لا تبدو الأفلام التي عُرضت خلال اليومين الماضيين سواء في المسابقة الرسمية، أو في تظاهرة «نظرة ما» مثيرة أو مشبعة لنقاد وجمهور كان، حتى فيلم الافتتاح «شيفرة دا فينشي»؛ أثار موجة من الاستياء لدى النقاد كونه لم يأتِ بالشكل الذي تمّ الاحتفال به عالمياً.

ولم يرقَ إلى مستوى الرواية المكتوبة التي حقّقت مبيعات قياسية. صحيح أن أفلام هذه السنة تحمل شعار «التجديد»، وهي بالفعل كذلك، إلا أنه للآن لم نجد تحفة فنية بينها، رغم بعض الإضاءات من هنا وهناك.

* «أراجيح باراغواي»

ضمن تظاهرة «نظرة ما»، يأتي هذا الفيلم الجميل، و«الحداثي» بشكلٍ خاص. نقول «حداثي» لأنه يرتكز على مقاطع بصرية أشبه ما تكون بقصيدة مطوّلة، تتشكّل من قصائد أخرى قصيرة ومتعدّدة، ويحمل كل منها عناوين فرعية جانبية، بينما تتمازج وتتماهى الكلمات وتُعاد صياغتها بعدّة لغات، ولكن لمعنى واحد.

فيلم للمخرجة باز إنسينا (من الباراغواي) مصنوع لجمهور صبور، لا تعنيه القصة، أو السرد الكلاسيكي للحدث، ولا تعنيه سرعته. فيلم عبارّة عن بضع لقطات طويلة جداً، ثابتة، وبعيدة، حتى يكاد المرء أن لا يميّز ملامح الشخصيات الرئيسية طوال مدّة الفيلم (80 دقيقة).

والحكاية تدور في 14 يونيو عام 1939، في قرية نائية في الباراغواي، ينتظر زوجان عجوزان (كانديدا ورامون) عودة ابنهما الذي رحل لخوض حرب الـ «جاكو».

ينتظر الزوجان أيضاً هطول المطر الذي تظل إشارات سقوطه حاضرة في صوت العصافير وتحليقها فوق رأس الزوجين، لكنه لا يأتي أبداً، وهبوب الريح التي لا تأتي هي الأخرى.

* «قصر صيفي»

في المسابقة الرسمية، عُرض الفيلم الصيني «قصر صيفي» للمخرج لو يي، حول فتاة ريفية (أدّت الدور بامتياز يو هونغ) تقرّر مغادرة قريتها، وعائلتها، وعشيقها بعد أن تتلقى منحة دراسية في جامعة في بكين.

تغادر الفتاة بفرحة الاستكشاف لعالمٍ مفتوح لم تعتد عليه، عالم طاغٍ وسط تحولات سياسية وجنسية، تقع في حب زميل لعوب، تعشقه لحدّ الموت، ولدرجة يصبح فيها الحب جرحاً عميقاً يصل بها أحياناً إلى الهذيان النفسي، والجنون العصابي؛ فتصبح العلاقة مجرّد لعبة خطرة وسط مطالبات طلابية للديمقراطية والحريّة.

مشكلة الفيلم أنه يعاني من التطويل الشديد (140 دقيقة)، وتفاصيل كثيرة تأنى عن الحبكة الأساسية، أحدّاث مكرّرة بصيغ مختلفة، ولقطات تلفزيونية حقيقية تشعر للحظات أنها هنا فقط لكي تصبغ الفيلم باللون السياسي المرغوب.

إلاّ أن مذكّرات «يو هونغ» المكتوبة، والتي تصاحب التعليق الصوتي تحمل الكثير من الشعرية والذكاء في صياغة حوارات الفيلم، ويبدو أنها حجزت لنفسها مقعداً في ترشيحات الفوز بجائزة أفضل ممثلة.

