337.6 مليون دولار أميركي. من ناحية أخرى انخفضت إيرادات الاستثمارات بنسبة 7.27% لتبلغ قيمة 85.14 مليون دولار أميركي.

وفيما يتعلق بالحساب التجاري فقد واصل عجزه المزمن الذي ارتفع بنسبة 22.78% ليبلغ قيمة 1.49 مليار دولار أميركي بنهاية العام 2003. ويكمن سبب هذا العجز في ارتفاع الواردات بنسبة 13.82% لتصل إلى قيمة 1.83 مليار دولار أميركي وهو ما تزامن مع انخفاض الصادرات بنسبة 14% لتصل إلى قيمة 338.08 مليون دولار أميركي.

وبصفة عامة، يعكس العجز التجاري المزمن نمط التجارة، حيث القاعدة الضيقة للصادرات واعتماد الاقتصاد بشكل كبير على الواردات، كما انعكس هذا التوجه خلال العام 2004، حيث بلغ إجمالي الواردات 2.14 مليار دولار أميركي بارتفاع بلغت نسبته 19% عن العام السابق.

واستقرت الصادرات عند قيمة 328 مليون دولار أميركي بنسبة انخفاض هامشية بلغت 3% وقد نتج عن هذا الاتجاه ارتفاعاً ملموساً بنسبة 21.45% في العجز التجاري ليصل إلى 1.81 مليار دولار أميركي بنهاية العام 2004.

هذا وقد دخلت فلسطين في كثير من اتفاقات التعاون التجاري مع الأردن، مصر، السعودية، الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية وغيرها لتقديم معاملة تفضيلية للصادرات الفلسطينية. على الرغم من ذلك لم يحصل تنويع جغرافي للتجارة، حيث تعد إسرائيل حتى وقتنا هذا أهم شريك تجاري لفلسطين وهي تستحوذ على نسبة 90% من الصادرات الفلسطينية وأكثر من 70% من الواردات.

علاوة على ذلك تقوم إسرائيل بتحصيل الضرائب نيابة عن السلطة الفلسطينية وهي تشكل في الظروف العادية حوالي ثلثي إجمالي الإيرادات الفلسطينية.

ومن الأهمية ملاحظة بنود القيود التجارية، يحث لا تفرض على فلسطين أية قيود على العمليات الجارية أو الرأسمالية. وبافتراض وجود اتحاد جمركي مع إسرائيل في ظل تطبيق تعرفة منخفضة مشتركة تفرضها إسرائيل، يعتبر الاقتصاد الفلسطيني غير مقيد.

ومع ذلك يعد النظام التجاري معقداً ويعاني من القيود خلاف الرسوم الجمركية التي تفرضها إسرائيل (نتيجة لقيود التجارة والنقل المرهقة التي تفرض لأسباب أمنية). كذلك تؤثر إسرائيل على التجارة الفلسطينية عن طريق إغلاق الحدود الداخلية (الأمر الذي له أثر قوي على الصادرات) كما يعد حظر استخدام مطار غزة وعدم وجود طريق آمن بين غزة والضفة الغربية من الأسباب التي تعرقل التجارة.

نجد أن الانسحاب الإسرائيلي قد يؤثر بطريقة معاكسة على الصادرات في المستقبل في حال لم تقدم إسرائيل نظاما فعالا للحدود ووسائل نقل للسلع والأفراد بين غزة والضفة الغربية ومن ناحية أخرى سوف تؤدي الإزالة المتوقعة للحدود الداخلية وإنهاء حالة الحصار في كل من غزة والضفة الغربية ـــ والذي يحد من حركة السلع الفلسطينية ـــ إلى خفض تكلفة المعاملات وزيادة النشاط التجاري.

المالية العامة

إلى جانب الإيرادات المحلية لعبت كل من معونات الموازنة الخارجية وغيرها من مصادر التمويل كالمنح، دوراً رئيسياً في تمويل العجز المزمن للموازنة على مر السنين. وفي المتوسط، ساهم إجمالي الإيرادات المحلية في تمويل حوالي 44% من نفقات الموازنة في الفترة ما بين 2002 ـــ 2004، في حين ساهمت مصادر التمويل بنسبة 56% المتبقية.

ومن ناحية أخرى تعد النفقات الجارية من أكبر عناصر الإنفاق الحكومي، بتشكيلها ما نسبته 83% من إجمالي الإنفاق خلال الفترة نفسها. والأهم من ذلك، استحواذ الأجور والرواتب في المتوسط على ما نسبته 50% من إجمالي النفقات.

هذا وقد شهدت إيرادات السلطة الفلسطينية تراجعاً حاداً في أعقاب الانتفاضة لتنخفض من 964 مليون دولار أميركي في العام 2000 إلى 235 مليون دولار أميركي في العام 2002. ويعد هذا التراجع نتيجة مباشرة لتوقف دفعات التحويلات الإسرائيلية والمشتقة بصفة رئيسية من الضرائب غير المباشرة ضريبة القيمة المضافة، ضرائب الواردات وغيرهما من رسوم الضرائب.

