اجتمع خبراء غرف التجارة والصناعة في بعض الدول العربية مؤخرا بالاسكندرية لمناقشة عدد من القضايا التي تهم الدول الإسلامية ، في مقدمتها توسيع حجم التجارة البينية من 13% إلى20% من جملة التجارة الخارجية، وهو هدف ورد في توصيات عدد من المؤتمرات الإسلامية خلال الشهور الأخيرة كمؤتمر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية الذي انعقد بالقاهرة أوائل ابريل الماضي والمؤتمر المصرفي الإسلامي الذي انعقد في كونا في التوقيت نفسه.

ورغم أن مؤتمر الغرف التجارية الذي نظمته الغرفة الإسلامية للتجارة والصناعة أصدر توصيات عديدة في مجال توسيع التجارة بين الدول الإسلامية.

وكذلك توسيع الاستثمارات والسياحة والتنقلات بين هذه الدول، وهى توصيات مهمة وضرورية غير أنها لم تتضمن تحديد برامج التنفيذ ولا الخطوات العملية التي تؤدى إلى تفعيلها.

وبالتالي فهي لم تختلف عن التوصيات السابقة التي صدرت من المؤتمرات الإسلامية العديدة والتي زُيِّلت بشعارات وألفاظ رنانة ونارية وإعلامية يستريح لها كل من يقرأها لكن سرعان ما يكتشف الحقيقة عندما تحفظ في الإدراج وتبتعد عن الواقع العملي. ويظل الشعب الإسلامي على فقره المطلق يعانى من المشاكل الاقتصادية المزمنة ومن البطالة الواسعة التى تمنعه عن تأدية واجباته القومية أو المساهمة في معالجة مشاكله الاقتصادية والاجتماعية.

ولعل من أهم القضايا أمام الأمة الإسلامية زيادة التبادل التجاري البيني وتوسيع الاستثمارات من أموال إسلامية متوافرة، علما بأن حجم الاستثمارات الإسلامية المهاجرة يبلغ تريليونات من الدولارات الأميركية بينما يبلغ حجم الاستثمارات الإسلامية البينية بضعة مليارات فقط وفقاً لتصريح الشيخ صالح كامل رئيس الغرفة.

وهاتان القضيتان لم تقل لنا التوصيات كيف يمكن مواجهتهما عمليا حتى يمكن الانتقال إلى مرحلة جديدة للتعاون الإسلامي المشترك، مرحلة تقوم على العمل التنفيذي وليس الاكتفاء بالتعبير الشكلي والكلامي الذي تعيش فيه الأمة الإسلامية منذ عهد العثمانيين والمماليك من بيروقراطية إدارية لا تتحرك بموجبها الشعوب الإسلامية إلا بوسائل غريبة.

وقد يكون بعضها غير مشروع وغير مقبول ويخرج عن التعاليم الإسلامية الصحيحة، بل أن جزءا منها حرك ما يطلق عليه «الإرهاب» وقسم العالم الاسلامى إلى شيع بين مظلومين ومغلوب على أمرهم وبين ظالمين ومستبدين باحثين عن مصالحهم الشخصية فقط.

ووسط هذه المبادئ المستجدة على العالم الاسلامى، اختفت الأبحاث التي توصل إلى مخترعات جديدة وأعمال فنية أصلية سبق انتشارها في الأمة الإسلامية خلال عهود سابقة، وظهرت من خلالها مشروعات بناءة تسعى لتقنين وسائل الحياة الكريمة للشعوب الإسلامية.

وعلى سبيل المثال فإن تنمية التجارة البينية بين الدول الإسلامية لم تعد تدرس فنيا وعمليا وعلميا بل أصبحت تتم كلاميا ولفظيا ودون نتائج واضحة، بينما كانت التجارة البينية تنمو بشكل كبير بل كانت العامل القوى الذي ساعد على وصول مناطق إقليمية عديدة إلى مستوى التقدم الاقتصادي.

كما كان تسهيل إجراء المدفوعات بطرق ائتمانية عامل مهم في رفع معدلات التبادل التجاري البيني كالاتحاد الأوروبي الذي وصل فيه التبادل إلى ما يزيد عن 60% من جملة التجارة الخارجية الأوروبية.

فلماذا لا تقتدي الدول الإسلامية في البحث عن وسائل تنفيذية لتنمية التبادل التجاري البيني وزيادته إلى الهدف المطلوب وهو 20 %، بالتنظيم الذي تم في اتحاد المدفوعات الأوروبي الذي ظهر في الخمسينات واستطاع تهيئة الوسائل العملية لزيادة التجارة البينية الأوروبية وزيادة الاستثمارات بين الدول الأوروبية حتى وصلت حاليا إلى أقوى اتحاد شهدته الدول الأوروبية في العصر الحديث، ويمهد حاليا إلى إعلان وحدة اقتصادية كاملة تقوم على سياسات موحدة في مجالات التجارة و الصناعة والزراعة والاستثمار والنقد.

وتمخضت جهود الدول الأوروبية حينئذ عن إنشاء اتحاد المدفوعات الأوروبي لتيسير إجراء التسويات المتعددة الأطراف بين الدول الأوروبية المنضمة له، والمناطق النقدية التابعة لها مع تقديم الائتمان اللازم للدول الأعضاء التي يسفر ميزان مدفوعاتها عن عجز قبل الاتحاد، وبموجب التنظيم الذي تم وضعه حينئذ فقد كان الاتحاد يقوم بتسوية مراكز الدائنية والمديونية كل شهر ويتم تصفية هذه المراكز بالنسبة للدول الدائنة بدفع نسبة من قيمة الدين.

