سجلت دول أميركا اللاتينية معدل نمو بنسبة 5.9% في العام قبل السابق، وهو أعلى معدل لها منذ عام 1981، حيث خرجت تلك الدول من مرحلة ركود طويلة. وتشير الإحصاءات إلى تحسن اقتصادات دول أميركا الجنوبية في السنوات القليلة الماضية مقارنة بالعقدين الماضيين رغم أن معدل النمو تباطأ قليلاً ــ ولكن النمو لا يزال مستمراً.

وتوقعت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأميركا الجنوبية ان تسجل دول القارة نمواً بنسبة 4.6% في المتوسط خلال العام الجاري. وقد يكون هذا التقدير اقل من الواقع. وقدرت باركليز كابيتال ان انموذج أميركا اللاتينية خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الجاري بلغ 6%.

ويبدو هذا النمو أكثر استقراراً من الماضي، حيث بلغ متوسط معدل التضخم في العام الماضي 6.3%.وكان معدل تضخم بنسبة 6.1% هو أقل معدل تسجله دول أميركا اللاتينية باستثناء عام 2001، الذي كان أقل معدل منذ الستينيات.

وسجلت دول القارة فائضاً في الحساب الجاري خلال السنوات الثلاث الماضية، ويتناقص ذلك بشدة مع أرقام عام 1997، عندما بلغ العجز في الحساب الجاري 4.5% من إجمالي الناتج المحلي وكان معدل النمو 5.5%. وشهد ذلك العام انخفاض مجموعة من عملات هذه الدول وبعضها سقط في الركود.

وقد استغلت دول أميركا اللاتينية هذا النمو في خفض الديون الخارجية، وانخفض الدين الداخلي أيضاً من 72% من إجمالي الناتج المحلي إلى 53% في العام الماضي، وفق ما ذكره بنك إنتر أميركان. ويعكس ذلك تزايداً في القوة المالية لهذه الدول.

وقال البنك ان متوسط العجز المالي في المنطقة تضاءل من 3. 3% من إجمالي الناتج المحلي عام 2002 إلى 1.7% في العام الماضي.وأدت هذه التغيرات إلى طفرة في أميركا الجنوبية، من حيث الأصول. وتمتعت البورصات بارتفاع على مدى ثلاث سنوات وانخفضت مخاطر مسؤولية، الحكومات عن دفع فوائد سنداتها إلى معدلات قياسية.

وإذا لم تنخفض أسعار الخامات والسلع ولم ترتفع أسعار الفائدة في أميركا بشكل كبير، لابد أن تدخل اقتصادات أميركا اللاتينية بسهولة في طفرة الأسواق المالية الحالية، كما يقول بيتر وست إخصائي أميركا اللاتينية في صندوق بواليم أست منجمنت في لندن الذي نقلت عنه مجلة »الإيكونوميست«.

وقد سبب هذا النمو بعض الجدل بشأن ما يطلق عليه إجماع واشنطن، حول إصلاحات الثمانينات والتسعينات، ومعهما كان الخطاب السياسي فقدتبنت كثير من دول أميركا اللاتينية اقتصادات عامة جيدة منذ انخفاض عملاتها في 1999 ـــ 2001.

ومن هذه العناصر الاقتصادية العامة، مرونة سعر الصرف واستهداف معدلات تضخم تحت السيطرة من البنوك المركزية وسياسات مالية مسؤولة.ويقول المشكوون إن على أميركا اللاتينية ان تبذل جهوداً أكبر في ظل الظروف الحالية، وقد أدى الطلب من الصين والهند إلى ارتفاع أسعار صادرات أميركا اللاتينية.

وحتى وقت قريب كانت أسعار الفائدة المنخفضة في الدول الغنية تدفع المستثمرين إلى الاستثمار في الأسواق الصاعدة، ولذلك فاق النمو في أميركا اللاتينية متوسط النمو العالمي، لكنه لم يصل إلى معدل نمو الصين والهند.

وتعزيز نمو أميركا الجنوبية بالخروج من انهيارات سابقة شهدتها الارجنتين وفنزويلا، وكان أداء كل من البرازيل والمكسيك ــ أكبر دول القارة اقتصادياً ــ متواضعاً.وهناك جدل كبير حول كيفية رفع معدل النمو المتواضع في أميركا اللاتينية.

أحد الخيارات يقول ان مكافأة الإصلاح بدأت تظهر أخيراً، لكن بمعدل أبطأ وأقل من المتوقع. والاستثمارات في ارتفاع، وتتنوع الصادرات. ويعني انخفاض معدل التضخم انخفاضاً في أسعار الفائدة. وارتفعت قروض البنوك التي كانت من النوادر في المنطقة.

