يبدو أن التطورات السريعة في أسواق المال والمصارف التي أصبحت تعتمد بشكل أساسي على تقنية وتكنولوجيا المعلومات المتقدمة ستفرض على الأسواق المصرفية الخليجية ضرورة التكيف معها. لذلك فإن هذه البنوك يجب ألا تتوقف عند حد معين، بل يجب العمل الدائم على تقديم خدمات مالية ومصرفية متطورة تتماشى مع احدث النظم التكنولوجية.
وتحمل الأوضاع المستقبلية تحمل للمصارف تحديات جديدة خاصة بعد التحرير الكامل لقطاع الخدمات خلال السنوات القليلة القادمة الأمر الذي يستوجب تطوير المنتجات المصرفية باستمرار وعدم الخشية من المنافسة الأجنبية لأنها وان كانت ستترك بعض الآثار السلبية، الا اننا يجب الا ننسى انها احد الأسباب التي تمكن من تبوؤ مركز متقدم على المستوى المصرفي.
وستكون محفزا في المستقبل نحو تقديم خدمة مصرفية متميزة ومتقدمة وستظهر مدى كفاءة هذه البنوك وقدرتها على البقاء داخل دائرة المنافسة التي يبدو ان المصارف التقليدية ستواجه بعض الصعوبات في الاحتفاظ بمواقعها فيها ما لم تعمل على تكييف أوضاعها مع احدث التقنيات والأدوات المصرفية.
وإذا كان موضوع الدمج المصرفي يطرح نفسه بقوة في ظل التوجه نحو تحرير وعولمة الخدمات المصرفية فإن أي طرح لهذا الموضوع يفترض ان يسبقه الحديث عن معايير ومبررات الدمج من حيث جدواه الاقتصادية وأهدافه المصرفية. فخيار الدمج يجب ان ينطلق من مبررات موضوعية تفرضها الرؤى الاستراتيجية المشتركة وتقارب التفكير والتخطيط المستقبلي ووضوح أهداف الدمج لدى المؤسسات المصرفية -او غيرها- التي تطمح في عملية الدمج.
إن وضوح الأغراض الأساسية من وراء عملية الدمج ضرورة استراتيجية لأداء المؤسسة المصرفية وحماية أموالها اذ لا يمكن تحقيق مثل هذا التوجه دون التساؤل عما اذا كان الهدف من الدمج هو زيادة الربحية ام زيادة القدرة التنافسية لمجاراة المنافسين الآخرين في السوق او تقليص المصاريف الجارية او إضافة خدمات مصرفية جديدة.
او تحقيق خدمات تكاملية تسمح بتواجد المؤسسة المصرفية ومد نشاطها إلى الخارج. فأهداف الدمج يجب ان تكون واضحة ومبررة من الناحية الاقتصادية وتصب في مصلحة المساهمين. فعلى سبيل المثال: ان تنفيذ خيار الدمج بين مؤسسات مصرفية في البحرين قد لا يقدم قيمة مضافة لتلك المؤسسات نظرا لصغر حجم السوق المحلية، الا ان الدمج هنا يمكن ان يعمل على تقليص المصاريف الجارية وعدد الفروع وبالتالي الاستغناء عن جزء من العمالة.
ولكي السؤال هو هل يمكن للبحرين التخلص من جزء من العمالة الوطنية جراء عملية الدمج؟ بمعنى آخر هل يمكن ان نتحمل التبعات السلبية التي يمكن ان يفرزها دمج مؤسستين مصرفيتين وطنيتين؟
وهذا يستدعي بدوره مناقشة الضمانات الاجتماعية والتأمين ضد البطالة في دولنا الخليجية بالمقارنة مع الدول الغربية التي تتمتع باقتصادات كبيرة وضخمة تسمح بامتصاص العمالة المسرحة في حالة الاستغناء عنها عند إجراء الدمج.
فبالإضافة الى المزايا التأمينية التي يتمتع بها العاطل عن العمل في الولايات المتحدة الأميركية فان اقتصاد هذا البلد يخلق 200 ألف وظيفة جديدة شهريا، الأمر الذي يعني ان اية عملية دمج تخلف انعكاسات سلبية يمكن امتصاصها فيما بعد، فهل تتمتع دول التعاون بهذه المزايا؟
ولا يعني هذا أننا نتحفظ على عملية الدمج بين المصارف الوطنية ولكن كما أسلفنا سابقا فإن هذه العملية تتطلب رؤية مستقبلية مشتركة بين تلك المصارف واستراتيجية واضحة المعالم وأهداف مشتركة، كما ان ذلك يتطلب أيضا دراسة دقيقة للوقوف على ايجابيات هذه الخطوة وسلبياتها.
