بعد سبعة أعوام على إنجازهما فيلمهما الروائي الطويل الأول «البيت الزهر»، حقّق المخرجان اللبنانيان جوانا حاجي توما وخليل جريج فيلمهما الروائي الطويل الثاني «يوم آخر»، الذي شارك في عدد كبير من المهرجانات السينمائية العربية والدولية، وفاز بجوائز مختلفة في خلال العام الفائت.

في «البيت الزهر»، تناول المخرجان مرحلة ما بعد انتهاء الحرب اللبنانية في مطلع تسعينات القرن المنصرم، كي يرسما لوحة سينمائية عن واقع الحال الإنساني في مواجهة مشروع إعادة إعمار المدينة المدمّرة بيروت.

لكنهما لم يبتعدا كلّياً عن مناخ الحرب وأعوامها القذرة. وفي «يوم آخر»، سلّطا ضوءاً إنسانياً وفنياً بديعاً على أحد أسئلة الحرب التي لا تزال معلّقة في فراغ السلم:

سؤال المفقودين والمخطوفين. هذه المرّة أيضاً، لم يعد المخرجان حاجي توما وجريج إلى أعوام الحرب بشكل مباشر، بل اختارا يوماً واحداً من أيام السلم الأهلي المنقوص والهشّ، كي يرويا تفاصيل قاسية عن الحياة اليومية للّبنانيين، من خلال قصّة أم (جوليا قصّار) وابنها (زياد سعد) اللذين يواجهان تحدّياً خطراً: إعلان موت الزوج(الأب المفقود منذ خمسة عشر عاماً).

لا يسرد «يوم آخر» هذه الحكاية بشكل خطابي ومباشر. ذلك أن كاميرا جوانا حاجي توما وخليل جريج تخترق الذات الإنسانية، وتفاصيل العلاقة القائمة بين الأهل وأبنائهم، ويوميات البؤس المزروع في اليومي والحياتي والإنساني لمجتمع محاصر بألف همّ وأزمة.

يُمكن القول إن «يوم آخر» سردٌ بصري جميل لحالة الفقدان: الأم فقدت زوجها، وابنا يكاد يفقد حياته كلّها بسبب تعنّت الأم ورفضها ممارسة الحِداد، وبسبب انهيار علاقته بحبيبته.

ومدينة فقدت روحها وحيويتها، على الرغم من مظاهر الحياة ليلاً ونهاراً: «حين يبدأ المرء كتابة نصّ ما، لا يعرف إلى أين يُمكنه الوصول»، كما قالت جوانا حاجي توما في حوار مع «البيان».

أضافت: «اشتغلنا، خليل وأنا، على فكرة أولى، استمديناها من مشاعرنا الخاصة إزاء الحياة اليومية التي نعيشها، ومن وقائع هذه الحياة التي تمرّ على أصدقاء لنا: صعوبة أن يعيش المرء الحاضرَ الخاص به.

هناك ماض ثقيل يريد هذا المرء أن يخرج منه، وفي الوقت ذاته ،هناك مستقبل غير واضح وحاضر يشبه الهستيريا. كأنك تتحرّك وتعيد تحرّكك مرات ومرات، من دون أن تتقدّم خطوة واحدة إلى الأمام». من جهته، تحدّث خليل جريج عن مسألة المفقودين: «كل لبناني، تقريباً، لديه قريب أو صديق مفقود.

أو إنه يعرف أحداً لديه مفقود أو مخطوف. «المفقود -المخطوف» هو أيضاً سؤال عن الحاضر وليس عن الماضي. ف«هو» لا يزال مفقوداً. خالي خُطف في العام 1985. أنا مقتنع أنه لم يعد حيّاً يُرزق، وأنه ليس موجوداً في أي سجن، لا في سوريا ولا في إسرائيل ولا في أي مكان آخر». أضاف جريج: «من هنا، يُطرح سؤال الجسد: أين هي الأجساد؟

يجب أن تظهر الجثث. إن غياب الأجساد - الجثث يفتح موضوعاً آخر: الأشباح. إذاً: الجسد غير موجود، والحِداد لم يتمّ». ربما لهذا كلّه أعادت جوانا حاجي توما طرح سؤال آخر: «علاقتنا بالحرب وذكرياتها، وعلاقتنا بالماضي أيضاً. في كل مرّة ننجز فيها فيلماً جديداً، نسمع التعليق نفسه من كثيرين: «آه، إنه فيلم آخر عن الحرب».

لا نتحدّث عن فترة الحرب، بل نشتغل دائماً على الحاضر. لكن المسألة أكبر من الفترة الزمنية: هناك أسئلة لا تزال حاضرة في الآنيّ، على الرغم من أنها مستلّة من الماضي». أما خليل جريج فقال إن إحدى المشاكل التي واجهتهما معاً، تكمن في كيفية سرد قصّة في لبنان:

«بعد «البيت الزهر»، واجهتنا هذه المشكلة. أي نوع من القصص نستطيع أن نكتب؟ هناك واقع يفضي إلى نتيجة. لكننا لم نكتب تاريخنا في لبنان بعد، والمشكلة الأساس تكمن في الذاكرة.