إلا أنه تم استئناف تلك التحويلات مجددا منذ العام 2003فبدأت الإيرادات في الانتعاش مرة أخرى وبصفة عامة تشكل دفعات التحويلات الإسرائيلية ثلث إيرادات السلطة الفلسطينية.

ونظراً لهذه الخلفية قامت السلطة الفلسطينية بتنفيذ برامج صارمة لتقييد الإنفاق وتخصيص الموارد للمناطق الحيوية التي تلعب دوراً حاسماً في المحافظة على بقاء السلطة الفلسطينية. ومع ذلك، كان لانخفاض الإيرادات أثر مهم في دفع العجز إلى مستويات مرتفعة بلغت 952.3 مليون دولار أميركي في العام 2001.

ووفقاً للأرقام الصادرة عن وزارة المالية الفلسطينية للعام 2004. يقدر نمو إجمالي إيرادات السلطة الفلسطينية بنسبة 26.6% عن الإيرادات الفعلية للعام 2003، وصولاً إلى 947 مليون دولار أميركي. ووفقاً لذلك تكون الإيرادات الفعلية قد فاقت تقديرات الموازنة بنسبة 17.5% واستعادت مستوياتها التي بلغتها قبل الانتفاضة. ويعزى ارتفاع الإيرادات إلى النمو القوي الذي شهدته إيرادات التسوية بصفة خاصة، والذي بلغت نسبته 27.19%.

إلا أنه على الرغم من الأداء القوي للإيرادات كان الموقف المالي مقيداً، حيث قدرت المساعدات الخارجية للموازنة بقيمة 354 مليون دولار أميركي، وشكلت بمفردها حوالي نصف التمويل الخارجي للموازنة البالغ 650 مليون دولار أميركي، وقد أجبر هذا وزارة المالية على اللجوء إلى التمويل المصرفي المحلي بصورة أكبر.

ومن ناحية أخرى استقر إجمالي الإنفاق عند مستوى 1.726 مليار دولار أميركي بمعدل نمو بلغت نسبته 16.4% عن العام 2003 وارتفعت قائمة الأجور كمكون رئيسي لإجمالي النفقات »49%« بنسبة 19.3% عن مستويات العام 2003، وقد أدى ارتفاع إجمالي النفقات إلى زيادة عجز الموازنة بقيمة 779 مليون دولار أميركي في مقابل 735 مليون دولار أميركي في العام 2003.

هذا وتشير أرقام الموازنة الصادرة عن وزارة المالية للعام 2005 إلى توقع نمو الإيرادات بمعدل أبطأ من معدل نمو النفقات، الأمر الذي سيؤدي إلى ارتفاع عجز الموازنة عن العام السابق، وقد قدر ارتفاع الإيرادات بنسبة 11.72% مقارنة بالأرقام المحققة فعليا خلال العام 2004، لتصل إلى 1.06 مليار دولار أميركي.

وفي المقابل، تتوقع الموازنة ارتفاع النفقات بنسبة 28.6% لتصل إلى 2.22 مليار دولار أميركي. وتم إدراج النفقات الجارية بمعدل نمو بلغت نسبته 33.24% لتصل إلى 1.952 مليار دولار أميركي، بينما قدر نمو النفقات التنموية بارتفاع هامشي بلغت نسبته 2.68% لتصل إلى 268 مليون دولار أميركي.

وضمن العناصر الرئيسية للنفقات الجارية، استمر إجمالي الأجور يشكل أكبر نسبة مساهمة بقيمة 936 مليون دولار أميركي (42.16% من إجمالي النفقات) وبمعدل نمو بلغت نسبته 9.73% عن العام السابق.

وقد أدى هذا التدفق للإيرادات والنفقات إلى زيادة عجز الموازنة ليبلغ ما قيمته 1.162 مليار دولار أميركي أو ما يوازي ارتفاعاً بنسبة 49.2% عن العام 2004. وبالنسبة لمصادر تمويل هذا العجز، ساهمت المساعدات الخارجية للموازنة بنسبة كبيرة بلغت 56.28% أو ما يوازي 654 مليون دولار أميركي.

خطر يحيط بالموقف المالي

من المتوقع أن يكون الموقف المالي وعلى مدى الأجل المتوسط عرضة لعدة عوامل مخاطرة. وستتوقف قدرة السلطة الفلسطينية على احتواء قائمة الأجور بصورة كبيرة على إصلاح وضع منح التقاعد. كما ان خضوع عدد كبير من الوزارات لظروف طارئة سيؤدي إلى الضغط على نفقات الموازنة.

علاوة على ذلك، فإن المحافظة على النفقات بخلاف الأجور عند مستوياتها الحالية المنخفضة لن يستمر طويلاً. وأخيراً، ستعتمد استمرارية الأداء القوي للإيرادات على الوضع الأمني بصفة عامة، حيث من الممكن ان يتراجع حال ارتفعت استقطاعات الحكومة الإسرائيلية أكثر مما هو متوقع.