وقد تصبح جدوى الدمج بين المصرف الوطني المصرف الخليجي او العربي أكبر حيث انه سيخلق حينئذ مزايا اقتصادية جديدة من بينها توسيع قاعدة الزبائن ودخول سوق جديدة والتكامل مع المؤسسة المصرفية الأخرى.
كما أن الإفصاح المالي يعتبر مسألة حيوية للمستثمرين في القطاع المصرفي تساعد أصحاب الشأن على التخطيط السليم واستقرار المستقبل. ومن الخطوات المتقدمة التي قد تبادر البنوك الى اتخاذها في هذا الشأن هو أن تعرض الميزانيات التقديرية الخاصة بها على المساهمين في الجمعيات العمومية او نشرها في الصحافة المحلية حيث ان من شأن ذلك تعزيز الشفافية والدور الرقابي لهذه الجمعيات تجاه استراتيجية عمل مجلس الإدارة.
ونحن ندرك أن هناك من يخشى عرض او نشر الميزانيات التقديرية لتلك الشركات بحجة أن ذلك سيطلع المنافسين على خطط الشركة، لكن البنوك تستطيع أن تقدم خططا مختصرة غير تفصيلية في هذا الشأن.
بينما يتحفظ البعض الآخر في هذا الصدد باعتبار ان الميزانية التقديرية قد تشير لتوقعات عالية بالنسبة للربحية قد لا تتحقق وسيكون مجلس الإدارة حينئذ مسؤولا عن ذلك أمام المساهمين. و لكن ما الذي يمنع أن يقوم مجلس الإدارة بشرح الأسباب التي أدت لتراجع او انكماش الربحية او عدم بلوغ المستويات المشار اليها في الميزانية التقديرية.
فالربحية - أصلا - قد تنخفض في أي فترة وسيتوجب على المجلس حينها ذكر أسباب ذلك الانخفاض، أي ان مجلس الإدارة يتحمل المسؤولية الكاملة عن أداء الشركة أمام الجمعية العمومية.
أما التحفظ الثالث الذي يقول ان عرض او نشر الميزانية التقديرية قد يخدع المساهمين إذا ما تناقضت النتائج المالية بين فصول السنة المالية فإننا نقول إن خبرة المساهم ووعيه للتطورات او التحولات في السوق كفيلة بأن تجعله يدرك أسباب القفزات الربحية التي تم تحقيقها في إحدى الفترات مقارنة بغيرها.
وأخيرا، تبرز أمامنا شكوى المستثمرين والمقترضين من ارتفاع أسعار الفائدة على القروض المقدمة من البنوك خلال الآونة الأخيرة، وهي ان كانت تأخذ منحى طبيعيا بسبب ارتفاع أسعار الفائدة العالمية.
حيث إن أسعار الفائدة لا تخرج عن مثيلاتها المتداولة في الأسواق العالمية التي تعيش أصلا نوعا من المنافسة الشديدة بل والحادة على تقديم الخدمات والمنتجات بمختلف أنواعها، لذلك فإن التنافس السعري يتقلص تدريجيا.
وذلك لمصلحة العمل على تقديم خدمات ذات قيمة مضافة أعلى للعملاء والزبائن من الأفراد والشركات عبر تسهيل إجراءات الاقتراض والاستثمار والحصول على الخدمة بالسرعة والكفاءة المطلوبة وإلغاء البيروقراطية. كما أن ذلك التنافس ينبغي أن لا يعني التساهل في عملية الإقراض على حساب الجودة والنوعية، كذلك على حساب تثقيل كاهل العملاء او ميزانيات الأفراد.
وعوضا عن ذلك يجب ان تمارس المؤسسات المصرفية دور المستشار المالي للزبون سواء كان فردا عاديا او تاجرا عندما يرغب احدهما في الاقتراض. إن هذه الدور سوف يكون له مردود جيد على أعمال البنك على المدى المتوسط والبعيد، خاصة في مثل هذه الظروف التي يتسابق فيها الأفراد للاقتراض لأغراض المضاربات، وقد شاهدنا خلال الفترة الماضية إفرازات هذه السياسة.
كاتب بحريني