تعرض رؤساء شركتي هيونداي وسامسونغ في كوريا الجنوبية للتحقيقات في الأشهر الأخيرة بسبب اتهامات أنهم يحاولون شراء نفوذ سياسي وتطبيق برامج لإحكام سيطرة العائلات على الشركتين وتقاضي رشاوى.

وفي الوقت الذي أسقط القضاء الاتهامات عن رئيس سامسونغ بسبب عدم توفر الأدلة الجنائية، وجه الاتهام لتشونج مونج رئيس هيونداي مؤخراً بأنه أساء استغلال مئات الملايين من الدولارات من شركات، بعضها دفع رشاوى وينتظر تشونج المحاكم حالياً.

والحقيقة أن إلقاء القبض على تشونج هز شركة هيونداي، وهو دليل على سيطرته التامة على العمليات في الشركة، والعمليات الروتينية مستمرة في الشركة، وعينت الأخيرة نائب الرئيس في محل تشونج.

ويقول المحللون والموظفون في الشركة إن القرارات الكبيرة مثل إنتاج سيارات هجينة تعمل بالوقود والكهرباء، توقفت لأن المديرين لا يعرفون ماذا يفعلون.

والأسوأ بالنسبة لشركة هيونداي التي تنتج سيارة كل 57 ثانية هو أن تشونج قد يكون بعيداً عن العمل لفترة غير قصيرة وإذا ثبتت إدانته قد يقضي حياته في السجن، رغم أن الخبراء يقولون انه يحتمل أن يقضي 4 إلى 5 سنوات فقط في الحبس.

ويقول اوليز داكز المتحدث باسم هيونداي موتورز انه الذي أوصل الشركة إلى ما هي فيه الآن، ولا نعرف إذا ما كان بمقدورنا أن نجد بديلاً له، والإطاحة بتشونج تهدد مستقبل الشركة في الوقت الذي بدأنا فيه منافسة شركات كبرى مثل تويوتا.

ويرى العاملون تشونج على أنه قائد صاحب رؤية قادهم إلى أرض الميعاد في صناعة السيارات بتركيزه الشديد على الجودة. ويقولون ان هيونداي وكيا موتورز تحت قيادته كونا معاً سابع أكبر شركة سيارات في العالم، ولها مصانع في نحو ست دول منها أميركا.

وكان تشونج المدمن على العمل يدعو التنفيذيين للاجتماع في مكتبه يومياً في السادسة والنصف صباحاً.وكان مسموحاً لتشونج بـ 15 دقيقة فقط يومياً من المكالمات الهاتفية أثناء حبسه حالياً، وهذا يجعل من المستحيل عليه أن يدير الشركة، لكن تشونج دعا العاملين في الشركة إلى المضي قدماً بدونه.

وجاء في رسالة تشونج للموظفين ان الأهم هو شرفكم وكبرياؤكم الذي بذلتم جهداً كبيراً من أجلهما، والآن تعرضا للإصابة، وحث الموظفين على بذل كل ما في وسعهم لبناء وجه جديد لشركة هيونداي كيا موتورز.

وقال المحللون إن اعتماد هيونداي على تشونج يثبت إلى أي مدى تعتمد الشركات الكورية على العائلات والفشل في إيجاد كوادر جديدة من المديرين المحترفين أو مجالس الإدارة المستقلة التي تستطيع اتخاذ القرارات الصعبة. وأعرب المحللون عن التشاؤم عندما سألتهم نيويورك تايمز إذا كانت المجموعة تستطيع الاستمرار من دون تشونج.

وقال ليم تشاي جو المحلل في كيوبو للأوراق المالية في سيئول من المستحيل ان تسير الشركة من دون تشونج لأن هذه الشركات لا تسير حسب قواعد الإدارة المحترفة. وحتى الآن يتخذ تشونج القرارات الصعبة وهو في سجنه.

وليست هيونداي موتورز هي الوحيدة في ذلك فقد كشفت الفضائح الأخيرة في سامسونغ عن التناقض في شركات كوريا الجنوبية التي تنتج منتجات ذات قدرة تنافسية عالمية وتدير عمليات يومية بكفاءة معروفة، في الوقت الذي تدار فيه كملكية خاصة لعائلات كبيرة.

وقال متحدثون باسم مختلف المجموعات من الشركات إن الجدل ليس عادلاً، وأشاروا إلى نجاح المجموعة وأن هذا النجاح دليل على كفاءة إدارة العائلات. وعائلة تشونغ مثلاً حولت وكالة سيارات صغيرة افتتحت في سيئول عام 1945 إلى مجموعة هيونداي الحالية التي تتبعها 40 شركة وقيمة مبيعاتها 91 مليار دولار العام الماضي.

لكن المنتقدين وعلى رأسهم المؤيدون للمساهمين يقولون إن المجموعات التي تسيطر عليها عائلات عفا عليها الزمن وغالباً تكون مغلقة ومعرضة للفساد في الوقت الذي يحاول اقتصاد كوريا الجنوبية الانفتاح.