وهناك رأي آخر يقول ان ارتفاع اسعار الخامات والسلع دفع بالنمو في هذه الدولة، التي لاتزال رغم ذلك تعاني عيوباً هيكلية. والاستثمارات تمثل فقط 20% من إجمالي الناتج المحلي، فيما تصل إلى 25% في شيلي ـــ التي سجلت نمواً بنسبة 5.7% منذ عام 1995.

ويقول مكريو بلا جير محافظ البنك المركزي في الارجنتين سابقاً ان الاستثمارات الأجنبية في أميركا اللاتينية منخفضة جداً، ويضيف ان هناك مخاوف ان تزداد المخاطر السياسية في المنطقة.

العيوب

وهناك عيوب لاتزال تحتاج للإصلاح مثل انخفاض الإنتاجية وتشدد قوانين العمل التي تمنع الشركات من التوظيف. والروتين يعوق انشاء المشروعات ويقول البنك الدولي إن انشاء مشروع جديد في أميركا اللاتينية يطلق أكثر من أي مكان في العالم باستثناء الشرق الأوسط وافريقيا. والقادة أصعب أماكن العالم من حيث إبرام العقود.

ورفع معدل التنمية والنمو مهمة صعبة وطويلة. وهناك تحديان رئيسيان، هما ان تظل المنطقة بعيدة عن المشكلات اذا تراجع النمو العالمي. ويشير ذلك إلى ضرورة اتباع سياسة نقدية أكثر تشدداً.

والإنفاق العام في البرازيل هو محرك الاقتصاد، وسط سيادة ارتفاع الضرائب، وأسعار الفائدة. وتدخر فقط شيلي والمكسيك بعض المكاسب من ارتفاع صادرات السلع لانفاقها وقت الشدة. ويتناقص ذلك مع ما يفعله هيوجو شافيز في فنزويلا، الذي ينفق عائدات البترول بأسرع مما تحصل عليها البلاد.

التحدي الثاني هو الفقر والحاجة الشديدين وكثير من أهالي أميركا اللاتينية لايزالون يشعرون ان الاصلاحات اضرت بهم، لان معدلات الفقر لا تنخفض بالسرعة التي يجب أن تكون عليها. ويرجع ذلك لأسباب منها عدم توازن توزيع الدخل أكثر من أي مكان آخر في العالم باستثناء افريقيا.

وقال تقرير حديث للبنك الدولي ان انتشار الفقر في حد ذاته يمكن أن يؤثر على النمو. فالفقراء لا يستطيعون المساهمة في الاقتصاد، ويشير ذلك إلى ضرورة إعطاء الأولوية لسياسات ترفع من معدلات النمو وتنخفض معدلات الفقر، ومثال ذلك الاستثمار في التعليم والبنية التحتية، كما يقول جولير مو بيري رئيس قسم أميركا اللاتينية في البنك الدولي.

وتضيف هذه النتائج في التقرير جدلاً اقتصادياً إلى القضية السياسية من أجل برامج جيدة لمكافحة الفقر. وقد بدأت بعض حكومات في أميركا اللاتينية وكولومبيا ـــ برامج واسعة النطاق لمكافحة.

وتشمل بعض البرامج 50 مليون شخص حالياً، بحيث يحصلون على مدفوعات شهرية بسيطة من أجل إبقاء اطفالهم في المدارس وإجراء الفحص الطبي دورياً، وهناك ادلة على أن هذه السياسات بدأت تؤتي ثمارها.

في المكسيك انخفض معدل الفقر بمقدار النصف بين 1998 و2004، برغم النمو الاقتصادي المتواضع. وعلى عكس ذلك فإن توزيع الدخل في البرازيل، اقل توازناً من أي وقت مضى خلال الثلاثين عاماً، الماضية.

وهناك مهام كثيرة لابد من تنفيذها لتحقيق جودة المدارس والرعاية الطبية. ويقول بيري ان الإنفاق العام في الدول المتقدمة يقلل من سوء توازن توزيع الداخل لكن هذا لا يحدث في أميركا اللاتينية، حيث توجه الحكومات الإنفاق نحو الجامعات الثرية من خلال المعاشات والدعم لطلاب الجامعات واستهلاك الطاقة.

ويرتبط رفع معدلات النمو في أميركا اللاتينية وتحقيق عدالة اجتماعية أكبر بالإصلاحات في الدولة. فالسياسة تلعب دوراً مهماً وكذلك المؤسسات السياسية التي تنفذها.

والنجاح الاقتصادي في شيلي مثلاً، يرجع إلى عوامل سياسية مثل خفض الفساد في الحزمة العامة والقضاء والإجماع السياسي الأوسع الذي يعزز ثقة المستثمر بأنه ان يواجه سياسات غير متوقعة. ويعترف خبراء الاقتصاد الان بان صناعة السياسة لا تتم من فراغ.

ترجمة: أشرف رفيق