تستثمر إمارة دبي 140 مليار استرليني (أي ما يقارب تريليون درهم) لكي تتحول إلى أكبر مركز مالي في المنطقة، كي تكون مثالاً يحتذى لجيرانها وتحقق قصة نجاح خيالية. وقد دهش كثيرون عندما أعلنت دبي عن بناء جزيرة النخلة جميرا، وقال المنتقدون ان العرب ينوون بيع الرمال، لكن أول مجموعة من الفيلات قيمتها 4 ملايين استرليني انتهت منذ أسبوع تقريباً على نخلة الجميرا، وسوف ينتقل 70 ألف ساكن إلى الجزيرة في الصيف الحالي.

وقال تقرير لصحيفة صنداي تايمز ان جزيرة نخلة جميرا هي أهم مشروعات دبي التي تهدف إلى وضعها على الخريطة العالمية، ويتبع نخلة جميرا نخلات أخرى في ديرة، وجزر صناعية تشبه قارات العالم وعددها 300 جزيرة. وتبني دبي أيضاً أعلى برج في العالم (برج دبي) الذي يصل ارتفاعه إلى 2300 قدم ويحتوى فندقاً ويحيط به مجمع سكني وتجاري. وتقول الصنداي تايمز ان هذه هي البداية فقط.

وأعلنت دبي مؤخراً عن إنشاء 40 مدينة، عبارة عن مناطق حرة معفاة من الضرائب على غرار مركز وول ستريت المالي في أميركا، وإنشاء مليون وحدة سكنية جديدة وأكبر مطار في العالم. وتضاعف طيران الإمارات أسطولها الجوي وتقوم شركات دبي باقتناص الموانئ والأراضي والفنادق وعقارات بمليارات الدولارات في أنحاء العالم.

ويصل إجمالي الإنفاق في هذا كله إلى 140 مليار استرليني أي أكثر مما تم إنفاقه في أميركا والصين معاً في العام الماضي. لكن صنداي تايمز طرحت السؤال، وقالت لماذا تفعل دبي كل هذا؟ وماالذي يجعل مدينة صغيرة مثل دبي تراهن على حجز مكان في سجل التاريخ، وأن تستغل كل ما لديها من مواد بترولية وغيرها لتكون قوة عالمية حديثة.

وعادت الصحيفة تقول إن دبي لا تكشف عن أسرارها، لكن صنداي تايمز عندما تحدثت إلى مصادرها اكتشفت أن حكومة دبي وقادتها لديهما رؤية شجاعة طموحة تستطيع أن تحول ليس دبي فقط بل المنطقة بكاملها إلى أفضل مما هي عليه الآن من فقر ونزاعات.

وقالت الصحيفة البريطانية ان دبي تسابق الزمن لتكون مركز الشرق الأوسط المالي والترفيهي وأن تكون سويسرا الشرق والخليج، لتأمين مستقبلها عندما تنضب موارد البترول بعد نحو 10 سنوات، لكن حكومة دبي تهدف إلى أبعد من ذلك أيضاً، فهي تريد إقامة نموذج اقتصادي اجتماعي ديني شرقي على أسس وقواعد غربية تكون عاملاً محفزاً ومساعداً للتغيير في الدول العربية.

وهناك عزم أكيد وراء الجذب السياحي والمباني التجارية والفنادق البراقة، ومراكز التسوق والطرق الواسعة الحديثة، على إنشاء وكتابة قصة نجاح إسلامية حديثة تتفق ومبادئ الرأسمالية سوف تدفع دبي وجيرانها نحو عتبات العالم الحديث.

وتريد حكومة دبي ان تحقق ذلك كله دون أي مشكلات أو مضايقات تصاحب غالباً النمو على الطراز الغربي، خاصة الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الصحافة. ونقلت الصحيفة عن سلطان أحمد بن سليم قوله »إننا لا نريد فقط تغيير دبي، بل نريد أن يعم نموذج دبي في الشرق الأوسط«.

وقال بن سليم أن الدول العربية ضيعت فرصة تاريخية لاستغلال بترولها الغزير لنشر الثروة والسلام. ولا بد أن تتغير الدول العربية وتتبع نموذج دبي الحر شبيه الغرب.وأضاف ان شعوب الشرق الأوسط في حاجة إلى الحرية الكافية لممارسة الأعمال والتجارة، والحل الاقتصادي هو الأمثل لكل مشكلة.

وسوف نبذل مافي وسعنا لمساعدة جيراننا على أن يكونوا مثلنا. وتبدو هذه الأفكار كأنها برنامج مكتوب. إمارة بترولية غنية تستورد الحلم الأميركي إلى الشرق الأوسط وتنشر قيما وتقاليدا غربية من بيروت إلى عمان.