لا أحد يريد البحث في الذاكرة أو العودة إلى التاريخ. في الفيلم، لا نقول ما هي بيروت، أو ما هي الحرب، بل نسعى إلى منح المُشاهد إحساساً ما بكيفية عيش الواقع والعلاقة بالجسد وغيرها». وهذا ما أكّدته حاجي توما بقولها إن «لا تفسير في أفلامنا، بل رواية. نطرح أسئلة كثيرة، ونصنع أفلاماً مليئة بالأحاسيس. نحاول دفع المُشاهد إلى اكتشاف مشاعر وأحاسيس.

كما أننا نتيح له فسحة كبيرة كي يضع نفسه فيها ويتماهى أو يتشابه بما يجري فيه. نحب هذا النوع من الأفلام: أفلام الأحاسيس». في مقابل التقاط نبض مدينة وفضائها المعتمل بأسئلة ووقائع وتفاصيل، يُمكن القول إن «يوم آخر» يُقدّم، أيضاً، عدداً من السِيَر: سيرة مدينة، سيرة أفراد، سيرة حكايات، إلخ. أكّدت جوانا حاجي توما أن هناك سيراً عدّة في الفيلم:

«أحببنا العمل على يوميات، والقصص الإنسانية تروى من خلال قصّة كبيرة واحدة». وأصرّ جريج على أنهما لا يستعملان صوراً رمزية أو توريات: «هناك نوع من صورة عرضية تلتقط الواقع الخاصّ بنا.

يمتلئ الفيلم بالأحداث التي تتلاءم ومشاعرنا. فهو قريب من حياتنا. لكنه مفتوح على آفاق مختلفة: أنت قلت لنا إنك وجدت في النهاية أملاً ما بتبدّل أحوال ونفسيات ومسارات.

هناك من قال لنا إن النهاية نفسها هذه عكست إحباطاً. هذا جميل. كل واحد يتبنّى الفيلم، ويعيد ترميمه بأحاسيسه الخاصّة». أضافت حاجي توما: «في الفيلم، هناك أكثر من سيرة. هذا صحيح. سير الأم والابن والمدينة. لكن، هناك أيضاً سيرة المُشاهد».

من ناحية أخرى، تحدّث الثنائي حاجي توما وجريج عن «قصّة جيل» في فيلمهما الأخير هذا. قالت حاجي توما إن «يوم آخر» يتناول «جيلاً محدّداً هو الجيل الذي ينتمي إليه مالك (الابن).

جيل تائه بين حنين إلى ماض أسطوري هو ماضي بيروت قبل الحرب، والشعور بالذنب الناجم عن فترة الحرب، والقلق من مستقبل غامض في منطقة غير مستقرّة سياسياً. جيل لا ينفكّ عن التساؤل كيف له أن يحبّ، أن يبني، أن يعيش في حاضره؟».

أضاف جريج: «غالباً ما يعيش المرء الحاضر بطريقة حادة و«هستيرية» ومتكرّرة ليلاً. هذا الليل الذي يُكرّس اللحظة، فينسى المرء نفسه فيه ليضيع في الملاهي الليلية والحانات بحثاً عن جماعة ينتمي إليها. وتساءلت حاجي توما:

«أي مكان وأي زمان يسمحان للمرء بالعيش وفقاً لنمطه الخاص، حتى لو عنى ذلك العيش بتفاوت بالنسبة إلى الآخرين؟ يعيش مالك هذه الحالة، نظراً إلى اختلافه عن العالم المحيط به، وعدم تكيّفه معه، وعجزه عن تقبّل انفصاله عن صديقته، فضلاً عن مرض النوم الذي يُغرقه في حالة من الجمود.

يتعذّر على مالك السيطرة على جسده، فيقع وتختلّ وظيفته نسبة إلى نمط المجتمع الذي يعيش فيه ليغدو جسداً «غير فعّال» في عصر العولمة وتوحيد المعايير المطلقة. تعيش كلوديا (الأم) أيضاً حدادها بنمط آخر، حداداً بلا جسد، أي حداداً مستحيلاً». كما أن جريج تساءل بدوره:

«لماذا بات التواني محطّ احتقار؟ لماذا نعتبر السرعة صفة حسنة؟ لماذا يفرض علينا المجتمع أن نبقى فعّالين على مدار الساعة؟ هل يمثّل عدم اتساق النمط شكلاً جديداً من المقاومة والخصوصية، يؤكّد وجود الجسد؟».

أضاف جريج: «نعيش في بلد مبني على التقسيم الجماعي والإقطاعي، والتوزيع الطائفي والديني. منذ الطفولة، نخضع لهذا الانتماء، وننتظر حكم الآخرين علينا وتقييمهم لنا. لذا، نسعى من خلال أفلامنا إلى تسليط الضوء على هذا الواقع، والتفكير في سبيل يسمح لنا بالتحرّر من هذا العبء الجماعي دونما انقطاع عن أسرتنا ومجتمعنا».

بيروت ـ نديم جرجورة :