عُرض فيلم «عمارة يعقوبيان» للمخرج مروان حامد ضمن «سوق كان» على هامش المهرجان، الفيلم الذي سبق عرضه في مهرجان برلين، ومهرجان ترايبيكا؛ هو أوّل فيلم طويل للمخرج، بعد فيلمه القصير «لي لي» الحائز على جوائز كثيرة من مهرجانات مختلفة. مروان حامد هو ابن السيناريست الشهير وحيد حامد، وكاتب السيناريو هنا عن رواية علاء الأسواني.

يبدأ الفيلم بسردٍ تاريخي لحكاية العمارة التي يمتلكها الأرمني هاغوب يعقوبيان، بشارع طلعت حرب الذي تقع فيه الأحداث، هذا السّرد مصحوب بلقطات بالأبيض والأسود في معظمها مراقبة دقيقة لتحوّل المدينة، والناس، والمكان، بمرور الزمن.

وهذا المرور المهم، هو لعبة الفيلم بأسره، وما يُبنى بعد ذلك ما هو إلا خيوط متشابكة لهذا المفهوم الأساسي. عندما تتقاطع الحكايات الرئيسية ببعض؛ فلأنها خاضت المرحلة الزمنية، وخضعت لتجاربها الرديئة، ما أدّى في النهاية إلى تلوينها وتقليبها أو حتى فشلها.

نتعرّف على عدّة قصص: الباشا عادل إمام، وأخته إسعاد يونس؛ نور الشريف وزوجته الثانية سمية الخشاب، خالد الصاوي والعشيق باسم سمرة، محمد إمام والخطيبة هند صبري،.

والأخوان أحمد راتب، وأحمد بدير، تتداخل علاقاتهم ببعض تدريجياً، بعضهم يقطن في العمارة ذاتها، والبعض يأتي من خارجها. هذه العلاقات المشوّشة والمضطربة، هي نتاج ما وصلت إليه حال البلد، ونتاج التغيرات السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية.

عندما تجتمع أو تفترق خيوط القصص تلك؛ فإنها تشكّل نوعاً من الاحتكاك الدرامي، الذي غالباً ما يكون سلبياً، وفي لحظات قليلة نجدها فرحة، وتضجّ بالحياة.مروان وحيد حامد ينصب بكاميراته الرشيقة، وأسلوبه الإخراجي السلس في أحيان، والمركّب في أحيان أخرى، ينصب شبكة من التمازج المرن في التنقل ما بين القصص، وتقاطعاتها الرئيسية، وتلك الفرعية.

وكلما تقدّم في الحبكة، كلما ازداد توتّر الفيلم، وتعقّدت مجريات أحداثه وعاش أبطاله مآسيهم الخاصة في هذه العمارة، التي تنظر إليها من الخارج شاهقة وأنيقة، بينما تسرّب نوافذ شققها أمواجاً من الدموع والحرقة.. عمارة من حزن، وكثير من الجفاء، لا لسبب، وإنما لأن الزمن قد مرّ، والناس تغيّروا، والبلد لم تعد هي عند بناء العمارة.

«البنات دول»

من مصر أيضاً، عُرض الفيلم التسجيلي «البنات دول» للمخرجة تهاني راشد خارج المسابقة الرسمية، وإن كان «عمارة يعقوبيان» قد كشف وعرّى المجتمع، والسياسة، والأخلاق في شكلٍ روائي؛ فإن «البنات دول» يغوص في هذه التنويعات بشكلٍ تسجيلي.

يأخذنا الفيلم إلى الشوارع الخلفية من القاهرة؛ وإلى عالم فتيات مراهقات يعشن على هامش الحياة، على الرصيف تماماً؛ حيث الرحمة مفقودة، والعنف هو سيد الموقف.

فتيات أصبحن نساء على الرصيف، فتيات حملن وولدن على الرصيف، فتيات أدمن المخدرات وشم الغراء على الرصيف، فتيات أخذن حريتهن، وقاومن قسوة الآخرين.. على الرصيف أيضاً. يدهشننا بحبهن الكبير لمواصلة العيش حتى في وقت ضعفهن، يبتسمن أثناء انحدار دموعهن، ويتعاطفن مع بعضهن لأنهن بكل بساطة عزّل إلا من سلاح اتحادهن.

هذا العالم الغريب والمخفي، هو عالم أليف بالنسبة إليهن، يجدن فيه حرية العيش، لكن من غير كرامة، حينما يأتي والد إحداهن ليصطحبها إلى البيت، تبكي بحرقة المفارق لوطنه، لأنها ستتلقى وجبات سمينة من الضرب على يد والدها وزوجته. هي مدمنة بإخلاص للشارع الذي يحمل إليها الفرحة، والرقص، والحرية، ويحمل لها أيضاً الاهانة.

وُلدت تهاني راشد في القاهرة، واستقرّت في «كويبيك» عام 1966. صنعت فيلمها الأوّل في عام 1972، ومن بعد ذلك سلسلة من الأفلام التسجيلية المهمة، والتي حازت على جوائز في مهرجانات دولية كثيرة؛ منها: «أربع نساء من مصر» (1997)، وآخرها «سوريدا، امرأة من فلسطين» (2004).

يكتب المخرج يسري نصرالله في مقدمته للفيلم: من قال أن الأفلام العظيمة تُصنع حينما يكون المخرج ملماً بالموضوع، والشخصيات حاضرة بين يديه. ربما، وبلا شك، أنا من قال ذلك، مع آخرين.

وها هي تأتي تهاني راشد بفيلم «البنات دول» لتثبت أنه ربما أكون مخطئاً، فيلم يثبت أنه لتصنع فيلماً جيداً، عليك أيضاً استنطاق المناطق الطازجة.

ماذا كانت تعرف تهاني راشد عن أطفال الشوارع في القاهرة؟ أتوقّع، ليس الكثير. الكل يلاحظهم منتشرين في كل مكان، أحياناً نتصدّق عليهم بقليلٍ من المال، لكننا نفعل المستحيل لتفادي النظر إليهم، أو حتى الإحساس بوجودهن. يستغرب المرء، ما الذي قاد تهاني راشد للنظر إليهم، ومن ثم الشروع في هذا الفيلم الرائع لتحكي لنا ما شاهدته. هل هو لغز؟

لا، لأن الفيلم يعكس بامتياز دوافعها. الفتيات جميلات، جميلات جداً، ولهن أسماء: طاطا، مريم، عبير، دنيا.. صُوِّرن كأنهن نجمات؛ يضحكن، يبكين، يرقصن، يغنين، يمتطين الحصان، يتشاجرن فيما بينهن، وضد الشباب، يدخّن، يستنشقن الغراء، يتحدّثن في السياسة، وأيضاً ـ وهو أمر مهم ـ يولدن ويرضعن أطفالهن. باختصار: يعشن.

لم تضع تهاني أسئلة؛ من مثل: لماذا هجرتن المنزل؟ الأمر جلي؛ لأنهن وجدن حرية أكبر في الشارع تقلّ عن فظاعة بيوتهن. ونعم، الفيلم الجميل، هو الفيلم الذي يُحكى في الزمن الحاضر، وفي البنات دول لا شيء هنا غير الحاضر، حاضر يقول كل شيء: بالتأكيد، هناك مستقبل أيضاً.

كان ـ مسعود أمرالله آل علي