وتتجذر هذه المشكلات في السنوات التي تلت 1950 ـــ 1953 التي شهدت الحرب الكورية عندما سعت الحكومات العسكرية المتتالية إلى إخراج البلاد من الحالة المزرية بتركيز رأس المال النادر والتقنية في أيدي قلة. وأدى ذلك إلى تعزيز المشروعات التي تديرها العائلات التي نمت وزادت إلى جانب اقتصاد كوريا وتحولت إلى قلاع صناعية تعرف باسم »تشايبول«.

والان تسيطر التشايبول (الشركات العائلية) على كل القطاعات في كوريا الجنوبية وتظهر أسماؤها على الأحياء السكنية والأبراج والهواتف النقالة والناقلات العملاقة.

ويقول بنك كوريا المركزي إن أكبر 30 شركة عائلية في البلاد تمثل 40% من اقتصادها البالغ حجمه 965 مليار دولار، وتحتل المركز الـــ 14 في العالم. وأكبر هذه المجموعات وهي سامسونغ التي تشمل سامسونغ للالكترونيات، تسيطر وحدها على 7.6% من الأصول الاقتصادية في البلاد.

ويقول الخبراء إن سيطرة العائلات ليست المشكلة في حد ذاتها، ويضربون المثل بشركات عائلية عالمية مثل روكفلر وفورد، لكن ما تحتاجه كوريا هو مزيد من الانفتاح حتى يستطيع المساهمون في هذه الشركات أن يعرفوا ماذا يحدث. ويقول الخبراء ان هذا قد يكون حتماً ـــ أي الانفتاح ـــ لكن مقاومة العائلات تؤجل حدوثه لعقد آخر.

ويقول كيم سون ونج المحامي في مركز جودة حاكمية الشركات ان لا مشكلة لديه في العمليات اليومية لهذه الشركات ولا مشكلة لديه في امتلاك العائلات للشركات لكن المشكلة أنه لا توجد رقابة حالية على ما تفعله العائلات. فهل تدير العائلات هذه الشركات لصالح المساهمين أم لصالحها وحدها؟

ويقول الخبراء إن بعض الشركات العائلية تحاول أن تقضي على الانتقادات بنشر مخاوف من السيطرة الأجنبية، بدلاً من ان تهتم بمصالح الشركات وتنشر هذه الشركات هذه المخاوف عبر الصحافة وصناع الرأي ليؤيدوا فكرة أن إضعاف الشركات العائلية في كوريا الجنوبية سيجعل البلاد عرضة لتدخل الأجانب.

وقال أحد زعماء شركات العائلات »نعم إننا سيئون، لكن الأجانب أكثر سوءاً إذا سيطروا على شركاتنا«.وهناك أيضاً تساؤلات حول توقيت الحملة الحالية التي تأتي في وقت تكتسب فيه شركات مثل هيونداي موتورز سمعة واعترافاً عالمياً،

ويقول الخبراء إنه لم يحدث أبداً أن ألقي القبض على أحد زعماء الشركات العائلية وتوجيه اتهامات إليه رغم أن الشركات العائلية وقعت تحت نيران الانتقاد منذ تحول البلاد إلى الديمقراطية في مطلع التسعينات ويقولون إن القضاء يبدو الآن تواقاً لإثبات استقلاليته ويقولون إن الرئيس رو مو هيون يرغب أيضاً في إثبات شعبيته عن طريق ضرب الأثرياء ثراء فاحشاً.

ويرى خبراء أن هناك سبباً آخر للحملة الحالية ضد الشركات العائلية وهو التغير في الحماية الجيلية في كل الشركات العائلية تقريباً. فالزعماء أمثال تشونج رئيس هيونداي ولي كون هي رئيس سامسونغ هم من الجيل الثاني، الذين ساهموا في بناء هذه المجموعات ويحملون أخلاق ومبادئ آبائهم، ومع اقتراب وقت تقاعدهم نظراً للسن هناك شكوك متزايدة في أبنائهم، الذين يراهم الغالبية.

ليسوا على نفس الكفاءة بعد أن تربوا على الترف. ويقول الخبراء إن الانتقاد الشعبي له تأثيره، حتى بالنسبة لشركة سامسونغ العملاقة، وأعلنت الشركة مؤخراً أن رئيسها لي ينوي دفع ضريبة أيلولة 1.6 مليار دولار عندما يسلم نصيبه في المجموعة لابنه، والإشارة الفورية التي نتجت هي أن لي يحاول نقل الأصول إلى أولاده عن طريق برامج نقل الأسهم بطريقة تجعله يتهرب من دفع الضرائب.

وقال جانغ هاسونغ عميد كلية إدارة الأعمال في جامعة كوريا الجنوبية إن الشركات العائلية تعرف أنها لابد أن تتغير، لكن العائلات سوف تحاول المماطلة لأطول وقت ممكن، إلا أنها لابد أن تتكيف مع التغير في النهاية وتتعايش معه.

هيونداي تنتج سيارة كل 57 ثانية.

ترجمة : أشرف رفيق