* « تحنيط»

كيف يُمكن وصف فيلم سوريالي مبنٍ على فانتازيا، وهلوسات بصريّة أخاّذة، وأحداث يمكن لها أن تكون واقعية فقط في مخيلة المخرج الهنغاري جيورجي بالفي الذي لا ينفك وأن يصدمك مع كل فيلم جديد يصنعه؛ فبعد فيلمه الأوّل «هاكل» في عام 2002.

والذي ارتهن تماماً للصورة، والمؤثرات الصوتية، بعيداً عن الحوار، يأتي هنا في «تحنيط» لا ليحنّط ويثبت عينيك على الشاشة، بل ليفتحهما باتساع، ويدهشك بصرياً ـ على الأقل ـ ويقزّزك ذهنياً طوال مدّة الفيلم (91 دقيقة).

كم هائل من: الدماء، اللحوم، القيء، الأجساد المشوّهة، البدانة المفرطة، وأشياء أخرى أقل ما يُمكن وصفها بأنها مريضة. ثلاث قصص لثلاثة أجيال متعاقبة: جد، أب، ابن، متصلين ببعضهم البعض عن طريق وحدة الأهداف: الجد نظامي أثناء الحرب العالمية الثانية، يعيش في فانتازيا عجيبة.

ويرغب في ممارسة الحب. الأب البدين يبحث عن النجاح كرياضي في لعبة الأكل السريع في حقبة ما بعد العهد السوفييتي. الابن، المحنّط النحيف الذي يتوق إلى شيء أعظم: الخلود. يرغب في خلق عمل فني متكامل صالح لكل زمن، وذلك بتحنيط وحشو جسده.

* «أمة الطعام الجاهز»

المخرج الأميركي ريتشارد لينكلاتر حاضر بفيلمين هذه السنة، الأوّل في المسابقة الرسمية، والآخر في تظاهرة «نظرة ما» بعنوان «منسوخ داكناً». لينكلاتر يعود هنا بموضوع أصبح شاغل الناس، والأفلام التسجيلية في الفترة الأخيرة.

وهو الغذاء الصحي، وهيمنة شركات الوجبات السريعة على سوق المطاعم . الفيلم مقتبس عن رواية إيريك شلوسر، ويروي حكاية «دون هندرسون» (غريغ كنير)، مدير مبيعات تنفيذي لسلسلة مطاعم «ميكيز»، صاحبة اختراع «ذا بيغ ون»، أو (الكبير)، لديه مشكلة.

وهي تلوّث اللحم المثلج الذي يباع في مطاعمه، ولمعرفة السبب، عليه خوض رحلة إلى الجانب المظلم والخفي للشركة.ويحمل في بعض مشاهده قدراً من السخرية السوداء تجاه السياسة الأميركية الرأسمالية في تسويق كل شيء، من البطاطس إلى النفوس البشرية، لا شيء كثيرا يقوله غير ذلك، ومثلما ضجّ فيلم «تحنيط» بدماء حيوانية، ولحوم، وأمعاء، وطعام... لا يخرج هذا الفيلم من السياق ذاته.

* «حليم»

بحضور لفيف من الممثلين والمهتمين، منهم: الشيخ كامل صالح، عادل إمام، محمود عبدالعزيز، الإعلامي عماد الدين أديب، المخرج شريف عرفة، هيثم أحمد زكي، تمّ عرض فيلم «حليم» في سوق كان على هامش المهرجان.

وهذا الفيلم الذي طال انتظاره، ودار كثير من الجدل حوله أثناء وبعد تصويره، يُعرض هنا للمرّة الأولى؛ حيث نشاهد آخر عمل يؤدّيه أحمد زكي قبل وفاته بشهر من انتهاء تصوير دوره. يبدأ الفيلم بينما يؤدي عبدالحليم حافظ وصلة غنائية على المسرح مكابراً على مرضه، إلى أن يسقط مغمياً عليه بعد انتهاء فقرته. يُنقل إلى المستشفى وسط لفيف من عشاقه ومحبيه.