واعتبار الباقي ائتمانا يمنحه العضو للاتحاد، أما بالنسبة للدول المدينة تتم التسوية بالحصول على نسبة من قيمة العجز ومنح العضو ائتمانا بالباقي على ألا يزيد المركز التراكمي المدين للعضو عن حد معين وقد ساهمت الولايات المتحدة في رأسمال الاتحاد بمبلغ 350 مليون دولار وذلك لمواجهة زيادة ما يقدمه الاتحاد من ائتمان للدول التي تحقق عجزا في ميزان مدفوعاتها يزيد عما يمنحه الأعضاء الدائنون من الائتمان للاتحاد.

وساهم الاتحاد في علاج مشاكل المدفوعات التي واجهت الدول الأوروبية خلال فترة ما بعد الحرب وحتى عندما تقرر إنهاء العمل به في الخمسينات بعد أن أدى دوره في تمكين كثير من الدول الأوروبية من إعلان حرية التحويل.

حيث أنشأت هذه الدول فيما بينها ما يسمى باتفاقية النقد الأوروبية التي أنشئ بموجبها صندوق نقد اوروبى لمساعدة الدول التى يسفر ميزان مدفوعاتها عن عجز وذلك إلى أن تمكنت كل الدول الأوروبية من إنشاء تنظيم نقدي متكامل ساعدها على تحرير النقد بينها وإقامة بنك مركزي أوروبي وإنشاء عملة موحدة هى «اليورو».

وهكذا فإن الدول الأوروبية عندما فكرت في إقامة تعاون اقتصادي بينها، لم تلجأ إلى مؤتمرات وملتقيات تُصدر توصيات وإنما لجأت إلى عمل تنظيمات ومشروعات ووضعت برامج وخطوات عن طريق مجموعات عمل وخبراء تنفيذيين فنيين.

وأذكر أن ذلك كان يستغرق منهم عملا مستمرا ليلا ونهارا وساعدهم على إقامة الجوانب المختلفة للاتحاد الأوروبي الذي ضم في البداية خمس عشرة دولة أوروبية ثم انضمت له عشردول أوروبية أخرى، وهناك دول أوروبية أخرى تطلب حاليا الانضمام للاتحاد بإلحاح، وذلك بعد نجاحه بشكل كبير في أغلب المجالات التي يضمها.

وكان اجتماع الغرف التجارية الإسلامية الذي انعقد بالإسكندرية بداية طيبة لمرحلة إسلامية جديدة في التعاون الاسلامى المشترك، حيث أصدرت عددا من القرارات التى إذا تم تنفيذها فستكون فعلا تغييرا ملحوظا في اتجاهات العمل الاسلامى المشترك، وتحديا حقيقيا للمشاكل التى تواجهه حيث كانت أهم القرارات التي أصدرها:

(1) تأسيس بنك الاعمار الدولي الإسلامي خلال اجتماع رابطة البنوك الإسلامية بالكويت في 29 من شهر مايو الحالى، وذلك في ضوء دراسة هذا المشروع التي يتم إجراؤها حاليا بمعرفة البنوك والأعضاء في الرابطة وداخل الغرفة الإسلامية للتجارة والصناعة.

(2) تخصيص 500 مليون دولار لإنشاء عدة شركات في مجالات السياحة واستكشاف فرص الاستثمار وتمويلها وتدريب العمالة اللازمة لخدمة المشروعات التي يتم إنشائها في دول منظمة المؤتمر الاسلامى وأعضاء الغرف الإسلامية.

ولاشك أنه إذا تم تنفيذ هذه القرارات فإن ذلك يمكن أن نعتبره مرحلة إسلامية جديدة تعتمد على التنفيذ العملي ولا تكتفي بالتوصيات النظرية،علما بأن ذلك يتطلب ما يلى:

1- إنشاء مجموعة عمل من بين خبراء الغرف التجارية الإسلامية لمتابعة تنفيذ التوصيات وإجراء الاتصالات المطلوبة وعلى أن يستمر عملها حتى يتم التنفيذ العملي للقرارات وأن تعتمد في ذلك على إنشاء غرفة عمليات مستمرة مزودة بكافة وسائل الاتصالات الحديثة.

2- اجتماع لممثلي البنوك المركزية الإسلامية لوضع الأساس لإنشاء تنظيم نقدي لتسهيل إجراء المدفوعات بين الدول الإسلامية وذلك على غرار اتحاد المدفوعات الأوروبي وبتسهيلات ائتمانية كبيرة تساعد الدول الفقيرة على استمرار معاملاتها التجارية.

3- قيام الغرفة التجارية الإسلامية بمبادرة تنظيم مؤتمر قمة إسلامية اقتصادية يحضرها ملوك ورؤساء الدول الإسلامية لتضع الأسس العملية للتعاون الإسلامي المشترك الذي يقضى على الفقر ويحارب البطالة وبما يؤدى إلى بعث جديد للأمة الإسلامية يصون كرامتها ويمنع الإساءة إليها.

إنها دعوة للشيخ صالح كامل رئيس الغرفة التجارية الإسلامية بأن تبدأ الغرفة عهداً جديداً للتعاون الاقتصادي، يعتمد على العمل والانجاز وليس على التوصيات والشعارات التي عشنا عليها طوال القرون السابقة، عهد تتعاون فيه الشعوب الإسلامية تعاونا جادا في كل المجالات - سياسية، اقتصادية، ثقافية، اجتماعية وتعليمية وذلك دون ضياع لوقت ولا هدر لجهد.

مستشار وكاتب اقتصادي مصري