والنمو الاقتصادي يساعد في القضاء على الفقر الذي يولد الإرهاب، وكل ذلك يجري بدون اعتراضات من متشددين.ويخشى المنتقدون ان تكون حكومة دبي في حالة حلم، ويتساءل أكثرهم تفاؤلاً إذا كان هذا حقيقة.

ان دبي لا تبدو حقيقة بالنسبة لستة ملايين شخص يزورونها سنويا، جعلوا منها أسرع المقاصد السياحية نمواً في تاريخ السياحة والسفر، لكنها الشكل الذي يفضلونه. وأحدث عوامل الجذب السياحي في دبي هو مجمع التزلج على الجليد (دبي سكي) داخل الصحراء.

وقالت سائحة عندما شاهدت مواطنين يرفعون لباسهم التقليدي لارتداء أحذية التزلج على الجليد: لا يمكن ان تكون هذه حقيقة، ان دبي بها مساجد وكثبان رملية وفندق تحت المياه ومتاجر فيرساتشي الإيطالية وأيضاً منتجع تزلج على الجليد. هذا غير معقول!.

وقال التقرير ان دبي بكاملها تبدو كما لو كانت حديقة ديزني لاند. لكن حمزة مصطفى (32 سنة) يصر على أن دبي هي أكثر الأماكن واقعية على وجه الأرض. ويضيف: »يدعي البعض أن العرب والمسلمين أشرار العالم.. ان مشروع دبي يغير هذه المقولة، وليس الأمر فقط ان نحقق الأكبر والأفضل«.

من أجل دبي فقط. نحن نريد ان نكتب قصة نجاح تجعل الآخرين ينظرون الينا باحترام. إنه طموح بلا حدود فكيف يتحول مكان بمساحة مدينة »كنت« الى هذا الحجم الهائل؟

ولفتت الصنداي تايمز الى ان دبي كانت حياً تجارياً على الساحل الغربي للخليج عندما ظهرت على الخريطة أول مرة في أوائل القرن التاسع عشر، في ذاك الوقت كانت عبارة عن مجموعة من الآبار فقط ومزرعتين ومنزل الحاكم.

ثم أسس آل مكتوم الإمارة عام 1833، وكان آل مكتوم من كبار التجار المهرة المحنكين. وبدأوا يستخدمون الإعفاءات الضريبية لجذب السفن والتجارة الى الإمارة، فتحولت الإمارة الصغيرة الى أهم ميناء تجاري في المنطقة.

لكن دبي منذ 50 عاماً كانت فقيرة ولا توجد بها مرافق حديثة أو حتى كافية. لكن هذا الوضع تغير بعد اكتشاف البترول. وقررت حكومة دبي في ذلك الوقت ألا تفعل مثل جيرانها وتضيع الثروة التي هبطت من السماء بل استغلت عائدات البترول لإنشاء اقتصاد متنوع سريع النمو يدوم حتى بعد نضوب البترول ذاته.

وأنشأت حكومة دبي أكبر مطار في الشرق الأوسط وأكبر ميناء اصطناعي وبدأت في جذب الشركات الغربية بالإعفاءات الضريبية. وأسست دبي شركة طيران الإمارات، التي اعتمدت على تأجير طائرة واحدة فقط من الخطوط الباكستانية في بدايتها.

وشجعت حكومة دبي على إنشاء شركات عقارية وأنشأت قطاع خدمات مالية ومدن مناطق حرة لتشجيع الاستثمارات الأجنبية في القطاعات الرئيسية مثل الإعلام والانترنت، ووافقت على استثمارات خارجية ضخمة.

وكل خطوة اتخذتها حكومة دبي كانت تضع لبنة في دبي الجديدة، فأنشأت عناصر جذب سياحي مثل أول فندق في العالم من فئة 7 نجوم ـ برج العرب، ونظمت دبي بطولات رياضية بجوائز خيالية، مثل جائزة 4 ملايين استرليني لسباق كأس دبي العالمية للخيول، جائزة مليون استرليني لبطولة دبي للجولف وغيرهما.

وتنفق دبي 40 مليار استرليني خلال السنوات الثلاث المقبلة لإنشاء مدن صغيرة ومناطق حرة فضلاً عن مشروعات عملاقة تحت الإنشاء حالياً مثل دبي لاند التي تصل إلى مساحة مانهاتن الأميركية.

واختتم التقرير بالقول ان سكان دبي سعداء بنظامها وما يجري فيها وما تبذله حكومتها من جهود.ونقلت عن أحد رجال الأعمال قوله »نحن واثقون من أن حكومة دبي سوف تنقل البلاد نقلة نوعية وسوف تجعلنا جميعاً أثرياء«.

ترجمة: أشرف رفيق