هنا تبدأ مرحلة سرد حياة عبدالحليم، وذلك عندما يقلّب هو نفسه الإذاعة ليجد بثاً لمقابلة مطوّلة أجريت معه مسبقاً، يتحدّث فيها تقريباً عن سيرة حياته:

بدءاً من طفولته التي أمضاها في الملجأ، إلى دخوله مجال الغناء، أغانيه السياسية، وعلاقته بالرؤساء، حبه الوحيد، علاقته بسعاد حسني، صراعه مع المرض، وعلاقاته مع النخبة الفنية والسياسية في تلك الحقبة، منهم: عبدالوهاب، الموجي، الأبنودي، بليغ حمدي، أم كلثوم، إحسان عبدالقدوس، وآخرين.

بين كل هذه الأحداث، يتنقّل الفيلم بين الحقب الزمنية، والشخصيات التي دخلت في حياة حليم، والفترات المهمة من حياته، بين اللونين الأبيض والأسود، والألوان، ويؤدي ابن الفنان أحمد زكي معظم فترات الفيلم دور حليم الشاب؛ بينما ينحصر دور الفنان أحمد زكي في مشهد البداية، والمقابلة الإذاعية، والمستشفى.

كما جميع الأفلام، يعاني الفيلم أيضاً من الطول (143 دقيقة)، ربما أراد صانعوه أن يحتفوا بحليم، غير أن مشاهد كاملة مثل: الحقبة السياسية، وحبه الأوّل كان يمكن اختصارها. كتب سيناريو الفيلم محفوظ عبدالرحمن، وألّف الموسيقى عمّار الشريعي، ومن تمثيل: أحمد زكي، منى زكي، جمال سليمان، هيثم أحمد زكي، سلاف فواخرجي، عزّت أبو عوف.

* «أحلام»

الفيلم العراقي «أحلام» للمخرج العراقي محمد الدراجي في تجربته الإخراجية الأولى عُرض في سوق كان على هامش المهرجان. هذه هي التجربة الثانية في السينما العراقية منذ سقوط بغداد، الأولى كانت للمخرج عدي رشيد في «غير صالح».

يبدأ الفيلم قبل يومين من السقوط عام 2003، في مستشفى للأمراض العقلية الذي يتعرّض للقصف الأميركي، نتعرّف على ثلاث شخصيات إحداها امرأة هي «أحلام»، لنعود بعد ذلك في فلاش باك خمس سنوات.

وبالتحديد عام 1998 لنرى حكاية هؤلاء الثلاثة: حسن وأحلام ومهدي. الأوّل جندي في الجيش العراقي يعاني من مرض سقوط الشعر، ويحلم بمغادرة العراق إلى مكان أكثر استقراراً، وفي الوقت ذاته يلقى علاجاً لمرضه. الثانية فتاة مرتبطة بشاب اسمه «أحمد»، وعلى وشك الزواج وإنجاب أطفال كثر، بينما الثالث طالب طب مجتهد، في السنة الأخيرة من الدراسة.

صوّر الفيلم في عام 2004، أي في أوضاع صعبة جداً ما بين التغلغل الأجنبي في العراق، والانفلات الأمني، وبزوغ الجماعات المسلحة، وتحت وصاية أميركية، وحكومة انتقالية، وفوضى حقيقية كما في الفيلم نفسه، كل المؤشرات المستحيلة كانت حاضرة أثناء التصوير.

وكل احتمالات القتل والتصفية والاختطاف لطاقم العمل كانت أقرب إلى حبل الوريد، لكن محمد الدراجي استطاع تحقيق الفيلم بجسارة. ما يؤخذ حقيقة على الفيلم هو التطويل (110 دقائق)، حيث كان بالإمكان اختزال وتكثيف المشاهد.

كان ـ مسعود أمرالله آل علي: